معضلة الموارد.. ما مدى مرونة الاقتصاد التونسي في مواجهة الأزمات؟

لم تشهد الدولة التونسية منذ عام 2011 استقرارًا واضحًا يُساعد على استغلال الاقتصاد لإمكانياته، فتعاقُب أربع رؤساء، بخلاف الرئيس الحالي قيس سعيد، وبمدد رئاسية من قصيرة إلى متوسطة، لا يعمل على نهضة أي دولة اقتصاديًا، فالدول تحتاج إلى وضع سياسات ذات أجل متوسط وطويل، حتى تُحقق أهداف استراتيجية على مختلف المجالات، ومن ناحية أخرى فهناك طاقة فعلية للاقتصاد التونسي لا يُمكن تعديها في برامج التنمية المختلفة، وهو الأمر الذي خلق فجوة بين المطالب الاقتصادية والاجتماعية وبين إمكانيات الاقتصاد الوطني.
تأسيسًا على ما سبق يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على مُحددات الاقتصاد التونسي، والأليات التنموية على مختلف الأصعدة والمستويات.
مُحددات رئيسية
إن التعرف على إمكانيات الاقتصاد التونسي له العديد من الدلالات الرئيسية، ومن هذه الإمكانيات ما يلي:
(*) ندرة مورد المياه: تُعتبر المياه هي عصب التنمية في مختلف المجالات الاقتصادية داخل العديد من الدول، خاصة قطاع الزراعة الذي تُعتبر مدخلاته عناصر استراتيجية في قطاع الصناعة، وهو ما يُصب في النهاية في انتعاش قطاع التجارة الذي يُسوق المنتجات الزراعية والصناعية، وبالرغم من هذه الأهمية الاقتصادية لعنصر المياه، فتونس من البلدان التي تُعاني أزمة جفاف حادة ومُتفاقمة، إذ أنه يُحدث انخفاض في منسوب المياه في السدود، بنسبة تصل إلى 17% في بعض المناطق، فقد انخفض منسوب المياه في سدود رئيسية مثل سد سيدي سالم في شمال غرب تونس، الذي يزود أجزاءً واسعة من البلاد بالمياه، بما في ذلك العاصمة، بالإضافة إلى مياه الري، فضلًا عن ذلك يقل نصيب الفرد من المياه عن 400 متر مكعب سنويًا.
وبالتالي يُعدّ القطاع الزراعي في تونس عرضةً بشكل خاص للتقلبات المناخية، نظرًا لاعتماد معظم محاصيله بشكل كبير على الأمطار. فبالإضافة إلى تأثير الجفاف على المحاصيل والإنتاج الزراعي، فإنه يؤثر أيضًا على سوق العمل الريفي والاستقرار الاقتصادي للمجتمعات الزراعية. ويؤدي تناقص مخزون الحبوب والسلع الأساسية الأخرى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص فرص حصول الفئات الأكثر ضعفًا من السكان عليها، وبالتالي تتراجع مؤشرات الأمن الغذائي.
وفضلًا عن ذلك تتجاوز التداعيات الاقتصادية للجفاف قطاع الزراعة بكثير، فقطاع السياحة، الذي يعتمد بدوره على الموارد الطبيعية كالشواطئ والنظم البيئية البحرية، يُعاني أيضًا من تبعات نقص المياه والتغيرات التي تطرأ على البيئة الطبيعية. وتؤدي هذه التطورات السلبية إلى تعطيل كل من السياحة والاقتصاد المحلي، اللذين يعتمدان بشكل كبير على هطول الأمطار. وبشكل عام، يتأثر الناتج المحلي الإجمالي لتونس بشكل دوري بهذه الآثار القطاعية، كما يوضح شكل (1)، الذي يُشير إلى أنه في فترات الجفاف المُعبر عنه بالخطوط الملونة الطولية تنخفض معدلات النمو الاقتصادي في تونس، وهو الأمر الذي يوضح أن ندرة المياه في تونس تُعتبر عائقًا كبيرًا أمام النمو الاقتصادي داخل الدولة.

شكل (1) نمو الناتج المحلي الإجمالي في تونس وفترات الجفاف- البنك الدولي
(-) اختلالات هيكلية في سوق العمل: تُعاني تونس من اختناقات هيكلية. يشمل ذلك الازدواجية الصارخة لسوق العمل، حيث يمثل العمل غير الرسمي أكثر من 60% في بعض القطاعات، ويرتبط العمل غير الرسمي ارتباطًا وثيقًا بمستوى التعليم، إذ يبدو أنه منتشر بين غير الحاصلين على شهادات جامعية، حيث إن 80% من القوى العاملة غير الرسمية لم تتجاوز المرحلة الابتدائية أو الثانوية، و10% منهم أميون، كما أن العمل الحر بين الشباب شائع وغير رسمي، لا سيما في المناطق الريفية. من ناحية أخرى، تميل أعداد كبيرة من خريجي الجامعات إلى البطالة بدلًا من العمل في القطاع غير الرسمي، بما أن الأجور والمزايا الاجتماعية في القطاع العام تميل في المتوسط إلى أن تكون أعلى من مثيلاتها في القطاع الخاص.
ومن هنا يُمكن القول إن اتجاهات خريجي الجامعة تؤثر على سوق العمل في تونس بشكل كبير، فرغبتهم في الالتحاق بوظائف القطاع العام تُعطل الاستفادة منهم في تنمية الاقتصاد التونسي، فالقطاع العام بدأ يُقلص عدد موظفيه في مختلف الدول، وأصبح القطاع الخاص هو قاطرة النمو المستقبلية.

