ميزانيات القلق: كيف أعاد العالم ترتيب أولوياته لصالح الأمن والتسلح؟

في الوقت الذي تتبنى فيه الحكومات والمنظمات الدولية خطابًا عالميًا يرتكز على التنمية المستدامة والتحول الأخضر ومواجهة الفقر والتغير المناخي، تكشف المؤشرات الفعلية للإنفاق العالمي عن اتجاه مختلف تمامًا. فوفقًا لأحدث بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، بلغ الإنفاق العسكري العالمي خلال عام 2025 نحو 2.887 تريليون دولار، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله في التاريخ الحديث، كما يمثل العام الحادي عشر على التوالي من الزيادات المتواصلة في الإنفاق الدفاعي، بارتفاع تراكمي تجاوز 41% خلال العقد الأخير.
ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في ضخامتها فقط، بل فيما تعكسه من تحولات عميقة في إدراك الدول لمصادر التهديد ومفهوم الأمن ذاته. فالعالم الذي يخصص نحو 2.5% من ناتجه المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، ويستحوذ فيه حلف شمال الأطلسي وحده على ما يقرب من 55% من إجمالي الإنفاق الدفاعي العالمي، يبدو وكأنه يعيد ترتيب أولوياته الاستراتيجية بصورة غير مسبوقة.
ومع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، واحتدام المنافسة الاستراتيجية في آسيا والمحيط الهادئ، لم تعد زيادة الإنفاق العسكري مجرد استجابة ظرفية لأزمات مؤقتة، بل أصبحت مؤشرًا على تحولات أعمق في بنية النظام الدولي نفسه. فهل يعكس هذا التصاعد مرحلة عابرة فرضتها الأزمات الراهنة، أم أننا أمام حقبة جديدة تتراجع فيها اعتبارات التنمية لصالح الأمن والتسلح؟ وماذا بعد؟
تحولات مخيفة:
تشير بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن الإنفاق العسكري العالمي بلغ خلال عام 2025 نحو 2.887 تريليون دولار، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ بدء رصد هذه المؤشرات. كما يُعد عام 2025 الحلقة الحادية عشرة في سلسلة متواصلة من الزيادات السنوية في الإنفاق العسكري العالمي، ما يعكس اتجاهًا تصاعديًا مستقرًا وليس مجرد استجابة ظرفية لأحداث عابرة.
وتزداد دلالة هذه الأرقام إذا ما قورنت بحجم الاقتصاد العالمي، إذ بات الإنفاق العسكري يلتهم ما يقرب من 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهي النسبة الأعلى منذ عام 2009. ويعكس ذلك تحولًا واضحًا في أولويات الدول، حيث تتقدم اعتبارات الأمن والدفاع على حساب قطاعات التنمية والخدمات الاجتماعية والاستثمارات طويلة الأجل.
ويعد المثال الأبرز، التحولات التي حدثت في حلف شمال الأطلسي باعتباره الفاعل الرئيسي في خريطة الإنفاق العسكري العالمي. فقد بلغ إجمالي إنفاق دول الحلف نحو 1.581 تريليون دولار خلال عام 2025، بما يمثل ما يقرب من 55% من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي.
كما شهدت القارة الأوروبية واحدة من أكبر موجات إعادة التسلح منذ نهاية الحرب الباردة، حيث ارتفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي بأكثر من 14% خلال عام واحد فقط. ويرتبط ذلك باستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتنامي المخاوف الأمنية في شرق أوروبا، إلى جانب الضغوط الأمريكية المتزايدة على الحلفاء الأوروبيين لتحمل نصيب أكبر من أعباء الدفاع الجماعي، وهو ما أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل المظلة الأمنية الأمريكية وطبيعة الترتيبات الأمنية الغربية خلال السنوات المقبلة.
انعكاسات اضطراب أقاليم العالم:
لا يمكن فهم هذه الطفرة في الإنفاق العسكري بعيدًا عن البيئة الدولية المضطربة التي يشهدها العالم. فالحرب الروسية الأوكرانية ما زالت مفتوحة على احتمالات متعددة دون تسوية سياسية نهائية، فيما يواصل الشرق الأوسط إنتاج موجات متلاحقة من التوتر وعدم الاستقرار نتيجة الحروب والصراعات الإقليمية وتزايد الاستقطاب الجيوسياسي.
وفي آسيا، تتصاعد المخاوف المرتبطة بملف تايوان وبحر الصين الجنوبي، وسط تنامي المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين. كما تتزايد بؤر التوتر في مناطق أخرى من العالم، بما يعزز الشعور العام بأن النظام الدولي يمر بمرحلة انتقالية تتراجع فيها قدرة المؤسسات الدولية على ضبط التفاعلات الدولية ومنع الصراعات.
وتعكس هذه البيئة ما يمكن وصفه بحالة “عدم اليقين الاستراتيجي”، حيث تتآكل الثقة في استقرار التوازنات الدولية، وتعود اعتبارات القوة الصلبة إلى صدارة حسابات الدول الكبرى والإقليمية.
وعليه، يمكن القول إن اللافت في المشهد الحالي، هو أن معظم الزيادات العسكرية لا تُبرر بخطط هجومية مباشرة، وإنما تستند إلى منطق الردع والوقاية من المخاطر المحتملة. فالدول لا تزيد إنفاقها العسكري لأنها تخطط للحرب بالضرورة، وإنما لأنها تخشى أن تكون أقل استعدادًا من خصومها في حال اندلاعها.
وتخلق هذه المعادلة دائرة مغلقة من التسلح المتبادل، حيث تدفع زيادة قدرات طرف ما الأطراف الأخرى إلى اتخاذ خطوات مماثلة، فتتراكم المخاوف الأمنية وتتضخم ميزانيات الدفاع بصورة مستمرة. وهكذا يتحول الخوف ذاته إلى محرك للسياسات العامة، وإلى أحد أهم العوامل المؤثرة في توجيه الموارد الوطنية.
جغرافيا الإنفاق العسكري مقابل التنمية:
تكشف خريطة الإنفاق العسكري العالمي عن تفاوتات جغرافية مهمة في العلاقة بين الأمن والتنمية. ففي أوروبا، أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى إعادة توجيه موارد ضخمة نحو الدفاع والتسليح بعد عقود من التركيز على برامج الرعاية الاجتماعية والاستثمارات التنموية. وأصبحت دول مثل ألمانيا وبولندا ودول البلطيق من بين الأكثر زيادة في الإنفاق العسكري خلال السنوات الأخيرة.
وفي الشرق الأوسط، تستمر البيئة الأمنية المعقدة في دفع العديد من الدول إلى تخصيص نسب مرتفعة من موازناتها للإنفاق الدفاعي، في ظل استمرار النزاعات الإقليمية والمخاوف المرتبطة بالأمن القومي. ورغم الحاجة الملحة إلى توسيع الاستثمارات التنموية وتنويع الاقتصادات الوطنية، ما زالت اعتبارات الأمن تتصدر أولويات الإنفاق في عدد من دول المنطقة.
أما آسيا، فتشهد بدورها سباق تسلح متصاعدًا مدفوعًا بالتنافس الأمريكي الصيني، والنزاعات البحرية، والمخاوف المرتبطة بتايوان وشبه الجزيرة الكورية. وقد انعكس ذلك على ارتفاعات متواصلة في الإنفاق العسكري لدى الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
وفي إفريقيا، وعلى الرغم من الاحتياجات التنموية الهائلة المرتبطة بالبنية التحتية والصحة والتعليم ومكافحة الفقر، دفعت التحديات الأمنية والإرهاب والنزاعات الداخلية العديد من الحكومات إلى زيادة الإنفاق العسكري والأمني على حساب أولويات تنموية أخرى.
وتشير هذه الخريطة إلى حقيقة مهمة مفادها أن تزايد التهديدات الأمنية لا يؤدي فقط إلى ارتفاع الإنفاق العسكري، بل يفرض أيضًا ضغوطًا متزايدة على مخصصات التنمية المستدامة، بما يؤثر على قدرة الدول على تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية طويلة الأجل.
بالتالي، تكشف الاتجاهات الراهنة عن مفارقة لافتة في بنية النظام الدولي. فبينما ترتفع الأصوات المطالبة بتحقيق أهداف التنمية المستدامة ومواجهة التغير المناخي وتقليص الفجوات الاجتماعية، تتجه الموارد الفعلية بصورة متزايدة نحو التسلح وتعزيز القدرات العسكرية.
ويعكس هذا التناقض أزمة أعمق تتعلق بأولويات النظام الدولي ذاته. فالعالم الذي يتحدث عن السلام والاستقرار، يعيد بناء استراتيجياته على فرضية الاستعداد للصراع. والعالم الذي يرفع شعارات التعاون الدولي، ينفق مبالغ غير مسبوقة على أدوات الردع والمواجهة.
ومن ثم تبدو ميزانيات الدفاع اليوم أكثر قدرة من الخطابات السياسية على تفسير اتجاهات المرحلة المقبلة وطبيعة التحولات التي يشهدها النظام الدولي.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى الارتفاع القياسي في الإنفاق العسكري العالمي باعتباره مجرد اتجاه رقمي أو استجابة مؤقتة لأزمات قائمة، بل باعتباره مؤشرًا على تحولات هيكلية في بنية النظام الدولي وفي مفهوم الأمن العالمي ذاته.
فمع اقتراب الإنفاق العسكري من حاجز ثلاثة تريليونات دولار سنويًا، يصبح العالم أمام واقع جديد تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين حالة السلم وحالة الاستعداد للحرب. فالأمن لم يعد يُنظر إليه بوصفه حالة استقرار دائمة، بل باعتباره قدرة مستمرة على التعامل مع احتمالات الصراع ومخاطره.
وتكمن الخطورة الحقيقية في أن سباقات التسلح نادرًا ما تتوقف من تلقاء نفسها، إذ تتحول تدريجيًا إلى جزء من البنية الاقتصادية والسياسية للدول، بما يخلق مصالح صناعية واستراتيجية تدفع نحو استمرارها. وفي المقابل، تتحمل التنمية المستدامة كلفة متزايدة لهذا التحول، حيث تجد قطاعات التعليم والصحة والبنية الأساسية والحماية الاجتماعية نفسها في منافسة مباشرة مع متطلبات الأمن والدفاع على الموارد ذاتها.
وفي ظل غياب تفاهمات دولية جديدة قادرة على إعادة ضبط التوازن بين الأمن والتنمية، يبدو العالم متجهًا نحو مرحلة تتزايد فيها معدلات التسلح بوتيرة أسرع من معدلات التعاون الدولي. ومن ثم فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في حجم الإنفاق العسكري وحده، وإنما في قدرة المجتمع الدولي على منع تحوله إلى بديل عن التنمية أو إلى معيار وحيد لقياس القوة والنفوذ.
فالعالم الذي ينجح في تعزيز قدراته العسكرية دون أن ينجح في معالجة جذور الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، قد يمتلك أدوات الردع، لكنه لن يمتلك بالضرورة مقومات الاستقرار المستدام. ولهذا تبدو الزيادات القياسية في الإنفاق العسكري اليوم مؤشرًا على حجم القلق الذي يهيمن على النظام الدولي أكثر من كونها دليلًا على شعوره بالأمان، لتبقى المفارقة الكبرى أن العالم ينفق على الاستعداد للحرب أكثر مما ينفق على صناعة السلام.