هندسة النفوذ.. لماذا يتعزز التحالف الهندي–الإسرائيلي؟

في الوقت الذي تواجه فيه إسرائيل ضغوطًا دولية غير مسبوقة بسبب حرب غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية، تبدو الهند وكأنها تسير في الاتجاه المعاكس، عبر تعميق شراكتها مع تل أبيب على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية. ولم يعد هذا التقارب مجرد تعاون ثنائي تقليدي، بل تحول إلى أحد أهم التحالفات الصاعدة في النظام الدولي، مدفوعًا بتقاطع المصالح الأمنية، والتوافق الأيديولوجي بين القيادتين، ورغبة البلدين في تعزيز نفوذهما داخل بيئة دولية تتجه نحو مزيد من الاستقطاب والتنافس الجيوسياسي. وتشير المعطيات الحالية إلى أن هذه العلاقة باتت تتجاوز حدود الأشخاص والحكومات لتصبح شراكة استراتيجية طويلة الأمد ذات تأثير متزايد في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

مودي ونتنياهو.. تقارب سياسي يتجاوز الدبلوماسية التقليدية:

يعد العامل الشخصي والسياسي أحد أهم مرتكزات العلاقة بين رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فمنذ وصول مودي إلى السلطة عام 2014 شهدت العلاقات الثنائية قفزة غير مسبوقة، تُرجمت في زيارات متبادلة واتصالات سياسية مكثفة وتنسيق متواصل في الملفات الإقليمية والدولية. ويقوم هذا التقارب على رؤية مشتركة تعتبر الأمن القومي ومكافحة الإرهاب أولوية قصوى، وتتبنى خطابًا قوميًّا يركز على الهوية الوطنية والدينية باعتبارها ركيزة أساسية للدولة. ويرى العديد من الباحثين أن هذا التشابه الفكري ساهم في نقل العلاقات من مستوى التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.

الدفاع والأمن.. العمود الفقري للتحالف:

يمثل التعاون العسكري الركيزة الأساسية للعلاقات الهندية الإسرائيلية. فوفقًا لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، أصبحت الهند أكبر مشترٍ للسلاح الإسرائيلي، واستحوذت خلال السنوات الأخيرة على نحو 34% من صادرات الصناعات العسكرية الإسرائيلية. كما تطورت العلاقة من مجرد شراء الأسلحة إلى التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا وتطوير أنظمة دفاعية متقدمة تشمل الطائرات المسيرة والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي. وتستفيد الهند من الخبرة الإسرائيلية في مجالات الاستخبارات والحرب الإلكترونية ومكافحة الإرهاب، بينما تضمن إسرائيل سوقًا ضخمة ومستقرة لصناعاتها الدفاعية في ظل المنافسة الدولية المتزايدة.

التحالف في مواجهة الصين وباكستان:

لا يمكن فصل التقارب الهندي الإسرائيلي عن الحسابات الأمنية للهند في محيطها الإقليمي. فنيودلهي تنظر إلى باكستان باعتبارها التهديد الأمني التقليدي الأول، بينما تمثل الصين التحدي الاستراتيجي الأكبر على المدى الطويل. وفي هذا السياق توفر إسرائيل للهند تقنيات متطورة تساعدها على تعزيز قدراتها العسكرية والاستخباراتية، خاصة في مجالات المراقبة والطائرات بدون طيار والدفاع الصاروخي. ولذلك أصبح التعاون مع إسرائيل جزءًا من استراتيجية هندية أوسع تستهدف تعزيز الردع وتحقيق التفوق التكنولوجي في مواجهة خصومها الإقليميين.

الاقتصاد والتكنولوجيا.. شراكة تتجاوز السلاح:

رغم أن التعاون الدفاعي يتصدر المشهد، فإن العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية تشهد نموًا متسارعًا. وتُعد الهند ثاني أكبر شريك تجاري لإسرائيل في آسيا، فيما تتوسع مجالات التعاون لتشمل التكنولوجيا المتقدمة والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وإدارة المياه والزراعة الحديثة والشركات الناشئة. كما بدأت مفاوضات اتفاقية تجارة حرة بين البلدين، في خطوة تستهدف رفع حجم التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة خلال السنوات المقبلة. ويعكس ذلك إدراكًا متبادلًا بأن التكنولوجيا أصبحت أحد أهم مصادر القوة والنفوذ في القرن الحادي والعشرين.