شكل (2) الاحتياطيات النفطية المؤكدة في تونس من 1980 إلى 2025
(-) الاعتماد على الطاقة المستوردة: وفقًا للشكل (2) تمتلك تونس احتياطيات نفطية مؤكدة تبلغ 425 مليون برميل حسب تقديرات عام 2025 (المرتبة 49 على مستوى العالم)، بالمُقارنة بـ 1.7 مليار برميل في عام 1994، وهو ما جعلها تعتمد بشكل كبير على الطاقة المستوردة حتى تستطيع مواجهة الطلب المحلي، ومن هنا يُصبح قطاع الطاقة عائقًا كبيرًا أمام الاقتصاد التونسي، فالدعم المالي الكبير الذي تُقدمه الدولة يُسبب استنزافًا في مواردها المالية، هذا بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة المستوردة في ظل التوترات الجيوسياسية التي تحدُث في العالم، فقد استندت الحكومة التونسية في موازنة 2026 إلى سعر عالمي للنفط قدره 63.03 دولار للبرميل، ومع بلوغ أسعار النفط الخام نحو 81 دولار في 29 يوليو 2026، فميزان المدفوعات التونسي يواجه عجز كبير.
(-) إرث كبير من الديون: تُعاني الحكومة التونسية الحالية من إرث كبير من الديون، فنسبة الدين من الناتج المحلي الإجمالي سجلت 87.6% في عام 2020، ولكن الدولة استطاعت أن تعمل على تخفيضها إلى 82.9% في عام 2025، كما رفضت إدارة الرئيس قيس سعيد مطالب صندوق النقد الدولي للحصول على تمويل بقيمة 1.9 مليار دولار، وهو الأمر الذي يعمل على الاتجاه إلى عدم توسيع قاعدة الاقتراض في تونس، ولكن إرث الديون المتراكم يستنفذ جزء كبير من إيراد الدولة، وهو قيد كبير على الاقتصاد التونسي في الوقت الحالي.
(-) محدودية المعادن: تفتقر تونس إلى المعادن الحيوية التي تعتمد عليها الدول في الوقت الراهن لتنفيذ سياساتها التنموية، فبخلاف الفوسفات (الذهب الأبيض) الذي تمتلك تونس منه رابع أكبر احتياطي في العالم، تواجه البلاد ندرة كبيرة في مخزون الحديد والذهب، إذ تواجه تراجعًا كبيرًا في الاحتياطيات القابلة للاستغلال، فمنجم جبل الجريصة الذي يُعتبر أهم مورد لهذا الخام تتقلص فيه الاحتياطيات بشكل كبير، وبالإضافة إلى ذلك لا يوجد في أراضيها مناجم حقيقية لمعدن الذهب، وهو الأمر الذي يفقد تونس مورد رئيسي، فهذه المعادن تخلق ثروة كبيرة للأمم.
آليات تنموية
إن الاقتصاد التونسي يحتاج إلى مجموعة من الآليات، حتى يستطيع أن ينتعش بشكل كبير، ومن هذه الآليات ما يلي:
(*) استقرار سياسي: إن الاستقرار السياسي يُعتبر عامل أساسي في تحقيق المطالب الاقتصادية والاجتماعية، فتونس تحتاج إلى استقرار يُساعدها على تنفيذ الخطط الاستراتيجية التي تواجه التحديات التي تعوق تنميتها، فالاحتجاجات والمظاهرات لا تؤدي إلى أي عمار اقتصادي، ولكن بالعكس تُفاقم تأزم الوضع بشكل كبير.
(*) استراتيجيات محددة المدة: إن الاقتصاديات لكي تنهض تحتاج إلى وضع مجموعة من الاستراتيجيات القصيرة والمتوسطة وطويلة الأجل، وهي التي يتم تقييم الإنجازات على أساسها، ولكن قطع هذه الاستراتيجيات باحتجاجات وتظاهرات، يعمل على الرجوع إلى نقطة الصفر في عمليات التنمية، فأبناء تونس لابد أن يعملوا على ترك مساحة من الزمن لصناع القرار، حتى يستطيعوا تنمية الدولة بشكل كفء.
(*) إقامة حوار وطني: إن الدولة التونسية تحتاج في ذلك الوقت لإقامة حوار وطني يجمع بين فئات الشعب المختلفة خاصة الكوادر المتخصصة، حيث تعمل على طرح الحلول البناءة في مواجهة المشكلات الرئيسية، فهذا الحوار سيصنع حالة من النقاش الواسع داخل تونس، وسيُساهم في طرح الأفكار المختلفة والتي من المؤكد ستلتقي عند هدف واحد وهو المصلحة العليا للدولة.
في النهاية يُمكن القول إن تونس في الوقت الراهن تحتاج إلى تكاتف جميع أبنائها حول المصلحة العليا للبلاد، فالوضع الاقتصادي يتحسن من خلال توفير قدر كبير من الاستقرار، فلا يُمكن فصل ما يحدث في تونس عن التحولات الجيوسياسية الكبرى التي تعرفها المنطقة، فكلما اقترب مشروع تنموي استراتيجي من مرحلة التنفيذ، أو برزت بوادر تكامل اقتصادي بين دول الجوار، ظهرت أزمات جديدة تعيد المنطقة إلى مربع الفوضى، وهو الأمر الذي لابد أن يدركه الشعب التونسي، من خلال تحليل المخاطر والعوائد من هذه الأحداث، ومعرفة هل سيستفيد الاقتصاد التونسي أم سيُتضرر بشكل أكبر.