المونديال.. حين تُحتسب الأرباح قبل الأهداف

لطالما قُدمت كرة القدم باعتبارها اللعبة الأكثر عدالة في العالم، حيث يفوز الأفضل داخل المستطيل الأخضر، لكن بعض المباريات الكبرى تعيد طرح سؤال صعب: هل ما زالت العدالة وحدها هي التي تحكم كرة القدم الحديثة؟.
وما شهدته مواجهة مصر والأرجنتين في دور الـ16 من كأس العالم لم يكن مجرد خسارة مؤلمة، بل مباراة أثارت جدلًا واسعًا بسبب قرارات تحكيمية اعتبرها كثير من المحللين مؤثرة في مسار اللقاء، وهو ما دفع الاتحاد المصري لكرة القدم إلى التقدم بشكوى رسمية بشأن أداء طاقم التحكيم، لتتحول المواجهة من مباراة رياضية إلى قضية رأي عام رياضي.
ولم يكن الجدل التحكيمي جديدًا على بطولات كأس العالم، لكن هذه المباراة اكتسبت زخمًا استثنائيًا بعدما تجاوزت الانتقادات حدود الجماهير المصرية، وامتدت إلى محللين ووسائل إعلام ولاعبين سابقين، أعادوا فتح النقاش حول مدى فاعلية تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، وهل أصبحت التكنولوجيا قادرة بالفعل على تحقيق العدالة الكاملة أم أنها ما زالت مرتبطة بتقديرات بشرية قابلة للجدل.
وتكشف الأرقام حجم التحول الذي شهدته كرة القدم من لعبة جماهيرية إلى صناعة اقتصادية متكاملة؛ فبحسب تقرير لوكالة بلومبرج، من المتوقع أن يحقق الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) نحو 9 مليارات دولار من كأس العالم الحالية، بزيادة تقارب ملياري دولار عن مونديال قطر، مدفوعًا بتوسيع البطولة إلى 48 منتخبًا، وارتفاع عدد المباريات إلى 104 لقاءات، إلى جانب تخصيص نحو 870 مليون دولار للجوائز المالية.
ولا تقتصر العوائد على حقوق البث والرعاية فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد المحيط بالبطولة؛ فالمشجعون أنفسهم يمثلون جزءًا من دورة الأرباح، حيث أنفق بعض الحاضرين في الملاعب ما يقارب 100 دولار للفرد خلال المباراة الواحدة على التذاكر والمأكولات والمنتجات والخدمات المصاحبة، ما منح الشركات المرتبطة بالبطولة عوائد ضخمة.
هذه الأرقام تؤكد أن كل مباراة في كأس العالم أصبحت مشروعًا اقتصاديًا قائمًا بذاته، وأن حجم الجماهيرية وقوة المنتخبات المشاركة باتا عاملين مؤثرين في القيمة التجارية للبطولة، وهو ما يضع المؤسسات الرياضية أمام مسؤولية أكبر للحفاظ على ثقة الجماهير وضمان أن تظل المنافسة محكومة بالمعايير الرياضية قبل أي اعتبارات أخرى.
ومن هنا تظهر تساؤلات مشروعة حول طبيعة العلاقة بين الرياضة والاقتصاد في كرة القدم الحديثة؛ فاستمرار الفرق الأكثر جذبًا للجماهير في المنافسات يحقق عوائد أكبر من حيث المشاهدة والإعلانات والرعاية، كما أن أسواق المراهنات الرياضية أصبحت جزءًا من الاقتصاد المحيط باللعبة، حيث تدور حول كرة القدم مليارات الدولارات عالميًا. لكن الحفاظ على نزاهة المنافسة يظل التحدي الأكبر، لأن أي إحساس لدى الجماهير بأن الاعتبارات التجارية أو الإعلامية قد تؤثر على النتائج يهدد الثقة في اللعبة بأكملها.
فكرة القدم اليوم لم تعد منفصلة عن التحولات الكبرى في العالم؛ فالاقتصاد والسياسة وتوازنات القوى الدولية أصبحت حاضرة في مختلف المجالات، والرياضة ليست استثناءً. لذلك فإن المؤسسات الرياضية الكبرى مطالبة بإثبات أن النجاح داخل الملعب يظل قائمًا على الأداء والقدرة والاستحقاق، وليس على أي عوامل خارجية.
ويبقى الدرس الأهم أن كرة القدم لا يمكن أن تحافظ على مكانتها كلعبة الشعوب إلا إذا بقيت العدالة فوق الجميع، وشعر كل منتخب بأن مصيره يُحسم داخل الملعب فقط، بعيدًا عن أي حسابات أخرى.