تراجع مركزية القضية الفلسطينية في السياسة الهندية:

أحد أبرز التحولات التي أفرزها هذا التقارب يتمثل في تغير المقاربة الهندية تجاه القضية الفلسطينية. فبعد عقود طويلة كانت خلالها الهند من أبرز داعمي الحقوق الفلسطينية داخل حركة عدم الانحياز والأمم المتحدة، أصبحت أكثر حذرًا في انتقاد السياسات الإسرائيلية. ورغم استمرار التأكيد الرسمي على دعم حل الدولتين، فإن المواقف العملية للهند منذ اندلاع حرب غزة أظهرت أولوية واضحة للحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع إسرائيل، وهو ما أثار انتقادات داخلية وخارجية اعتبرت أن نيودلهي تبتعد تدريجيًا عن إرثها التاريخي في دعم القضايا التحررية.

إيران.. الخاسر المحتمل من التقارب الهندي الإسرائيلي:

يفرض التحالف المتنامي بين الهند وإسرائيل تحديات متزايدة على علاقات نيودلهي بطهران. فالهند تحتاج إلى إيران باعتبارها مصدرًا مهمًا للطاقة وبوابة استراتيجية نحو آسيا الوسطى وأفغانستان، لكنها في الوقت نفسه تعزز تعاونها الأمني والعسكري مع إسرائيل بشكل غير مسبوق. وقد دفع هذا التوازن المعقد الهند إلى تبني مواقف أكثر حذرًا تجاه الصراعات الأخيرة بين إسرائيل وإيران، في محاولة للحفاظ على مصالحها مع الطرفين دون الانحياز الكامل لأي منهما. إلا أن المؤشرات الراهنة توحي بأن المصالح الاستراتيجية مع إسرائيل أصبحت أكثر تأثيرًا في حسابات صانع القرار الهندي.

هل يستمر التحالف بعد مودي ونتنياهو؟

تشير المؤشرات إلى أن العلاقات الهندية الإسرائيلية تجاوزت مرحلة الارتباط بالقيادات السياسية، وأصبحت قائمة على شبكة واسعة من المصالح والمؤسسات والتفاهمات طويلة الأمد. فالتعاون الدفاعي والتكنولوجي والاقتصادي بات يوفر مكاسب استراتيجية يصعب على أي حكومة مستقبلية التفريط فيها. لذلك يرجح العديد من المحللين استمرار هذا المسار حتى في حال تغير الحكومات في نيودلهي أو تل أبيب، مع احتمال حدوث تعديلات في الخطاب السياسي دون المساس بجوهر الشراكة القائمة.

بناء ما سبق، يكشف التحالف الهندي الإسرائيلي عن أحد أهم التحولات في خريطة العلاقات الدولية خلال العقد الأخير. فالهند لم تعد تنظر إلى إسرائيل فقط كمصدر للسلاح والتكنولوجيا، بل كشريك استراتيجي يساعدها على تعزيز مكانتها الدولية ومواجهة تحدياتها الأمنية. وفي المقابل، ترى إسرائيل في الهند قوة آسيوية صاعدة توفر لها عمقًا سياسيًا واقتصاديًا في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية عليها. ومن ثم فإن هذا التحالف مرشح لأن يصبح أحد أكثر التحالفات تأثيرًا في معادلات الشرق الأوسط وجنوب آسيا خلال السنوات المقبلة، بما يحمله من انعكاسات مباشرة على ملفات الأمن الإقليمي والقضية الفلسطينية والتوازنات الدولية الجديدة.

د. نورهان العباسي

د. نورهان العباسي، نائب أول مدير المركز للدراسات و البحوث ورئيس برنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة أستاذ مساعد الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. حصلت على درجة الدكتوراه في الصحافة والإعلام من جامعة وستمنستر بالمملكة المتحدة. الباحثة عملت في العديد من مراكز الفكر العربية والدولية منها في مصر وقطر والمملكة المتحدة، وهي متخصصة في مجالات الاقتصاد السياسي للإعلام، وإدارة الأزمات الإعلامية، ودراسات التحولات المجتمعية في الدول العربية، هذا بالإضافة إلى قضايا المرأة والأقليات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى