من العقيدة إلى الوكالة.. لماذا أصبح الإرهاب وظيفة مستأجرة؟

أوقفت السلطات البريطانية خمسة أشخاص فجر الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦، بعد رصد ثلاث شاحنات صغيرة في منطقة ريفية قرب القاعدة التي تستخدمها القوات الجوية الأمريكية منذ عقود. وتبين أن الموقوفين بريطانيون من لندن في العشرينات من العمر، أوقفوا أولًا بشبهة مخالفات متعلقة بالمتفجرات، ثم بشبهة التحضير لعمل إرهابي. على إثر ذلك، تم إجلاء سكان ٨٥ منزلًا من قرية “ويلفورد”.
أفرجت الشرطة عن الخمسة بكفالة مع فرض تدابير صارمة تجاه الموقوفين، وقالت إنها تحقق عبر مسارات متعددة. ولم يحسم بعد وجود دعم دولة، وتشمل الفرضيات صلة التحركات بإيران أو روسيا أو جماعات مسلحة غير حكومية. وذكر رئيس شرطة مكافحة الإرهاب لورانس تايلور أن التحقيق يشمل احتمال تحرك وكلاء أو أفراد لحساب دولة أجنبية، عن علم أو من دونه. وقد نفت السفارة الإيرانية في لندن أي تحرك من جانبها. أما وزير الخارجية الأمريكي “روبيو” فتحدث عن فاعل أجنبي دون أدلة معلنة، وانتقد ترامب الإفراج عن المتهمين.
انطلاقا من هذا، يسعى التحليل للإجابة عن الأسئلة المركزية: هل تنتمي الواقعة محل التحليل إلى الإرهاب بمعناه الأيديولوجي، أم إلى تخريب تديره دولة عبر وسطاء؟ وكيف يغير غياب الدافع الأيديولوجي المعلن التصنيف القانوني والاستجابة السياسية؟
إشكالية الإسناد:
أول ما يلفت الانتباه أن الواقعة تحمل توصيف الإرهاب رسميا، ولا يقابل ذلك وجود سردية أيديولوجية معلنة، في ظل غياب منصة دعائية أو هوية جماعة تعلن مسؤوليتها. وهو ما يخالف نمط العمليات الجهادية التي تسبق فعلها أو تليه بخطاب يشرح الغاية، كما فعلت القاعدة وغيرها في بياناتها بعد ٢٠٠١. فغياب الخطاب في حد ذاته يعكس: إما أن الفاعل لا يسعى إلى الاعتراف، وهذا ما يناسب عمل الدول الذي يتبنى سياسة الإنكار، وإما أن العملية أحبطت قبل مرحلة الدعاية.
يتغذى الطرح البريطاني الرسمي على سوابق متكررة وقعت خلال العامين الماضيين: توظيف عناصر محلية بأجر لتنفيذ حرائق وتخريب، كما في حريق مستودع بلندن عام ٢٠٢٤ المنسوب، وفق الادعاء عام ٢٠٢٤، إلى شبكة مرتبطة بفاغنر. وقضايا تنسب إلى إيران تتعلق بالاستعانة بشبكات إجرامية، مثل قضية “فوكستروت” التي فرضت عليها عقوبات، وشبهات عملية طعن مذيع “إيران إنترناشيونال” عام ٢٠٢٤. وتصف التقارير الأمنية البريطانية ارتفاع قضايا الأمن القومي المرتبطة بدول معادية بنسبة ٥٠٪ في ستة أشهر حتى ديسمبر ٢٠٢٥. الشاهد هنا أن هذا النموذج يشير إلى انقطاع الصلة بين المنفذ والغاية أو هدف المحرك: فالمنفذ قد يكون مرتزقا أو مغررا به، والراعي صاحب مصلحة استراتيجية عسكرية.
