تشابكات مربكة: كيف تؤثر حرب إثيوبيا على الملفات العالقة بالقرن الإفريقي؟

ترتبط الحرب المشتعلة في الشمال الإثيوبي في الجانب الأكبر منها بطموح رئيس الوزراء آبي أحمد لتغيير وجه إثيوبيا من فيدرالية عرقية تنحاز للأقليات الحاكمة من تيجراي وأمهرة إلى دولة أكثر وحدوية في هويتها السياسية ورموزها الوطنية تنعكس ديمقراطيتها على مركز قوي وأطراف مهمشة في خريطة القوة والنفوذ السياسي والعسكري، إلا أن النمط الذي لا يقل خطورة عن نهج حكومة “الازدهار” في الداخل سياستها الخارجية المعتمدة على شد الأطراف في منطقة القرن الإفريقي والتي تنظر إليها بصيغة عدائية في ضوء “ظلم الجغرافيا” للامبراطورية السابقة والتي باتت قبل ثلاثة عقود دولة حبيسة تعتمد في اتصالها بالعالم الخارجي على دول جوار صغيرة وأخرى هشة أمنيًا وسياسيًا. وتكمن الخطورة في استدعاء الحكومة الفيدرالية عدائية الجوار من تصورات القادة إلى لغة خطاب رسمي هددت في أكثر من مناسبة بالوصول للبحر الأحمر عبر منفذ سيادي وإن تطلب الأمر استخدام القوة أو زعزعة استقرار دول مجاورة على غرار توقيع مذكرة التفاهم مع ما يسمى بـ”أرض الصومال” وصولًا لدعم تموضع ميليشيا “الدعم السريع” عبر الأراضي الإثيوبية.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي تأثير تطورات حرب إثيوبيا على الملفات الإقليمية العالقة واحتمالات اندلاع حرب إقليمية.
تشابكات مربكة
على الرغم من أنباء التقدم الميداني التي تعلنها الحكومة الفيدرالية تجاه مدينة ألاماتا ضمن خطة لهجوم متعدد المحاور يستهدف السيطرة على عاصمة إقليم تيجراي ميكيلي، لا يزال تحالف المعارضة المسلحة (المكون من قوات جبهة تحرير شعب تيجراي وحركة فانو أمهرة الوطنية والجبهة الثورية للوحدة الوطنية العفرية “أوجوجومو”) يعلن تحقيق اختراقات في الإقليم العفري بالسيطرة على مدينة إربيتي، مستهدفًا قطع خط الإمداد الرئيسي للبلاد بجيبوتي، بعد أيام من السيطرة على مطارات ميكيلي وشاير وأكسوم. ويمثل اقتران تحرك المعارضة المسلحة بالتدخلات الخارجية سردية مؤسِسَة في الخطاب الرسمي الإثيوبي وتحولًا محتملًا في سياسة أديس أبابا تجاه الجوار.
(*) إريتريا: تعد الحدود الإريترية الإثيوبية الجبهة الرئيسية للتصعيد الراهن في ضوء تصريحات كبار المسئولين في الجانب الإثيوبي بانخراط إريتريا في الصراع من خلال استقبال مسئولي جبهة تحرير شعب تيجراي في أسمرة، فضلًا عن بقاء القوات الإريترية في الإقليم وفق مزاعم أديس أبابا، ففي فبراير 2026 طالبت إثيوبيا بسحب قوات إريتريا على الفور من أراضيها، متهمة أسمرة بتنفيذ توغلات ومناورات عسكرية مشتركة مع من وصفتهم بـ”المتمردين”. وعلى مدار الأشهر التالية اعتبرت أن إريتريا فاعل رئيسي في دعم جبهة تيجراي، حيث اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي برهانو جولا في 27 سبتمبر 2026 إريتريا بجانب مصر والسودان بدعم “التمرد” عسكريًا ولوجيستيًا، رغم تقليله من تأثير أسمرة وجبهة تيجراي باعتبارهما لا تستطيعان تحقيق أهدافهما بمفردهما، وهو ما يدفع لرؤية إريترية بأن الصراع مع إثيوبيا محتوم وفق تصريحات المستشار الإعلامي لسفارة أسمرة لدى القاهرة.
(*) الأزمة السودانية: قبيل عودة التوتر إلى الشمال الإثيوبي، كانت الحرب السودانية عامل استقطاب لدول القرن الإفريقي واختبارًا لتحالفاتها الدولية المتعارضة مع دعم إريتريا ومصر والصومال للدولة السودانية وعدم مساواة قواتها المسلحة الوطنية بميليشيا “الدعم السريع”، بينما وقفت إثيوبيا وكينيا على النقيض إلى جانب ميليشيا “الدعم السريع”. ورغم محاولة الظهور إبداءالحياد في بداية الأزمة، كشفت تطورات الحرب السودانية عن وجود دعم لوجيستي إثيوبي لميليشيا الدعم السريع من خلال منح مرتكز عسكري في أسوسا بإقليم بني شنقول، لشن هجمات “الدعم السريع” على ولاية النيل الأزرقمنذ ديسمبر 2025، حسب تحليل لصور أقمار اصطناعية صادر عن وحدة أبحاث بجامعة ييل الأمريكية. وفي مايو 2026 اتهمت الحكومة الإثيوبية الجيش السوداني بدعم مقاتلين مرتبطين بجبهة تحرير شعب تيجراي. من المحتمل أن تعزز إثيوبيا استغلال أجوائها وأراضيها لتسهيل إمدادات “الدعم السريع” دعمًا لسرديتها بانخراط السودان في الصراع الإثيوبي الداخلي، إلا أن ذلك الدعم اللوجيستي لن يحول دون اندلاع مواجهات بين الجيش السوداني وقوات الحكومة الفيدرالية الإثيوبية مع تعزيز التواجد العسكري الإثيوبي بإقليم بني شنقول لتأمين “سد النهضة”، فضلًا عن استغلال إدارة التدفقات المالية في الإضرار بالسودان.
(*) الصومال: يعزز بقاء الصراع محصورًا في شمال وشرق إثيوبيا بالوقت الراهن تحصين موقع الصومال مؤقتًا من دوامة التصعيد، رغم بقاء المحفزات الداخلية القابلة للاشتعال أمام ما يسمى بـ”أرض الصومال”. ويرتبط التحول المحتمل في عودة التصعيد بتدشين وجود استخباراتي إسرائيلي أو أمريكي في الإقليم الانفصالي، بالتوازي مع دفع أديس أبابا (تحت وطأة توجهات الداعمين الدوليين والضغط الميداني الداخلي) للمضي قدمًا في مذكرة التفاهم الموقعة في يناير 2024.
مسارات متقاطعة
مع احتمالات امتداد الصراع وانخراط أطراف إقليمية في مجرياته، قد يتحول التحالفين الإقليميين لكل من إثيوبيا وإريتريا من تطابق مصالح كل منهما في قضايا المياه والأمن والسيادة إلى المواجهة الشاملة، في ضوء عدة مؤشرات متوافرة في الظرف الراهن:
(&) تطورات الميدان: تمثل الخطة الإثيوبية لحسم الصراع من خلال هجوم متعدد المحاور باتجاه عاصمة إقليم تيجراي من الجنوب والغرب بدعم ومساندة من الطيران المسير وإجبار الجبهة وحلفائها على الاستسلام، افتراضًا خاطئًا نظرًا لتغير خريطة الصراع، خاصة في ظل تحول تكتيكات القتال باتجاه قطع خطوط الإمداد وتدمير البنية التحتية واستهداف المنشآت المدنية، ما يحول الصراع إلى جرح غائر يضرب صميم النسيج الاجتماعي الإثيوبي المتصدع أصلًا جراء الصراع السابق الذي خلف 600 ألف قتيل وفق الإحصاءات الرسمية للاتحاد الإفريقي. ففيما يتمثل الوصول للعاصمة الفيدرالية هدفًا أعلى لتحالف المعارضة المسلحة، أضحت السيطرة على الممر الحيوي الرابط بجيبوتي عبر إقليم عفر هدفًا مرحليًا بالغ الأهمية، وهو ما يتعزز في الصراع الحالي مع انخراط مجموعة مسلحة محلية في الصراع.
