أسواق العنف.. كيف عززت شبكات التهريب قدرات طالبان الباكستانية؟

دخلت الجريمة المنظمة في آسيا مرحلة أكثر تعقيدًا مع صدور تقرير جديد لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في ٢١ يوليو ٢٠٢٦، كشف عن إعادة هيكلة واسعة للمشهد الإجرامي في جنوب شرق القارة. فالشبكات التي عملت سابقًا داخل نطاقات جغرافية أو تخصصات محددة بدأت تتجمع داخل منظومة عابرة للحدود، تستخدم البنية نفسها في غسل الأموال، والاتجار بالبشر، وتهريب المهاجرين، وتجارة المخدرات، وجمع البيانات المسروقة، وتشغيل منصات الاحتيال الإلكتروني.
ويشبّه التقرير نموذج عمل هذه الشبكات بنظام الشركات متعددة الأقسام؛ إذ تتولى مجموعات متخصصة إدارة الأموال، وأخرى نقل الأشخاص، وثالثة توفير البيانات والاتصالات والتقنيات، ثم تتبادل جميعها الخدمات داخل سوق إجرامية واحدة. وفي الوقت الذي تتسع فيه هذه البنية الإجرامية داخل آسيا، سجلت خريطة الإرهاب في جنوب القارة اتجاهًا موازيًا يستحق التوقف. فقد تصدرت باكستان مؤشر الإرهاب العالمي لعام ٢٠٢٦، بعدما سجلت خلال عام ٢٠٢٥ نحو ١.٠٤٥ وفاةً حصيلةَ العمليات الإرهابية، وهو أعلى عدد للوفيات الإرهابية فيها منذ عام ٢٠١٣. وارتبط هذا التدهور بتصاعد نشاط حركة طالبان الباكستانية وجيش تحرير بلوشستان، إلى جانب استمرار اضطراب الحدود مع أفغانستان.
إذ أصبحت حركة طالبان الباكستانية ثالث أكثر التنظيمات الإرهابية فتكًا على مستوى العالم خلال ٢٠٢٥، والوحيدة بين التنظيمات الأربعة الأكثر دموية التي سجلت زيادة في أعداد القتلى والعمليات. ونفذت الحركة ٥٩٥ هجومًا خلال العام، مقابل ٤٨١ هجومًا في ٢٠٢٤، بزيادة بلغت ٢٤٪، وأسفرت عملياتها عن مقتل ٦٣٧ شخصًا، وهو أعلى رقم يُنسب إليها منذ عام ٢٠١١، لتواصل بذلك مسارًا تصاعديًا في عدد الهجمات للعام الرابع على التوالي.
يفرض تزامن الظاهرتين سؤالًا يتجاوز حدود المصادفة الزمنية. فالتقرير الأممي يتحدث عن تشكُّل اقتصاد إجرامي آسيوي مترابط يبيع خدمات النقل والتمويل والتزوير والتقنية عبر الحدود، بينما تكشف أرقام الإرهاب عن تنظيم استطاع توسيع عملياته ورفع قدرته على استهداف قوات الأمن داخل البيئة الحدودية نفسها، التي تنشط فيها أسواق التهريب والتحويلات غير الرسمية والسلاح. تأسيسًا على ذلك، يطرح التحليل السؤال التالي: كيف أسهم اتساع الاقتصاد الإجرامي وشبكات التهريب العابرة للحدود في نمو البيئة المحفزة لصعود طالبان باكستان، وتعزيز قدراتها العملياتية؟
صعود عملياتي:
تقدم حركة طالبان الباكستانية نموذجًا واضحًا للتنظيم الذي استطاع تجاوز مرحلة الانكماش واستعادة قدرته على تنفيذ مئات العمليات خلال فترة زمنية محدودة. فقد تعرضت الحركة خلال العقد الماضي لضربات عسكرية واسعة، وفقدت عددًا من قادتها، وتراجعت قدرتها على السيطرة العلنية داخل المناطق القبلية الباكستانية. ومع ذلك، بدأت منذ عام ٢٠٢٢ مسارًا متصاعدًا في العنف، استمر حتى وصل إلى ذروته الأخيرة خلال ٢٠٢٥.
وتكشف طبيعة عمليات الحركة عن بناء قدرة هجومية منظمة؛ فقد استحوذت الاعتداءات المسلحة المباشرة على نحو نصف هجماتها خلال ٢٠٢٥، بينما مثّل الجيش والشرطة هدفها الأساسي. ومن بين ٦٣٧ قتيلًا سقطوا في عملياتها، كان ٤١٦ من عناصر القوات العسكرية والأمنية، بما يعكس استراتيجية تستهدف إنهاك مؤسسات الدولة، وإضعاف حضورها في المناطق الحدودية، وفرض تكلفة بشرية مستمرة على عمليات الانتشار والملاحقة.
وسجلت الحركة كذلك توسعًا واضحًا في عمليات احتجاز الرهائن؛ إذ ارتفع عدد المختطفين في هجماتها من ٣٨ شخصًا خلال ٢٠٢٤ إلى ١٣٧ خلال ٢٠٢٥. ومن أبرز الوقائع اختطاف موظفين يعملون في هيئة الطاقة الذرية الباكستانية ضمن مشروع للتعدين، وهو ما يكشف انتقال الاختطاف من أداة دعائية أو تفاوضية محدودة إلى وسيلة لاستهداف المشروعات الحكومية والعاملين فيها، والحصول على أوراق ضغط سياسية ومالية. ويحمل الارتفاع المتزامن في العمليات والقتلى والرهائن دلالة على أن الحركة استطاعت تعزيز أكثر من وظيفة داخل بنيتها التنظيمية في وقت واحد؛ فتنفيذ ٥٩٥ هجومًا يحتاج إلى عناصر، ومخابئ، ووسائل اتصال، وذخائر، وقدرة على الاستطلاع، وخطوط إمداد تنقل الأفراد والموارد بين جانبي الحدود الأفغانية-الباكستانية.
ويشير فريق الرصد التابع لمجلس الأمن إلى أن طموح طالبان الباكستانية وحجم هجماتها ضد باكستان شهدا زيادة كبيرة، مع استمرار وجود أغلب عناصر الحركة داخل الأراضي الأفغانية. كما قدّرت مناقشات أممية حديثة قوامها بنحو خمسة إلى ستة آلاف مقاتل، موزعين على عدد من الولايات الأفغانية، وهو ما يمنحها عمقًا بشريًا وجغرافيًا يسمح بالتخطيط والتدريب وإرسال العناصر عبر الحدود. وهكذا يبدو ارتفاع عمليات الحركة نتيجةً لقدرة تنظيمية أُعيد بناؤها؛ فقد توفرت للحركة كتلة قتالية، ومساحة للحركة، وقنوات لعبور الحدود، وبيئة إقليمية تنتشر فيها الموارد والخدمات غير المشروعة اللازمة لاستمرار العمل المسلح.
الترابط الشبكي:
لا يُشترط لتعاون الإرهاب مع الجريمة المنظمة وجود اتفاق مكتوب أو تحالف معلن بين قيادة تنظيم إرهابي وزعيم شبكة إجرامية. ففي كثير من الحالات، يتحقق الالتقاء داخل السوق، حيث يشتري كل طرف الخدمة التي يحتاجها، ويقدم المهرّب أو مزور الوثائق أو وسيط الأموال خدماته لمن يدفع، بصرف النظر عن أهدافه العقائدية أو السياسية. وهذه هي النقطة الأكثر أهمية في التقرير الجديد لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة؛ فالشبكات الإجرامية الآسيوية أخذت تنتقل من التخصص المنفصل إلى نموذج الخدمات المتكاملة. وأصبحت البنية الواحدة قادرة على الجمع بين غسل الأموال، والاتجار بالبشر، ونقل المهاجرين، وسرقة البيانات، وتوفير أدوات تقنية واتصالات مشفرة، بما يشبه سوقًا تقدم الجريمة كخدمة لجهات متعددة.
