تدوير الصراع.. كيف تؤثر أزمة الطاقة على مسار الحرب الروسية الأوكرانية؟

لا تزال الحرب الروسية الأوكرانية في عامها الخامس حافلة بالتطورات الميدانية اللافتة مع استعصاء الحل التفاوضي وغياب أي مؤشرات لتسوية سلمية بين الطرفين واضطراب علاقات التحالف الأطلسي حول ترتيبات الأمن في القارة الأوروبية وضمانات الولايات المتحدة لحلفائها من جهة ولروسيا من جهة أخرى دون إطار مرجعي يعيد بناء الثقة وينهي النزاع بصورة جذرية. وعلى صعيد طرفي الصراع، أحدثت حرب الاستنزاف الممتدة من فبراير 2022 تحولات استراتيجية عميقة في عقائد الدفاع حول العالم وأسهمت في بروز سلاح المسيرات كعنصر فاعل في حروب المستقبل باعتبار الحرب الأوكرانية مختبرًا عمليًا لتطوير الهياكل والبنى العسكرية والتكتيكات القتالية.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي تحولات الحرب الروسية الأوكرانية في عامها الخامس في ضوء التحولات المؤسسية والميدانية التي طرأت على طرفي الصراع الأساسيين من جهة وعلى مدى انخراط فاعلين دوليين في الأزمة تبعًا لارتداداتها المباشرة على البيئة الأمنية والاقتصادية الدولية من جهة أخرى.

تحولات جوهرية

تتقاطع التحولات الميدانية على الأرض مع تغييرات هيكلية على المستويين السياسي والعسكري في ضوء التكلفة المرتفعة للصراع الممتد منذ الاستيلاء على القرم في 2014 إلى اندلاع الحرب في 24 فبراير 2022 وما شهدته من تحولات عدة، وتتمثل التحولات الأخيرة فيما يلي:

(*) تغيير هيكلي: في خضم تراجع قدرات أوكرانيا الدفاعية لصد الهجمات على قطاع الطاقة والبنية التحتية الحيوية قبيل الشتاء والخلاف الواضح بين وزير الدفاع ميخايلو فيدروف ورئيس الأركان أوليكسندر سيرسكي والذي أسفر عن إقالتهما وإشعال احتجاجات مؤيدة لفيدروف، أجرى الرئيس الأوكراني تغييرات واسعة على الحكومة شملت الدفع بالرئيس التنفيذي لشركة نافتوجاز سيرجي كوريتسكي رئيسًا للحكومة، وتعيين كبير المفاوضين روستم أوميروف رئيسًا لجهاز المخابرات الخارجية. ويعد الخلاف الأبرز بين القيادة العسكرية الأوكرانية الانقسام حول حدود الاعتماد على التكنولوجيا في إحداث إختراقات تتجاوز خطوط التماس والدفع بحشود برية وفق العقيدة العسكرية السوفييتية التي يمثلها أوليكسندر سيرسكي والتي نجحت خلال العام الحالي وفق تصريحاته باستعادة 743 كم مربعًا من الأراضي الأوكرانية.

إلى جانب تغيير القيادة العسكرية نتيجة الخلافات بين وزير الدفاع ورئيس الأركان، حملت التغييرات السياسية بعدًا عسكريًا أكثر شمولًا مع إعلان الرئيس الأوكراني في 10 يوليو 2026 إنشاء قيادة عسكرية جديدة للضربات بعيدة المدى تركز على إضعاف قدرة روسيا على شن الحرب وتشمل دمج قوات صاروخية وحدات المسيرات بعيدة المدى إلى جانب وحدات الأنظمة البحرية المسيرة.

كما شملت التغييرات استحداث قيادة للرد السريع وهي قوة هجومية مدعومة تكنولوجيًا تشمل القوات الهجومية ووحدات المسيرات إلى جانب الدعم المدفعي، بهدف دعم قوات المواجهة على خطوط التماس لصد أي هجمات روسيا تستهدف استكمال الاستيلاء على منطقة دونيتسك أو دعم هجوم مضادة لاستعادة مناطق حيوية في الشرق، مستندة لمنجزات قصف العمق الروسي خلال حملة الأربعين يومًا.

وفي موازاة إعادة تنظيم الجبهة الداخلية الأوكرانية لمواجهة تداعيات فقدان غطاء الدفاع الجوي أمام ضغط الهجوم المكثف بالصواريخ والمسيرات الروسية على كييف ومناطق غرب البلاد خاصة باستهداف منشآت الطاقة قبل حلول الشتاء، أعادت روسيا في أغسطس الجاري تنظيم هيكل القيادة العسكرية على خط الجبهة من خلال استحداث قيادة للمنظومات المسيرة وتعيين رئيس أركان مجموعة المركز -التي تقاتل للسيطرة على منطقة دونيتسك- دينيس ليامين قائدًا لها، في خطوة لتحسين كفاءة الهيكل العسكري. كما عين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قائد مجموعة الشرق أندريه إيفانايف قائدًا لمجموعة المركز خلفًا لفاليري سولودتشك الذي سيتولى مسئولية الشئون اللوجيستية العسكرية.

(*) تغيرات ميدانية: أعلن الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي 25 يونيو 2026 انطلاق حملة الأربعين يومًا بقيادة جهاز الأمن الأوكراني مستهدفة منشآت صناعية ومنشآت الطاقة من مصافي نفط ومستودعات وقود ومحطات ضخ في العمق الروسي وبالبحرين الأسود وقزوين، إلى جانب ضرب الإمدادات اللوجستية في المناطق التي تسيطر عليها روسيا شرق أوكرانيا، بالتوازي مع استمرار استهداف القيادة والصناعات العسكرية الروسية. على الجانب الآخر وسعت موسكو من استهداف منشآت الطاقة وصناعات الدفاع الأوكرانية في كييف وغرب البلاد

مثل التكيف المؤسسي مع متغيرات المعركة وازدياد الاعتماد علىسلاح المسيرات نقطة التوازن النسبي في النشاط الهجومي بعيد المدى لكلا الطرفين رغم التفوق النوعي الروسي في استخدام صواريخ كروز وباليستية أكثر تطورًا، فعلى الجانب الأوكراني يتمثل الهدف في تحقيق التكامل بين القدرات والموارد والتكنولوجيا العسكرية المتاحة لتعطيل الآلة العسكرية الروسية وإضعاف قدرتها على استكمال الحرب عبر ضرب محاور الإمداد اللوجيستي وشل عصب الاقتصاد الروسي ممثلًا في قطاع الطاقة وصناعة الدفاع.

(*) استهداف الحلفاء: امتد لهيب المواجهات البحرية إلى منطقتي البحر الأسود وبحر قزوين مع استهدف أوكرانيا الواسع للسفن المرتبطة بروسيا وتوسيع موسكو قصف موانئ كييف على البحر الأسود؛ ففي 25 يوليو 2026 أعلنت طهران أن أوكرانيا قصف سفينة تجاريةإيرانية في المياه الإقليمية الروسية ببحر قزوين ما أدى لمقتل بحار إيراني، أعقبها تصريحات للرئيس الأوكراني في 28 يوليو 2026، اتهم فيها إيران بالانخراط في دعم روسيا بالمسيرات مقابل انخراط روسي في حرب الشرق الأوسط من خلال تبادل المعلومات مع طهران واستخدام صور أقمار صناعية روسية لدعم اعتداءاتها ضد دول الخليج العربي.

وطالت المواجهات في 3 أغسطس 2026، 7 سفن شحن في مينائي ميكولايف ويوجني الأوكرانيين، قبل أن تقصف أوكرانيا سفنتي شحن تركيتين عائدتين من ميناء نوفوروسيسك في 4 أغسطس 2026، ما أدى لإعلان أنقرة تقييد حركة الملاحة بالبحر الأسود بعد سلسلة من الاستهدافات طالت سفنًا تجارية وأخرى محملة بالأسلحة الدعم العسكري لكييف، حسب تصريحات الجانب الروسي.

كما امتدت المواجهات لساحات أوروبية عديدة على رأسها بلغاريا التي استدعت السفيرة الأوكراني على خلفية سقوط مسيرة أوكرانية الصنع في 8 أغسطس الجاري على الحدود مع رومانيا قرب خط أنابيب غاز يربط تركيا بغرب البلقان.

وتظهر عدة مؤشرات على هشاشة الأمن الأوروبي أمام التهديدات الهجينة التي تمثلها الطائرات المسيرة، حيث شهدت ألمانيا حادثتين خلال أسبوع أولها إحباط تفجير طائرة مسيرة بمطار لايبزيج بولاية ساكسونيا شرق البلاد، والذي يستخدم كمركز لوجستي لنقل الإمدادات العسكرية ويرتبط بشركة الطيران الحكومية الأوكرانية “أنطونوف إيرلاينز” في 4 أغسطس 2026، وثانيهافي 6 أغسطس 2026 حيث رصدت القوات المسلحة الألمانية مسيرتين فوق قاعدة عسكرية بولاية شمال الراين-وستفاليا غرب البلاد. فضلًا عن التهديدات التي تمثلها تدفقات محتملة لمتسللين في صورة مهاجرين غير نظاميين على خطوط التماس الشرقية خاصة دول البلطيق؛ حيث أعلنت السلطات في لاتفيا في 11 أغسطس 2026 اكتشاف نفق تحت الأرض على الحدود البيلاروسية يستخدمه المهاجرون للعبور إلى لاتفيا ودول الشنجن.

تداعيات محتملة

يمثل انتقال الصراع لاستهداف سلاسل إمداد الطاقة والأصول والمنشآت العسكرية والدفاعية مرحلة جديدة من التصعيد تدفع لتوسيع بؤرة الصراع في اتجاهين رئيسيين:

() اضطراب مزمن لسلاسل الإمداد العالمية: تتمثل المهمة الأصعب في تحرير التجارة البحرية للنفط والحبوب من نير التصعيد الروسي الأوكراني العابر للبحار، إذ بالتوازي مع التأثير العميق لاستهداف أصول مصافي النفط ومحطات الوقود على روسيا والمتمثل في استيراد البنزين من الهند وتكلفة خسائر أولية للبنى التحتية تُقدر بنحو 13 مليار دولار، إلا الضربات المكثفة على موانئ البحر الأسود ستؤدي للعديد من النتائج المرغوبة لكلا الطرفين من جهة وقد تدفع لسلسلة من الحسابات الخاطئة والنيران الصديقة باستهداف البنى التحتية لنقل وتداول الطاقة، كما ستعرض الأمن الغذائي العالمي للخطر بفقدان حصة مؤثر من كبار مصدري الحبوب عالميًا (روسيا وأوكرانيا بإجمالي صادرات متوقع 95.8 مليون طن متري للعام 2026/2027 بواقع 53.5 مليون طن لروسيا و41.9 مليون طن لأوكرانيا)، نتيجة تغير تدفقات سلاسل التوريد قسرًا نتيجة للضربات الأوكرانية على سفن الحبوب الروسية والقصف الروسي المركز على موانئ أوكرانيا، مما اضطر الأخيرة للبحث في تصدير الحبوب بريًا بالسكك الحديدية عبر مولدوفا مما يؤثر حتمًا على قدرات التصدير الأوكرانية التي تعتمد على البحر الأسود في تصدير 90% من صادرات الحبوب.

(-) توسيع نطاق الحرب: إلى جانب الأهداف المعلنة من الهجمات الأوكرانية على روسيا في تقليص قدرتها على شن حروب وبالتبعية إبراز أهمية أوكرانيا في دعم الأمن الأوروبي ومواجهة التهديد الروسي، يمثل توسيع رقعة الصراع بحريًا واستهداف منشآت ومحطات الطاقة من أطراف الصراع المباشرين وبصفة خاصة أوكرانيا تهديدًا بتوسيع نطاق الصراع خارج الأراضي الأوكرانية ليس فقط على الصعيد الجغرافي، وإنما على صعيد تقاسم التكلفة والأعباء الأمنية وتحميل الأطراف الداعمة لموسكو اقتصاديًا وسياسيًا جانب من فاتورة الصراع. واصطدم هذا الدور الأوكراني كحامي للأمن الأوروبي بردود الفعل الألمانية البطيئة على الهجوم الروسي فبراير 2022 نتيجة اعتماد الصناعة الألمانية على الغاز الروسي الرخيص واقترن نجاح كييف في فك الارتباط بين الاقتصاد الأوروبي والصناعات الدفاعية الروسية باستهداف شبكات نفوذ موسكو في مجال الطاقة كمنتج رئيس وأبرز موردي الغاز لدول الاتحاد قبل الحرب، وهو ما أدى لتوجيه النيابة العامة الألمانية في 2 يوليو 2026 اتهامات لسلطات رسمية أوكرانية بالوقوف خلف تفجير خطي “نورد ستريم” في سبتمبر 2022.

ونتيجة لتشابك الأزمات الجيوسياسية وملف الطاقة والذي بات محدد رئيسي في الصراع الروسي الأوكراني وحرب إيران من خلال معادلة حرمان “الطرف المعتدي/المُعاقَب” من حصته في صادرات النفط والغاز الطبيعي (المسال)، ينذر تكثيف الضربات على الملاحة البحرية ومنصات الطاقة في مناطق النزاعات بتلاقي أهداف الأطراف الإقليمية والدولية التي تلعب دور المحفز للصراعات مع تحول الطاقة من أداة إكراه لتغيير السياسات إلى قوة تدميرية من خلال إشعال الحزام الفاصل بين حرب الشرق الأوسط والحرب في أوروبا بتفجير الوضع في بحر قزوين أو جنوب القوقاز أو شرق أوروبا والبحر الأسود أو جنوبًا باتجاه البحر المتوسط.

وإجمالًا؛ يظل الاستنزاف المتبادل في الحرب الروسية الأوكرانية رهين العجز عن إنتاج تسوية سلمية متوازنة تحظى بقبول الجميع، فالولايات المتحدة وإن نجحت في تقييد الهجوم الروسي بالتعاون مع الحلفاء الأوروبيين ودفعه بعيدًا عن العاصمة كييف، إلا أن تقلبات مواقف قيادتها السياسية بين بايدن وترامب من الالتزام عبر الأطلسي أسهمت في إحداث فراغ نسبي في قيادة تحركات التحالف الغربي تجاه روسيا وخروج أوكرانيا عن طوع النصائح الأمريكية تجنبًا لتسوية مذلة لكييف تضطر فيها للاعتراف بالسيادة الروسية على شرق البلاد دون وجود ضمانات أمنية فعالة تحمي ما تبقى من أراضيها.

ضياء نوح

ضياء نوح- باحث أول بمركز رع للدراسات الاستراتيجية وهو المنسق الأكاديمي للمركز. الباحث خبير بوحدة الدراسات الاستراتيجية بقطاع القنوات الإخبارية بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وهو حاصل علي بكالوريوس العلوم السياسية، وباحث ماجستير في ذات التخصص، له العديد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مراكز الفكر والمجلات العلمية، متخصص في شئون الخليج وإيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى