هندسة المظلومية.. كيف توظف جماعة الإخوان المحكوم عليهم من عناصرها؟

شهدت الأسابيع الأخيرة تصاعدًا لافتًا في النشاط الإعلامي والرقمي للمنصات المحسوبة على جماعة الإخوان، تمثل في زيادة كثافة النشر حول المحكوم عليهم في قضايا مرتبطة بالجماعة – فيمن تطلق عليهم الجماعة معتقلين – وظهرت صفحات أُنشئت حديثًا خصصت محتواها بالكامل لهذا الملف، مع توحيد واضح للمفردات والعناوين والرسائل المستخدمة بين المنصات القديمة والحديثة. فقد تعدى معدل النشر اليومي ١٠ منشورات على الصفحة الواحدة في ذات الملف، وهو ما يعكس انتقال القضية من مجرد ملف حاضر داخل الخطاب الإخواني إلى أولوية إعلامية يجري الدفع بها بصورة مكثفة ومتزامنة.
ولم تقتصر الحملة على الحديث عن الأوضاع داخل السجون أو المطالبة بالإفراج عن المحكوم عليهم، وإنما اتسعت لتربط بينهم وبين أحداث متباعدة في طبيعتها، مثل المطالب بعودة نظام الإخوان، وربطه بسرديات مظلومية عن رابعة العدوية وأوضاع المحكوم عليهم، فضلًا عن توظيف أحداث رياضية ومجتمعية لا صلة لها بالقضية.
إذ ظهر ذلك بوضوح في الهجوم على الاحتفاء بالمنتخب الوطني، وتقديم المحكوم عليهم باعتبارهم الأبطال الحقيقيين، بما يعكس محاولة لرسم صورة ذهنية للبطولة وحصرها على قادة الجماعة، وتحويل المجال العام إلى ساحة مقارنة بين رموز الدولة والمجتمع من جانب، ورموز الجماعة من جانب آخر. من هنا يبرز السؤال: لماذا كثفت جماعة الإخوان نشاطها الإعلامي حول المحكوم عليهم في هذا التوقيت؟ وما دلالات ذلك؟
هندسة المظلومية:
لا يمكن فهم الحملة الراهنة بمعزل عن الموقع الذي احتلته فكرة المظلومية داخل تاريخ جماعة الإخوان. فمنذ نشأتها لم تتعامل الجماعة مع فترات السجن والمحاكمات باعتبارها نتائج لممارسة العنف، وإنما استخدمتها كعنصر مركزي لبناء هويتها وصناعة مظلومية مرتبطة بصورة الجماعة. فقد وظفت الجماعة قصص السجون والملاحقات والإعدامات والمحاكمات في إنتاج صورة ذاتية تقدم أعضائها باعتبارهم أصحاب رسالة يتعرضون للاضطهاد بسبب تمسكهم بمبادئهم.
عليه، فإن الحملة الحالية ليست مجرد اجتهاد إعلامي مجرد، وإنما تطبيق حرفي لأحد المرتكزات الفكرية التي وضعها حسن البنا في أدبيات الجماعة. فقد اعتبر البنا “التضحية” الركن الخامس من أركان البيعة، وعرفها بأنها “بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية، فليس في الدنيا جهاد لا تضحية معه”، كما أكد أن الفرد مطالب بأن يبذل حياته ووقته وماله في سبيل الفكرة والتنظيم. في هذا الإطار، تعيد الجماعة تكثيف عرض قصص السجون باعتبارها تجسيدًا عمليًا لمعنى التضحية الذي أسس له البنا، والذي يجب الاحتفاء به وإعادة إنتاجه داخل الوعي التنظيمي.
من هذا المنطلق، لا تصبح المعاناة غاية لذاتها، وإنما وسيلة لإحياء أحد أركان التربية الإخوانية، وترسيخ فكرة أن الانتماء للجماعة يظل مرتبطًا بالاستعداد لتحمل السجن والحرمان والخسارة باعتبارها ثمنًا طبيعيًا للالتزام الإخواني. ويكتسب هذا التوجه دلالة أكبر إذا قورن بما أورده البنا أيضًا من أن الجماعة ستواجه رفضًا من المجتمع والسلطة والعلماء، وأن أتباعها “سوف يضطهدهم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وسيقف في وجههم كل الحكومات”. فهذا المفهوم يهندس العقل الإخواني على طبيعية الصدام مع الدولة باعتباره مسارًا طبيعيًا، وهو ما يسمح للجماعة بإعادة تفسير كل حالة قبض أو محاكمة أو سجن باعتبارها دليلًا على صحة الفكرة واستمرار الابتلاء، وليس نتيجة قانونية على أعمال العنف.
لذلك، فإن إعادة نشر قصص المحكوم عليهم لا يمكن فصلها عن البناء الفكري الذي وضعه حسن البنا، إذ إنها لا تعيد إنتاج المظلومية فحسب، بل تعيد إنتاج ركن التضحية ذاته، وتحوله من مفهوم تنظيمي داخلي إلى سردية إعلامية موجهة للجمهور، بما يضمن استمرار الهوية التنظيمية وإحياء الرابط النفسي بين الأعضاء والجماعة حتى في فترات التراجع التنظيمي للجماعة. من زاوية أخرى، يمكن النظر إلى الحملة الحالية باعتبارها محاولة لإعادة تنشيط المورد الأكثر ثباتًا في الخطاب الإخواني، خاصة بعد تراجع قدرة الجماعة على إنتاج خطاب سياسي جديد قادر على الحشد. فالانقسامات الداخلية، وتراجع الحضور التنظيمي، وتبدل أولويات الرأي العام، أضعفت من قدرة الجماعة على بناء قضية سياسية جامعة.
التعبئة الوجدانية:
يكشف مضمون المنشورات عن تغافل متعمد عن مناقشة الجوانب القانونية للقضايا والتركيز على الجوانب الإنسانية والعاطفية. فالمنصات الإخوانية تتعمد عدم تقديم تفاصيل عن الأحكام، أو الاتهامات، مع التركيز على عمر الشخص، وسنوات احتجازه، وأسرته، وصورته قبل السجن. ويهدف هذا النمط إلى نقل المتلقي من مناقشة المسؤولية القانونية إلى التعاطف مع المعاناة الإنسانية.
هذا التحول مهم لأن الخطاب القانوني قد يفتح بابًا للنقاش حول الوقائع والأدلة وطبيعة الاتهامات، بينما يسمح الخطاب الإنساني عادةً بتجاوز هذه الأسئلة، وإعادة تقديم المحكوم عليهم في صورة ضحايا مجردين من السياق السياسي والتنظيمي. وهنا يستبدل وصف المحكوم عليهم أو المتهمين بوصف المعتقلين، لأن هذا المصطلح يؤدي وظيفة سياسية ونفسية واضحة، فهو ينفي ضمنيًا شرعية الأحكام، ويقدم جميع الحالات باعتبارها نتيجة لموقف سياسي لا لوقائع قضائية مثبتة.
كما اعتمدت الحملة على القصص الفردية لأنها أكثر قابلية للانتشار من الخطابات العامة. فصورة شاب دخل السجن في سن السادسة عشرة، أو أب غاب عن أسرته لسنوات، أو شخص تعرض لحادث أثناء نقله، قادرة على توليد تفاعل أكبر من بيان سياسي تقليدي. ومن خلال تكرار هذه القصص، يجري تحويل الملف من قضية جماعية سياسية إلى قضية إنسانية تبدو قابلة للتعاطف حتى لدى بعض غير المنتمين للتنظيم. لكن البعد الإنساني لا يعمل منفصلًا عن الهدف السياسي، فبعد جذب المتلقي من خلال قصة فردية، يعاد ربط الحالة برابعة ومرسي والشرعية، وبذلك تصبح القصة الإنسانية مدخلًا لإعادة تمرير السردية الإخوانية ذاتها.
تتضح هذه الآلية بصورة أكبر في محاولة توظيف أحداث لا ترتبط بالملف، مثل تكريم المنتخب الوطني. فبدلًا من التعامل مع الحدث الرياضي باعتباره مناسبة منفصلة، أعادت المنصات الإخوانية تأطيره داخل صراع رمزي حول من يستحق لقب البطل. في هذا السياق، جرى تقديم المحكوم عليهم باعتبارهم الأبطال الحقيقيين، مقابل تصوير لاعبي المنتخب أو الاحتفاء الشعبي والرسمي بهم باعتباره انشغالًا زائفًا أو تضليلًا للأولويات.
لا تستهدف هذه المقارنة الدفاع عن المحكوم عليهم، بقدر ما تسعى إلى سحب القيمة الرمزية من النماذج الوطنية الجامعة وإعادة منحها لرموز الجماعة، خاصة أن المنتخب نافس الجماعة على التعبير عن تأييد القضية الفلسطينية التي تحاول الجماعة اختطافها وتوظيفها لمصلحتها التنظيمية. من خلال هذه الاستراتيجية تحاول الجماعة اختطاف الرمز وإعادة بناء معيارها الخاص للقيمة. وهو ما يعكس أحد ملامح الخطاب الإخواني، وهو محاولة بناء جماعة رمزية موازية للمجتمع، لها أبطالها وذاكرتها، ومناسباتها، ومفاهيمها الخاصة للشرعية والانتماء.
صناعة الانتشار:
تزامن ارتفاع كثافة النشر مع ظهور عدد من الصفحات الحديثة التي تتبنى الخطاب نفسه، وهو ما يشير إلى محاولة توسيع البنية الرقمية وعدم الاعتماد فقط على المنصات القديمة المعروفة. فالصفحات التقليدية أصبحت مكشوفة من حيث توجهاتها وجمهورها، وقد تواجه تراجعًا في الوصول أو ثباتًا في دائرة المتابعين، بينما تتيح الصفحات الجديدة الوصول إلى شرائح مختلفة وتقديم المحتوى في صورة تبدو أقل ارتباطًا بالهياكل الإعلامية الإخوانية المعروفة. من الناحية الإعلامية، يسعى هذا التعدد إلى تحقيق عدة فوائد؛ إعطاء انطباع أن القضية واسعة الحضور وليست حكرًا على منصة واحدة، ويزيد عدد ظهور الرسالة أمام المستخدم، وربما يتسبب هذا الإلحاح في تمريرها.
كما أن كثافة النشر لا يمكن فصلها عن استهداف الجماعة لطبيعة عمل خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي. فالتكرار المستمر يزيد فرص ظهور المحتوى، وتعدد الصفحات يرفع عدد نقاط الدخول إلى القضية، بينما تؤدي التعليقات المعارضة إلى إبقاء المنشور نشطًا لفترة أطول. وهنا تستفيد الحملة ليس فقط من أنصار الجماعة، وإنما أيضًا من معارضيها. فكل تعليق رافض، وكل نقاش حاد، قد يؤدي من الناحية التقنية إلى رفع معدلات التفاعل وزيادة الانتشار. ولذلك فإن السجال بين المؤيدين والمعارضين يصبح جزءًا من آلية الحملة، حتى عندما تكون غالبية التعليقات ضد مضمونها.
ويتزامن ذلك مع الوقفات والتحركات التي جرت في الخارج، بما يوفر للحملة صورًا ووقائع يمكن توظيفها لإظهار أن الملف لا يزال حاضرًا دوليًا، وأن القضية لم تختف رغم مرور سنوات. كما يسمح الربط بين النشاط الخارجي والنشر الداخلي بإنتاج صورة عن حركة مستمرة ومتعددة المستويات، حتى إذا كان حجمها الحقيقي محدودًا.
دلالات إحياء السردية:
تكشف الحملة في مجملها عن محاولة لإعادة ترتيب أولويات الخطاب الإخواني، بحيث ينتقل ملف المحكوم عليهم إلى مركز النشاط الإعلامي خلال هذه المرحلة. ولا يبدو أن الهدف المطالبة بالإفراج عنهم، وإنما الهدف إعادة بناء الجماعة لنفسها على المستوى الرمزي، من خلال استدعاء المظلومية، وإحياء الذاكرة التنظيمية، وربط الأجيال الحالية بأحداث عام ٢٠١٣.
وتشير كثافة النشر إلى أن الجماعة تبحث عن قضية قادرة على جمع القواعد المتفرقة حولها. فبعد سنوات من الخلافات والانقسامات وانعدام الأمل في العودة السياسية، يظل ملف السجناء من القضايا القليلة التي يمكن أن تتفق حولها مختلف الاتجاهات داخل الجماعة، لأنه لا يتطلب حسم الخلافات حول القيادة أو المستقبل، بل يسمح بتأجيلها لصالح قضية عاطفية مشتركة.
كما تكشف الحملة عن تحول من العمل السياسي المباشر إلى العمل الرمزي والرقمي. فالجماعة لا تمتلك في الوقت الراهن قدرة واضحة على التأثير في المؤسسات الدولية أو الشارع العربي، لكنها تحاول تعويض ذلك من خلال إنتاج حضور كثيف على المنصات، بما يمنح أفرادها شعورًا بالحركة والاستمرار، ويمنع تحول مرحلة السجن إلى عامل نسيان أو تفكك.
في الوقت نفسه، فإن ربط القضية بأحداث رياضية ووطنية يكشف عن محاولة أكثر اتساعًا لإعادة اختراق المجال العام، عبر إدخال الملف في كل مناسبة ومحاولة التشويش على حالة الالتفاف الوطني الموجودة في المجتمع. فبدلًا من انتظار حدث يتعلق بالسجون أو المحاكم، يجري تحويل أي حدث جماهيري إلى فرصة لإعادة تقديم الرسالة. وهذا يعني أن الحملة تسعى إلى تجاوز جمهور الجماعة والوصول إلى قطاعات أوسع، حتى ولو عن طريق الاستفزاز والجدل.
وتكشف المقارنة بين المحكوم عليهم والمنتخب عن تفلت النظرة الاستعلائية وعدم القدرة على إخفائها طويلًا داخل الخطاب الإخواني، حيث تنقسم الساحة إلى أبطال حقيقيين تابعين للجماعة، ورموز زائفة يحتفي بها المجتمع والدولة. وهذه الثنائية تستهدف محاولة إضعاف القدرة على الاندماج في المجال الوطني العام، لأنها تسعى إلى إزاحة القضايا والرموز الشعبية لصالح سردية الإخوان.
وقد تكون إحدى الدلالات المهمة كذلك أن الحملة تستهدف الأجيال الأصغر سنًا من المتابعين الذين لم يعاصروا أحداث عام ٢٠١٣ أو لم تتشكل لديهم صورة كاملة عنها. لذلك تسعى الجماعة إلى فرض رؤيتها من خلال صور وعبارات ورسائل، بما يسمح بإعادة تقديم الماضي خارج سياقه الواقعي، وتحويله إلى قصة تحمل عناصر الإثارة تقوم على الضحية والجلاد والبطولة.
في النهاية، يُمكن مكن القول إن حملة المظلومية التي تروجها جماعة الإخوان، تكشف عن أن الجماعة ما زالت تراهن على إعادة تدوير سردياتها التاريخية كلما تراجعت قدرتها على إنتاج مشروع تنظيمي، باعتبار أن استدعاء الماضي يظل أقل كلفة من بناء مستقبل قادر على جذب الأنصار. إلا أن كثافة الرسائل لا تعني بالضرورة نجاحها، ففاعلية أي خطاب تقاس بقدرته على التأثير في المجال العام، لا بحجم تكراره داخل المنصات الرقمية. ومع اتساع مساحة الرفض والجدل التي أظهرتها التفاعلات، تبدو الحملة أقرب إلى محاولة لطمأنة القواعد الداخلية والحفاظ على تماسكها، منها إلى قدرة حقيقية على إعادة تشكيل الرأي العام أو استعادة النفوذ الذي فقدته الجماعة.