وتستفيد التنظيمات الإرهابية من هذه البيئة عبر خمس دوائر أساسية:
(١)- الدائرة الأولى: تتعلق بحركة العناصر؛ فشبكات تهريب البشر والمهاجرين تمتلك معرفة بالطرق الجبلية، ونقاط العبور، والوسطاء المحليين، والجهات القابلة للرشوة. ويمكن للتنظيم الإرهابي استخدام المسار نفسه لنقل مقاتل أو مسؤول اتصال أو خبير في المتفجرات من منطقة إلى أخرى.
(٢)- الدائرة الثانية: ترتبط بالسلاح والذخائر؛ فطرق تهريب المخدرات والسلع غير المشروعة تمتلك مركبات ومخازن وشبكات حماية وقدرة على اجتياز الحواجز. وتصلح البنية اللوجستية نفسها لنقل الأسلحة والمكونات التي تدخل في تصنيع العبوات الناسفة والسلاح الثقيل.
(٣)- الدائرة الثالثة: تتصل بالتمويل؛ إذ تحتاج التنظيمات إلى تحويل مبالغ بين مناطق العمليات والملاذات ودوائر التجنيد. وتقدم شبكات التحويل غير الرسمي، وغسل الأموال، والعملات المشفرة، والشركات الوهمية وسائل تسمح بتفكيك المبلغ الكبير إلى تحويلات محدودة، أو دمج الأموال غير المشروعة داخل معاملات تجارية يصعب تمييزها.
(٤)- الدائرة الرابعة: تتعلق بالوثائق والهوية؛ حيث توفر أسواق التزوير بطاقات وأوراق سفر وشرائح اتصال وحسابات مصرفية أو رقمية بأسماء مختلفة، بما يساعد العناصر على التخفي والاستقرار المؤقت واستئجار العقارات وشراء المستلزمات.
(٥)- الدائرة الخامسة: تتعلق بالمعلومات والتكنولوجيا؛ فالتقرير الأممي محل البحث يوضح توسع استخدام البيانات المسروقة والذكاء الاصطناعي والاتصالات المشفرة داخل البيئة الإجرامية الآسيوية. وتوفر هذه الأدوات للتنظيمات الإرهابية فرصًا في جمع المعلومات، وانتحال الهوية، وتأمين الاتصال، وإنتاج الدعاية، واستهداف الأفراد بالتجنيد أو الابتزاز.
من هنا تظهر العلاقة بين اتساع الاقتصاد الإجرامي وارتفاع النشاط الإرهابي بوصفها علاقة بين العرض والقدرة. فكلما زاد عدد مقدمي الخدمات غير المشروعة، وتنوعت خبراتهم، وانخفضت تكلفة الوصول إليهم، أصبحت عملية تجهيز الخلية ونقلها وتمويلها أكثر سهولة. ولا يعني ذلك أن تقرير الأمم المتحدة أثبت تحويل أرباح مراكز الاحتيال في جنوب آسيا مباشرة إلى طالبان باكستان؛ فمثل هذا القول يحتاج إلى إثبات وتحقيقات قانونية يصعب تصور حدوثها. لكن التقرير يثبت تطورًا إقليميًا أوسع، يتمثل في قيام اقتصاد إجرامي شبكي يتجاوز التخصص والمكان، ويتيح الموارد والخدمات لكل فاعل قادر على النفاذ إليه. ويأتي صعود طالبان الباكستانية داخل قارة تشهد هذا التحول، وفي نطاق حدودي يرتبط تاريخيًا بالتهريب والأسواق غير الرسمية.
الحاضنة الحدودية:
تمثل الحدود الأفغانية-الباكستانية الحلقة الأوضح في تحليل العلاقة بين الاقتصاد غير المشروع ونشاط طالبان الباكستانية. فقد تأسست الحركة أصلًا داخل المناطق القبلية الممتدة على جانبي الحدود، وبنت هويتها التنظيمية على روابط عشائرية وفكرية وعسكرية يصعب إخضاعها للحدود السياسية الحديثة. وعندما بدأت باكستان إنشاء سياج حدودي يمتد بطول خط التماس مع أفغانستان، كان أحد أهدافه منع عبور مقاتلي طالبان الباكستانية وكبح التهريب غير المشروع. ويكشف الجمع بين الهدفين داخل الإجراء الأمني نفسه عن إدراك رسمي بأن مسارات الإرهاب والتهريب تتقاطع ميدانيًا، حتى عندما تختلف دوافع الفاعلين الذين يستخدمونها.
وتعمل الشبكة الحدودية عادة من خلال سلسلة من الوسطاء: دليل محلي يعرف الطرق الجبلية، وسائق ينقل الأفراد أو البضائع، ومالك منزل يوفر الإقامة، وتاجر يمتلك غطاءً تجاريًا، وصراف ينقل المال، وشخص داخل مؤسسة رسمية يتلقى رشوة لتسهيل المرور. وقد تستخدم جماعة إرهابية عددًا من هذه الحلقات من دون كشف المهمة الكاملة لأي منها. وتمنح هذه الطريقة التنظيم مرونة أمنية؛ فإذا كُشف أحد الوسطاء، يبقى بعيدًا عن القيادة وعن تفاصيل العملية. كما تسمح بتغيير الطريق أو الناقل من هجوم إلى آخر، وهو ما يزيد صعوبة تتبع السلسلة كاملة.
ومن الناحية العملياتية، يمكن قراءة الزيادة من ٤٨١ إلى ٥٩٥ هجومًا خلال عام واحد باعتبارها دليلًا على اتساع قدرة الحركة على تكرار دورة الإعداد والتنفيذ. فالهجوم يحتاج إلى مورد بشري، ومعلومة، ووسيلة نقل، وسلاح، واتصال، ومكان للانسحاب، ونجاح التنظيم في تكرار هذه الدورة مئات المرات يدل على وجود بنية إمداد تتجاوز الخلايا المنفردة. ويظهر أثر هذه البنية أيضًا في قدرة الحركة على مهاجمة قوات الأمن بصورة متكررة؛ لأن استهداف موقع عسكري أو دورية يحتاج إلى استطلاع ومراقبة ومعرفة بمواعيد التحرك وطرق الانسحاب، وتوفر البيئات الحدودية التي تختلط فيها التجارة بالتهريب غطاءً لحركة الأفراد وجمع المعلومات من دون لفت الانتباه.
اقتصاد الظل:
يحصل التنظيم الإرهابي من الاقتصاد غير المشروع على قيمة تتجاوز الأموال المباشرة. فالمال يمثل عنصرًا من منظومة أوسع تشمل المعرفة والاتصال والسرية والحركة والوصول إلى السلاح. وعندما تمتلك الحركة القدرة على دفع تكلفة هذه الخدمات، تستطيع الاحتفاظ بمقاتليها، وتقديم إعانات لأسر القتلى، وتعويض العناصر التي تفقدها، وتمويل التدريب والدعاية، وشراء ولاءات محلية، واستغلال النزاعات الاجتماعية داخل المناطق التي تعمل فيها.
كما يمنح الاقتصاد الموازي التنظيم قدرة على الصمود أمام الضربات الأمنية. فاعتقال قائد أو مقتل مسؤول عمليات يسبب خسارة مؤثرة، لكن استمرار خطوط المال والسلاح والتجنيد يسمح بإنتاج بديل. أما تفكيك الشبكة اللوجستية والمالية، فيصيب الوظائف اليومية التي تجعل تنفيذ الهجوم ممكنًا. وقد أشار مجلس الأمن إلى أن طالبان الباكستانية نفذت هجمات بارزة داخل باكستان انطلاقًا من الأراضي الأفغانية، وأنها تتمتع بقدرات لوجستية ودعم يسمحان لها بالحفاظ على نشاطها. كما تبقى الحركة مدرجة على قائمة جزاءات تنظيمي القاعدة وداعش التابعة للأمم المتحدة، بما يعكس اعتبارها تنظيمًا إرهابيًا عابرًا للحدود، وليس مجرد طرف محلي في صراع داخلي.
ويتضح تضاعف القوة في الفارق بين حجم الحركة وتأثيرها؛ فعدد مقاتليها المقدر بنحو ستة آلاف عنصر يظل محدودًا مقارنة بحجم الجيش الباكستاني، لكن قدرتها على الانتشار داخل مساحة حدودية واسعة وتنفيذ مئات الهجمات تجعل أثرها يتجاوز حجمها العددي. وتسد الشبكات غير الرسمية هذا الفارق؛ إذ تمنح التنظيم قدرة على استخدام موارد وخبرات لا يملكها بصورة داخلية في هيكله. وتعمل الحركة هنا بطريقة قريبة من المؤسسة التي تستعين بمتعهدين خارجيين. فهي تحتاج إلى تنفيذ مهمة محددة، فتشتري النقل، أو السلاح، أو التزوير، أو التحويل المالي، من دون تحمل تكلفة بناء كل وظيفة داخل التنظيم، وهذا النموذج يقلل حجم الهيكل الظاهر ويزيد قدرته على الإنكار والتكيف.
دلالات الصعود:
تكشف حالة طالبان عن تحولات في طبيعة الإرهاب وعوامل نشاطه في جنوب آسيا، وتتمثل هذه التحولات في:
(-) عودة الحدود إلى مركز النشاط الإرهابي؛ فقد أصبحت المساحات الفاصلة بين الدول مخازن للموارد، وممرات للحركة، ومناطق للتدريب والاختباء، وتتحول الفجوة بين الأجهزة الأمنية في الدولتين إلى مساحة تشغيلية للتنظيم.
(-) صعود الإرهاب الشبكي على حساب التنظيم الهرمي؛ فالحركة تستطيع توزيع وظائفها بين خلايا محلية، وقيادة خارج الحدود، ووسطاء ماليين، ومهربين، ومروجين رقميين، ويجعل هذا التوزيع تفكيك التنظيم بقتل القيادة وحدها مسارًا محدود النتائج.
(-) تغير معنى التمويل؛ فحجم الأموال لا يقدم وحده مؤشرًا كافيًا على مستوى الخطر؛ إذ يمكن لمبلغ محدود أن ينتج أثرًا كبيرًا عندما تتوافر شبكة محترفة تنقل السلاح والعنصر والمعلومة بسرعة، وتصبح جودة الخدمات الإجرامية عنصرًا مساويًا لحجم الإيرادات.
(-) انتقال الجريمة المنظمة من فاعل موازٍ للإرهاب إلى بنية تحتية متاحة له؛ فالمهرب لا يحتاج إلى تبني فكر الحركة، ومزود العملات المشفرة لا يحتاج إلى معرفة هدف التحويل، ومزور الوثائق قد يتعامل مع عنصر إرهابي باعتباره عميلًا عاديًا، وينشأ الخطر من اجتماع المصالح داخل السوق، لا من وحدة العقيدة.
(-) تراجع جدوى الفصل بين مكافحة الإرهاب ومكافحة الجريمة المنظمة؛ فالجهاز الذي يتابع الهجمات بعد وقوعها يرى الحلقة الأخيرة، بينما تكشف مكافحة غسل الأموال والتهريب والفساد الحلقات التي سبقت التنفيذ، وكل معلومة عن طريق مهرب أو صراف غير رسمي أو مخزن سلاح قد تحمل قيمة وقائية تساوي معلومات أجهزة مكافحة الإرهاب.
ثغرات المواجهة:
اعتمدت باكستان خلال مراحل سابقة على العمليات العسكرية واسعة النطاق لتفكيك معاقل طالبان الباكستانية، وحققت هذه العمليات تراجعًا واضحًا في نشاط الحركة، لكن انتقال العناصر إلى الجانب الأفغاني، ثم إعادة الاندماج والتجمع، منح التنظيم فرصة لاستعادة قوته. وتكشف العودة الحالية أن الضغط العسكري داخل نطاق وطني واحد يدفع التنظيم إلى إعادة التموضع في النطاق المجاور. وتساعد شبكات التهريب على تحويل هذا الانتقال من انسحاب اضطراري إلى دورة مستمرة؛ إذ يعبر العنصر الحدود، ويحصل على المأوى والتدريب، ثم يعود لتنفيذ الهجوم.
كما يؤدي ضعف التنسيق المالي بين دول المنطقة إلى بقاء قنوات التحويل خارج نطاق الرقابة الفعالة، خصوصًا مع الاعتماد الواسع على الصرافة غير الرسمية والعملات الرقمية؛ إذ تقوم الجماعات بتقسيم الأموال إلى مبالغ صغيرة وتغيير الوسطاء، بما يصعّب عملية اكتشافها عبر المعايير المصرفية التقليدية. وتستفيد الحركة أيضًا من فساد بعض الحلقات المحلية؛ فالاقتصاد الإجرامي يملك المال اللازم لشراء الصمت أو المعلومات أو المرور. فعندما تلتقي موارد الجريمة مع احتياجات الإرهاب، تصبح الرشوة أداة لتسهيل العنف، حتى لو لم يكن الشخص الفاسد عضوًا في التنظيم.
يفرض ذلك كله تحولًا في المواجهة من مطاردة المسلح فقط إلى تحليل النظام الذي يسمح له بالحركة. يشمل هذا النظام الصراف، والمهرب، وتاجر السلاح، ومزور الوثائق، والوسيط الرقمي، والشركة المستخدمة في غسل الأموال، والمسؤول الذي يوفر الحماية.
مما سبق، يمكن استخلاص أن مواجهة صعود طالبان الباكستانية تتطلب بناء مسار أمني ومالي متكامل يبدأ من الحدود، ولا ينتهي عند موقع العملية. يأتي في مقدمة ذلك إنشاء آليات إقليمية لدمج بيانات الإرهاب والتهريب والجريمة المالية، بحيث تظهر العلاقة بين العنصر الذي يعبر الحدود، والرقم الهاتفي الذي يستخدمه، والوسيط الذي استقبل التحويل، والمركبة التي نقلت السلاح. وتحتاج المواجهة كذلك إلى استهداف مقدمي الخدمات المحترفين داخل الاقتصاد الإجرامي؛ لأن بعضهم يخدم عدة جماعات في وقت واحد، وتعطيل شبكته قد يحرم أكثر من تنظيم من مورد لوجستي أو مالي مهم.
كما تمثل مراقبة المناطق التي ترتفع فيها هجمات الحركة أداة للكشف المبكر عن شبكات الإمداد؛ فتركيز العمليات داخل خيبر بختونخوا يشير إلى وجود طرق ومخازن ومصادر معلومات محلية، ويمكن من خلال تحليل نمط الهجمات كشف المسارات التي تتحرك عبرها الخلايا. ويحتاج الجانب المالي إلى الانتقال من مراقبة المبالغ الكبيرة إلى تحليل العلاقات المتكررة، مثل مجموعة تحويلات صغيرة تصل إلى منطقة واحدة، أو حسابات تُستخدم لفترات محدودة، أو عمليات شراء متزامنة لمواد قابلة للاستخدام في تصنيع العبوات.
أما عن التقرير الأممي الجديد، فهو يقدم رسالة أوسع لدول آسيا بأن الشبكات الإجرامية أصبحت أسرع من الهياكل الحكومية التقليدية، وتعمل عبر أكثر من سوق وتقنية ودولة. ولذلك، يتطلب تفكيكها مواجهة عابرة للتخصصات والحدود، تجمع أجهزة مكافحة المخدرات والإرهاب والجرائم الإلكترونية وغسل الأموال والهجرة غير النظامية داخل تصور واحد.