سيناريوهات ثلاثة: ماذا يعني إعلان الحوثي فرض حصارًا بحريًا على السعودية؟

لم يعد إعلان جماعة الحوثيين فرض “حظر الملاحة البحرية على السعودية” في 20 يوليو الجاري، مجرد بيان عسكري يمكن إدراجه ضمن الحرب الإعلامية التي اعتادت الجماعة استخدامها خلال سنوات الصراع اليمني، بل يمثل تحولًا نوعيًا وتطورًا في الفكر الاستراتيجي الخاص بالحوثيين، كما يعكس انتقالهم من مرحلة الدفاع عن مناطق السيطرة داخل اليمن إلى مرحلة إعادة صياغة قواعد الاشتباك في البحر الأحمر والخليج العربي. واللافت في هذا الإعلان ليس عنصر التهديد فحسب، وإنما الرسالة الكامنة وراءه، والتي يبدو مفادها أن الجماعة لم تعد تنظر إلى المواجهة باعتبارها تصعيدً يمنيًا–سعوديًا، وإنما باعتبارها جزءًا من صراع إقليمي أوسع أصبحت فيه الممرات البحرية وسلاسل الإمداد والطاقة أدوات رئيسية للردع والضغط العسكري والسياسي، ومع ذلك لم يصدر أي رد من السعودية حتى الآن جول هذا الأمر.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، تتداخل فيها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والجنوب اللبناني والتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وتوتر الملاحة في مضيق هرمز، والهجمات المتكررة في البحر الأحمر، بما يجعل أي تصعيد جديد في المنطقة قابلًا للامتداد. وتشير التقديرات الدولية إلى أن البحر الأحمر لمك يعد مجرد مسرح عمليات عسكري، بل تحول خلال السنوات الثلاث الماضية على وجه التحديد إلى إحدى أهم ساحات المنافسة الجيوسياسية في إقليم الشرق الأوسط، حيث تتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية للقوى الإقليمية والدولية على حد السواء.
ومن شأن الإغلاق الكامل لمضيق باب المندب، بوابة البحر الأحمر الجنوبية، أن يوقف صادرات النفط السعودية إلى آسيا، وقد يؤدي إلى انخفاض الإمدادات العالمية من النفط بواقع 7 بالمئة. كما تسببت حرب إيران بالفعل في انخفاض هائل في تدفقات النفط العالمية، مما أدى إلى تراجع الإمدادات العالمية 10 بالمئة. ومن المرجح أنه حتى لو لم تتعرض أي سفن للهجوم، فإن هذا الإعلان قد يؤدي وحده إلى تعطيل حركة الشحن وإثارة حالة من الضبابية تتعلق بالموانئ السعودية.
وإستنادًا إلى ما سبق، يفرض هذا التحليل سؤالًا استراتيجيًا هامًا، ماذا لو نجح تنظيم الحوثي بالفعل في فرض الحصار البحري على المملكة، وهل يمتلك من الأدوات العسكرية والسياسية ما يسمح بتحويل التهديد إلى واقع، أم هو محاولة من محاولات الردع؟. إلى تناول جانب تداعيات هذا التهديد إقليميًا ودوليًا والسيناريوهات المحتملة له.
تحول استراتيجي
في الحديث عن التحول في استراتيجية والفكر العملياتي لجماعة الحوثي، لابد أولًا من إدراك أن هذه الجماعة قد غيّرت تدريجيًا اللجوء إلى استخدام مفهوم “القوة” خلال السنوات القليلة الماضية. ففي المراحل الأولى من الصراع في اليمن، اعتمدت الجماعة على استراتيجية تقوم على الدفاع عن العاصمة صنعاء ومناطق االشمال، مع تنفيذ هجمات صاروخية ومسيرات ضد المملكة العربية السعودية بهدف إحداث تأثير نفسي وسياسي. لكن يبدو أن التطورات الأخيرة لدى التنظيم شملت تطور عملياتي بصورة ملحوظة والبُعد إلى حد كبير عن براغماتية الفكر المعتادة لديه، وأصبح التركيز منصبًا على استهداف المصالح الاقتصادية بدلًا من الاقتصار على الأهداف العسكرية. فالهجمات التي وجهها التنظيم سابقًا إلى منشآت نفط سعودية ثم بعض العمليات ضد السفن التجارية في البحر الأحمر، كشفت عن تأكيد هذا التحول، من الرد العسكر المباشر إلى الحرب الاقتصادية غير المتماثلة. وقد ذكرت العديد من الدراسات حول الجماعات المسلحة غير النظامية أن “هذه الجماعات أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على هذا النمط من الحروب، باعتباره أقل كلفة وأكثر تأثيرًا على صناع القرار، لما قد يترتب علي من خسائر”.
وفي هذا السياق، وبالنظر إلى المملكة العربية السعودية اليوم، فهي تمثل ركيزة أسياسية لاقتصاد الخليج والمنطقة، وتعتمد بصورة متزايدة على استقرار البيسئة الأمنية لإنجاح مشروعاتها الاقتصادية العملاقة المرتبطة برؤية المملكة 2023، مثل نيوم، تطوير الموانئ، وتحويل المملكة إلى مركز لوجيستي عالمي، وبالتالي فإن أي تهديد لحركة الملاحة البحرية السعودية، هو بمثابة تهديد مباشر لصورتها كبيئة آمنة للاستثمار والتجارة العالمية. ومن هنا يمكن فهم شعار جماعة الحوثي “الحصار بالحصار”، فهو لا يعبر عن رغبة في إغلاق البحر الأحمر فحسب، بل يسعى إلى خلق حالة دائمة من عدم اليقين من الناحية الأمنية، ما يؤدي إلى رفع تكلفة التأمين البحري، وكذلك تكلفة النقل، وإجبار شركات الشحن والاستثمار الكبرى على إعادة حساباتهم.
ما بين القدرة والتهديد
فيما يتعلق بالقدرات العسكرية لتنظيم الحوثي وقدرته على التهديد البحري بشكل عام، يُرجى الرجوع إلى هذا التحليل، حيث يتناول هذه الزاوية بشكل تفصيلي على الرباط التالي:
أما فيما يتعلق بقدرة التنظيم على تنفيذ التهديد المتعلق بفرض حصارًا بحريًا على السعودية، ففي البداية، في حال تحول هذا الإعلان إلى أمر واقع وتوجيه عمليات متكررة ضد السفن أو المواني المرتبطة بالمملكة، فإن تأثير ذلك لن يقتصر عليها وحدها، بل سيمتد إلى المنظومة الاقتصادية والأمنية في الخليج ككل، كما سيمتد إلى الاقتصاد العالمي أيضًا، فالجزء الأكبر من حركة التجارة بين أوروبا وآسيا يمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وأي اضطراب سيشهده هذا الممر الملاحي، سيدفع عددًا متزايدًا من شركات الشحن إلى تحويل مساراتها، بما سيزيد من زمن الرحلات البحرية لأسابيع وربما أكثر، وسيربك سلاسل الإمداد، ويرفع تكلفة النقل والوقود والتأمين. وقد أظهرت البيانات والتقارير الدولية خلال أزمات البحر الأحمر السابقة أن “مجرد ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية كان كافيًا لإحداث اضطرابات كبيرة ومؤثرة في حركة التجارة العالمية، حتى دون الإغلاق الكامل للممر الملاحي”. ومن ثم فإن التأثير الاستراتيجي لهذا التهديد لا يكمن في قدرة الحوثي على إغلاق البحر الأحمر، وإنما في جعل قدرته على استخدامه أكثر تكلفة وأقل أمانًا، ما يعني تقويض الثقة في أحد أهم الممرات البحرية الدولية. وبالطبع، ستقف المملكة في مواجهة مثل هذا التهديد في حال البدء في تنفيذه، كونه يمثل خطرًا على أمنها القومي وتجاوز لكافة الخطوط الحمراء، ولذلك قد تتجه غلى التنسيق مع الحكومة الشرعية اليمنية وشركائها الإقليميين والدوليين، إلى تبني خيارات حازمة، تشمل تكثيف عمليات الردع وتعزيز الوجود البحري، وربما التصعيد العسكري ضد قدرات الحوثي الصاروخية والحرية..
غير أن تقييم القدرات بمفهومها التقليدي في هذا الموقف، قد يقود إلى استنتاجات مُضللة، حيث يبدو أن الهدف الواضح لدى تنظيم الحوثي من هذا التهديد لا يتمثل في السيطرة الكاملة على البحر الأحمر وإغلاق باب المندب، وإنما في منع الآخرين من استخدامه بحرية وأمان، وهو هدف ممتد التأثير، وهو ما يمكن تفسيره وفقًا للاستراتيجيات العسكرية بمنع الخصم من حرية الحركة وتعطيله اقتصاديًا وأمنيًا داخل منطقة معينة عبر استخدام وسائل قد تبدو منخفضة التكلفة بعض الشيء، مثل الصواريخ المضادة للسفن، والمسيّرات، والزوارق المفخخة والألغام البحرية. وقد أثبتت التجربة في بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة 2023، ان هذا النوع من التهديدات قادر بصورة ما على تعطيل الملاحة ورفع تكلفتها، دون السيطرة البحرية الكاملة.
تداعيات التنفيذ
لا شك أن المنطقة بأكملها ستتأثر بتنفيذ هذا التهديد، وحتى على المستوى الدولي أيضًا، إذ يسيطر الحوثي على جزء من البحر الأحمر وباب المندب، وهو مفصل رئيسي في سلاسل الإمداد وحركة التجارة العالمية، ويربط بين قناة السويس والمحيط الهندي، وهناك فواعل أكثر تأثرُا، هي كالتالي:
أولا- على المستوى الإقليمي، يمكن قراءة التداعيات على النحو التالي:
(-) المملكة العربية السعودية: إن نجاح الحوثيين في فرض حصارًا بحريًا –ولو جزئيًا- سيضع المملكة في موقف معقد باعتبارها مركزًا إقليميًا هامًا للاستثمار والسياحة والعمليات اللوجيستية في المنطقة، وسيؤدي هذا الحصار إلى خفض إمدادات النفط العالمية بنسبة 7%، إذ سيمنع ذلك معظم صادرات النفط السعودي من مغادرة المنطقة، ما سيزيد من حدة الانخفاض الهائل في تدفقات النفط العالمي، نتيجة للحرب في الخليج والتي خفضت بالفعل الشحنات بنسبة 10% من الإمدادات العالمية.
كما قد بدأت الرياض في الاعتماد على خط أنابيبل شرق-غرب وميناء ينبع على الساحل الغربي، كممر استراتيجي جديد لها، لتصدير النفط عبر البحر الأحمر وقناة السويس دون الحاجة إلى المرور عبر مياه الخليج العربي، كما ارتفعت شحنات النفط السعودي المصدرة عبر ينبع وتجاوزت أربعة ملايين برميل يوميًا، وقد أكدت العديد من التقارير الإقليمية المنشورة أن “كل ناقلة تغادر ميناء ينبع الغربي في السعودية متجهة إلى آسيا يجب أن تمر عبر مضيق باب المندب، ما يترك ما يقدر بحوالي 70 إلى 75% من صادرات ينبع معرضة بشكل مباشر للتعطيل من قبل تنظيم الحوثي”.
(-) جمهورية مصر العربية: تُعد مصر من أكثر الدول تأثرًا أيضًا بهذا التهديد، حيث يعتمد جزء مهم من مواردها من النقد الأجنبي على إيرادات قناة السويس، وقد أظهرت الأزمة الأخيرة في البحر الأحمر أن أي تراجع في حركة السفن العابرة للقناة ينعكس مباشرة على الإيرادات، ما يمثل عبئًا إضافيًا على اقتصاد البلاد. وفي هذا السياق لا تنظر القاهرة إلى أمن البحر الأحمر من زاوية الأمن الإقليمي فحسب، وإنما من زاوية الأمن القومي والاقتصادي. لذلك قد تتجه مصر إلى دعم أية ترتيبات إقليمية لاسيما الدبلوماسية منها، والحرص على تجنب الانخراط في أية مواجهات عسكرية، بهدف حماية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر باعتبارهما الامتداد الطبيعي للأمن القومي المصري.
ثانيًا- على المستوى الدولي، كالتالي:
(*) الولايات المتحدة: بالطبع لن تنظر واشنطن إلى هذا المشهد باعتباره تهديدًا للسعودية فحسب، وإنما باعتباره تحديًا مباشرًا للنظام البحري الدولي الذي تقوم عليه حركة التجارة العالمية، حيث أن الويات المتحدة قد تبنت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مبدأ “حماية حرية الملاحة” كأحد أعمدة الاستقرار في الاقتصاد العالمي، ولذلك في الفترة الماضية وخلال أزمة البحر الأأحمر السابقة، سارعت إلى تشكيل تحالفات بحرية متعددة الجنسيات لحماية السفن التجارية واعتراض الصواريخ والمسيرات الخاصة بالحوثيين. لذلك على الأرجح أن أي تصعيد جديد سيؤدي إلى تعزيز التواجد العسكري الأمريكي في البحر الأحمر وخليج عدن، مع توسيع نطاق التعاون الاستخباراتي والعملياتي مع السعودية ومنطقة الخليج بأكملها، وربما قد تلجأ إلى تنفيذ ضربات عسكرية أذا أصبح تهديد الحوثي أمرًا واقعيًا، إذ يهدد الاقتصاد العالمي بصورة مباشرة.
(*) القوى الأوروبية: إن حكومات دول أوروبا لديها مصالح استراتيجية تتعلق باستقرار الملاحة في البحر الأحمر، إذ تعتمد اقتصادات الاتحاد الأوروبي بصورة كبيرة على هذا الممر في حركة التجارة مع قارة آسيا، وفي الأزمة الأخيرة في البحر الأحمر ومع تحويل السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح، أدى ذلك إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين وإطالة زمن وصول الشحنات والبضائع، وهو ما انعكس سلبًا على أسعار السلع وسلاسل الإمداد. ولهذا قد تدعم هذه الدول أية تحركات عسكرية بهدف ضمان أمن الملاحة
سيناريوهات محتملة
(-) السيناريو الأول: (محاولات الاحتواء): ربما هذا الموقف من المشاهد الأكثر تعقيدَا التي قد تواجهها المملكة، فمن ناحية هي لا ترغب في العودة إلى حرب استنزاف مرة أخرى في اليمن، فضلًا عن التوجه الحالي بالتركيز على الأولويات الاقتصادية وأهداف التنموية في البلاد. ومن ناحية أخرى فإن تجاهل مثل هذه التهديدات قد يُفسر على أنه تراجعًا في آلية الردع السعودي، ما قد يشجع الحوثي على توسيع عملياته. لذلك من المرحج أن تتبنى الرياض استراتيجية مزدوجة تجمع بين تعزيز الدفاعات البحرية والجوية، والتكثيف العملياتي، وفي الوقت نفسه الحفاظ على قنوات اتصال سياسية مفتوحة، لتجنب الانزلاق إلى تصعيد أكبر، لا سيما في ظل التحولات التي تشهدها أولويات السياسة الخارجية السعودية خلال السنوات الأخيرة. وكذك إدراك جميع الأطراف أن التصعيد سيؤدي إلى خسائر فادحة تتجاوز أية مكاسب محتملة، وقد يستجيب الحوثي ويعود للمسار التفاوضي مرة أخرى . وربما هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا.
(-) السيناريو الثاني: (حصار غير مكتمل) ويتمثل في نجاح تنظيم الحوثي في تنفيذ هجمات متكررة بشكل ما، تؤدي إلى اضطراب فعلي في حركة الملاحة في البحر الأحمر. وفي هذه الحالة سترتفع تكاليف التأمين والشحن، وستتضرر قناة السويس، كما ستتعرض أسواق الطاقة لضغوط قد تدفع أسعار النفط إلى الارتفاع، الأمر الذي سيخلق أزمة اقتصادية تتجاوز حدود المنطقة بأكملها، وهو سيناريو مرجح إلى حد ما، وقد يُواجه ذلك بعمليات عسكرية مماثلة خاصة من قبل الولايات المتحدة والغرب.
(-) السيناريو الثالث: (التصعيد): حيث قد تتغير معادلة الاحتواء السابق ذكرها في السيناريو الأول في حال تعرضت موانئ استراتيجية أو منشآت نفطية هامة، لهجمات واستهدافات عسكرية مباشرة، تؤثر على صادرات الطاقة أو ثقة المستثمرين. وهو سيناريو ضعيف الحدوث وفقُا للمعطيات الراهنة في المنطقة حتى الآن. وعلى الرغم من ذلك هو السيناريو الأخطر بسبب قدرته على تحويل البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة مفتوحة.