هنا يتقاطع الدافع الأيديولوجي مع الوظيفي؛ فالمنفذون في نموذج الوكالة لا يحتاجون إلى عقيدة، بل إلى حافز مادي أو ابتزاز أو تعبئة عبر الفضاء الرقمي. أما الراعي فقد يوظف رصيدا أيديولوجيا كامنا: خطاب إيران عن القواعد التي تستخدم ضدها بوصفها هدفا مشروعا، وتراث محور المقاومة، أو استثمار غضب الشارع من الحرب والعدوان على غزة. ويمكن كذلك أن تكون الخلية ذاتية التعبئة ضمن نمط المقاومة بلا قيادة، الذي نظر له أبو مصعب السوري، أو ضمن بيئة احتجاجية مناهضة للحرب تحولت إلى عنف، خاصة أن القاعدة شهدت احتجاجات، وهي التي انطلقت منها قاذفات B-52 في حرب العراق ٢٠٠٣. فالفرضيات الأيديولوجية الثلاث (دينية جهادية، سياسية مناهضة للحرب، استراتيجية وظيفية) لا تزال محتملة، ولا يجوز ترجيح إحداها حتى الآن.
رمزية الهدف:
التعدد في التفسير تفرضه طبيعة اختيار الهدف. فقاعدة فيرفورد انطلقت منها قاذفات “بي ١” و”بي ٥٢” خلال الحرب مع إيران، ورفضت لندن في البداية طلب واشنطن استخدام قواعدها، ثم قبلته بوصفه “دفاعيا”. فالمنشأة رمز لتورط بريطانيا غير المباشر، وضربها أو مجرد الاقتراب منها رسالة موجهة إلى ثلاثة أطراف: الحكومة البريطانية، والرأي العام المتردد في الحرب، والحليف الأمريكي. فوفق منطق الدعاية في الحروب بالوكالة لا تحتاج الرسالة إلى انفجار كامل. وغياب متفجرات صالحة للاستخدام يقبل تفسيرات متعددة: عملية استطلاع، أو اختبار زمن الاستجابة، أو تحضير لم يكتمل، أو تضخيم للواقعة.
يمكن هنا استدعاء تراث الإرهاب المحلي للتفسير، فمنذ تفجيرات ٧/٧ عام ٢٠٠٥، كشفت الحالة أن التهديد يخرج من داخل المجتمع بعد اختمار مظالم سياسية وربطها بحرب خارجية. النموذج الجديد أن المحرك قد لا يكون تنظيما، بل الدولة الراعية التي تستثمر قابلية التجنيد. وتحذر الأجهزة البريطانية من أن أنشطة مرتبطة بإيران استهدفت أفرادا من الجالية اليهودية بحرائق متعمدة لبث الخوف. وهذا يقتضي الحذر المنهجي؛ فالخلط بين الشبكات المتطرفة والجاليات يغذي الاستقطاب الذي تتغذى عليه الأطراف المتطرفة كلها، من الإسلاموي إلى اليميني.
المعضلة القانونية:
يقوم قانون الإرهاب البريطاني على ركن الدافع: تعريف الإرهاب في قانون ٢٠٠٠ “يشترط أن يكون الفعل لخدمة قضية سياسية، أو دينية، أو عرقية، أو أيديولوجية”. أما حين يكون الدافع خدمة دولة أجنبية فقد يستدعى قانون الأمن القومي لعام ٢٠٢٣، الذي أنشأ جرائم تتصل “بشرط الدولة الأجنبية” ووسع نطاق جريمة الإرهاب دون اشتراط الأيديولوجيا.
وهذا يفسر إعلان شرطة مكافحة الإرهاب أن التحقيق يمتد إلى أفراد يعملون لحساب دولة من دون علمهم. فالتكييف القانوني في هذه الحالة ليس تصنيفا إجرائيا، بل يحدد الصلاحيات ومدد الاحتجاز وخطاب الحكومة. والإفراج بكفالة يعكس، بحسب القراءة البريطانية، منطقا لفقر الأدلة، لكنه يصطدم بحسابات سياسية أمريكية تفضل الإدانة السريعة، وهو ما يفتح الباب لحرب السرديات.
تكشف الواقعة تصارعا بين روايتين: ترامب يؤكد أن المشتبه بهم كانوا تحت المراقبة الأمنية، بينما تقول الشرطة إن التوقيف جاء إثر بلاغ من مزارع لاحظ شاحنات مريبة. و”روبيو” يعلن وجود فاعل أجنبي دون أدلة معلنة، في إطار خطاب أمريكي يربط طهران بتمويل الإرهاب والاغتيالات. لذلك، أهمية الدقة في التحقيق والإسناد تعكسها خبرات السوابق؛ فإسناد حادثة سالزبوري ٢٠١٨ قام على أدلة جنائية دقيقة أعلنتها لندن تدريجيا، في مقابل الإسناد الأمريكي المتسرع لأسلحة الدمار الشامل عام ٢٠٠٣، الذي أضر بمصداقية الخطاب الأمني لسنوات.
وأيا كانت نتيجة الجدل حول الإسناد، فإن الواقعة تكشف ما هو أبعد: خطورة نموذج الحرب بالوكالة. إذ تكمن خطورة الإرهاب بالوكالة في أنه يفكك الرابط الذي بنت عليه أجهزة المكافحة عملها عقدين: الرابط بين المنفذ والتنظيم والأيديولوجيا. فحين يجند المنفذ بأجر أو بابتزاز، تتراجع قيمة الرصد الأيديولوجي وجدوى قوائم التنظيمات، ويصعب بناء عليه الإسناد، وتتعطل أدوات الردع والمساءلة.
هذا الوصف التحليلي حاضر في واقعنا الدولي؛ فالأجهزة البريطانية تتحدث عن ارتفاع قضايا الأمن القومي المرتبطة بدول معادية بنسبة ٥٠٪ في ستة أشهر حتى ديسمبر ٢٠٢٥، وعن حرائق ووقائع تخريب في بريطانيا وأوروبا نسبت إلى وكلاء لروسيا وإيران، بعضها استهدف أفرادا من الجالية اليهودية لبث الخوف، وأخرى استعانت بشبكات إجرامية كما في قضية “فوكستروت”. وهذا ما يجعل مسار الواقعة، أيا كان، اختبارا لقدرة الأجهزة على مواجهته، وهو ما تفصله السيناريوهات التالية.
سيناريوهات مفتوحة:
من مجمل المعطيات يمكن اختصار المسارات المحتملة في ثلاثة:
(-) السيناريو الأول،- هو أن تثبت صلة دولة عبر وسطاء، فيتحول الملف إلى أزمة أمن قومي بين لندن وطهران، مع مراجعة آليات حماية القواعد وأنماط التجنيد.
(-) السيناريو الثاني،– هو أن تكون خلية محلية ذاتية التعبئة، فيعود النقاش إلى الراديكالية المحلية وأثر الحرب في تعبئتها والحلول الممكنة.
(-) السيناريو الثالث،- هو أن تنتهي القضية بغلق الملف دون اتهام، فيتحول الحدث إلى اختبار لثقة الجمهور في الأجهزة، ويتم التعتيم على الجهة المسؤولة لأسباب استخباراتية.
إذن، المؤشرات الفاصلة في هذا السياق تتجه نحو تحديد طبيعة الاتصالات الرقمية للموقوفين، والتمويل، وعلاقتهم بشبكات إجرامية أو احتجاجية، وأي بصمة أيديولوجية في أجهزتهم. وحتى تتوافر الأدلة، فالأسلم منهجيا أن يعامل الحدث بوصفه عملية مفتوحة الإسناد لا حكما نهائيا، وأن تحلل تداعياته على المسارين الأمني والسياسي معا، وليس الأيديولوجي فقط.
في الأخير، تظهر واقعة “فيرفورد”، أيا كان مآلها، أن الإرهاب لم يعد فاعلا مستقلا عن الصراع بين الدول، بل صار إحدى أدواته منخفضة الكلفة. فالمشهد الدولي الراهن ـ من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران منذ فبراير ٢٠٢٦، إلى أزمة مضيق هرمز وشروط إعادة فتحه، إلى العقوبات الأمريكية، إلى الحرب الروسية الأوكرانية ـ تدار فيه الخصومة الاقتصادية والعسكرية بأدوات متعددة المسارات: عقوبات وممرات طاقة وتفاوض من جهة، وتخريب وحرائق ومخططات اغتيال عبر وكلاء من جهة أخرى.
وتكشف حالة “فوكستروت” كيف يلتقي الاقتصاد الإجرامي (المخدرات والتجنيد الرقمي) بحاجة بعض الدول إلى ضربات قابلة للإنكار، فتتحول شبكات الجريمة المنظمة إلى ذراع أمنية مؤجرة. والنتيجة أن الحرب على الإرهاب تتداخل مع الحرب على الوكلاء، وأن الاستجابة الأمنية وحدها لا تكفي؛ ما لم تعالج شروط الصراع الاقتصادي والاستراتيجي التي تجعل استئجار العنف مجديا للدول، لذا ستبقى أهداف مثل القواعد والجاليات والمنشآت الحيوية ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.