(&) التحالفات الإقليمية المتعارضة: تعد الحرب السودانية نموذجًا مثاليًا لتحليل التطور المحتمل لحرب إثيوبيا من مرحلة استنزاف متبادل على الأرض إلى صراع مصيري على إعادة تشكيل خريطة القرن الإفريقي وليست صراعًا محدودًا حول النفوذ؛ فإثيوبيا استفادت من الهشاشة الأمنية بالسودان لدعم توغلات ميليشيات أمهرية بمنطقتي الفشقة الكبرى والصغرى، وتمتلك طموحات التحول لقوة إقليمية مهيمنة مدعومة بشراكتها الأمنية في بعثات حفظ السلام والتحكم بإدارة مياه الأنهار الدولية كأداة هيمنة، بينما ينقص مشروع القوة الإقليمية تأمين سلاسل الإمداد الحيوية للبلد الحبيس من خلال امتلاك منفذ بحري وإعادة رسم ممرات التجارة وخاصة تجارة النفط من جنوب السودان، استغلالًا للحرب الراهنة في السودان.
وتتخوف إريتريا من بعض سيناريوهات الصراع الإثيوبي المتاخم لحدودها المتداخلة اجتماعيًا مع تيجراي؛ ففي حال التقدم السريع لقوات الحكومة الفيدرالية بالتعاون مع “قوة سلام تيجراي” للسيطرة على عاصمة الإقليم، قد تنظر أسمرة إلى ذلك التقدم العسكري باعتباره تهديدًا لوجودها وسلامتها الإقليمية، مما قد يدفعها للانخراط في مسار الأزمة على محورين؛ أولهما استقدام تعزيزات عسكرية على الحدود مع تيجراي، وثانيهما دعم الجبهة جنوبًا في الإقليم العفري لقطع خطوط الإمداد العسكرية والتجارية عن إثيوبيا وتأمين شريطها الساحلي الدقيق. وفي حالة استمرار المواجهات (المرجح) في الشمال الشرقي لإثيوبيا لفترة زمنية تتجاوز نهاية العام الجاري دون بروز مؤشرات واضحة على حسم الصراع من قبل تحالف المعارضة، قد تدفع باتجاه توسيع جبهات القتال من خلال دعم بعض الحركات المسلحة بعيدًا عن المناطق المتاخمة في إقليمي عفر وتيجراي.
(&) اضطراب الرؤية الأمريكية: لا يزال العامل الأمريكي حاسمًا في تحديد نتائج الصراع الراهن سواء بالغياب عن مجريات الحرب، أو باتخاذ موقف واضح من مسار الأزمة وأطرافها. إذ يشي انفتاح واشنطن على التعاون العسكري مع إثيوبيا بالتزامن مع امتناعها عن تجديد العقوبات على إثيوبيا وإريتريا جراء حرب تيجراي (2020-2022) في سبتمبر 2026. ويعد امتناع الولايات المتحدة عن التدخل الإيجابي لإيقاف الصراع مخاطرة باندلاع صراع إقليمي بدعم من حلفاء لواشنطن يخاطر بتعزيز اضطراب الملاحة الدولية وسلاسل إمداد الطاقة في أسوء السيناريوهات، بينما قد يدفع لاستدعاء قوى كبرى مناوئة للولايات المتحدة على غرار روسيا أوالصين تبدأ بالدعم العسكري والتسليحي صولًا لإيجاد موطئ قدم لوجود عسكري راسخ في تلك العقدة الاستراتيجية الهامة للتجارة والشحن البحري والدوليين.
وإجمالًا؛ منذ الإرهاصات الأولى لعودة الصراع مطلع العام الجاري تصاعد التوتر بين إثيوبيا وجوارها في إريتريا والسودان فضلًا عن عودة تصعيد الخطاب الرسمي تجاه قضية “سد النهضة”، مدفوعًا بتوجهات القيادة الإثيوبية لتحويل الأزمات البنيوية الداخلية لأوراق ضغط خارجية تمنحها أفضلية في مواجهة الخصوم الداخليين. وتمثل حرب إثيوبيا انزلاقًا خطيرًا نحو حرب إقليمية وقودها طموح حكومة آبي أحمد لتغيير خريطة بلاده ومنطقة القرن الإفريقي برمتها، ونخب سياسية وعسكرية طامحة لاستقلال أقاليمها في وجود داعمين إقليميين ودوليين أكثر اندفاعًا للانخراط في الصراع تحت وطأة هواجس جيوسياسية واقتصادية أو وجود تطابق بنيوي أو ارتباط براجماتيمع تحالف إقليمي دون آخر.