اللاعب الجديد.. كيف تغول تأثير صناع المحتوى في تشكيل الوعي بالمجتمع المصري؟

لم يعد الجمهور في العصر الرقمي يعتمد على وسائل الإعلام التقليدية وحدها في الحصول على الأخبار وتفسير الأحداث، بل اتجه بصورة متزايدة إلى صُناع المحتوى الذين يقدمون رؤيتهم الخاصة عبر المنصات الرقمية، ويشاركون جمهورهم تحليلاتهم وتجاربهم بصورة مستمرة. ويعكس هذا التحول تغيرًا جوهريًا في بنية الاتصال الجماهيري، حيث لم يعد صانع المحتوى مجرد ناقل للمعلومات أو مقدم للترفيه، بل أصبح قائد رأي رقمي يمتلك القدرة على تفسير الخبر، وشرح الحدث، وتوجيه الرأي العام، بما ينعكس في النهاية على السلوك الفردي والجماعي.

وتؤكد المؤشرات الحديثة هذا التحول؛ إذ كشف الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر عن استمرار النمو في استخدام الخدمات الرقمية خلال عام 2026، حيث بلغ عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي نحو 54.3 مليون مستخدم، فيما وصل عدد مستخدمي محركات البحث إلى 55 مليون مستخدم، وبلغ عدد مستخدمي خدمات التصفح والبحث 65.6 مليون مستخدم. كما سجلت تطبيقات المحتوى الترفيهي أعلى معدلات النمو بنسبة 60% مقارنة بعام 2025، بينما بلغ عدد مستخدمي منصات المحتوى المرئي طويل المدة نحو 52.4 مليون مستخدم بإجمالي 43.7 مليون ساعة مشاهدة يوميًا، وهو ما يعكس التوسع الكبير في اعتماد الأفراد على المنصات الرقمية بوصفها مصدرًا رئيسيًا للمعلومات والترفيه والتفاعل المجتمعي.

ويتفق هذا التحول مع ما تطرحه نظرية تدفق الاتصال على مرحلتين، التي تؤكد أن الجمهور لا يتلقى الرسائل الإعلامية بصورة مباشرة من وسائل الإعلام، وإنما تنتقل إليه عبر وسطاء يُنظر إليهم بوصفهم قادة للرأي، يتولون تفسير الرسائل وإعادة تقديمها بما يتناسب مع طبيعة الجمهور. وفي البيئة الرقمية، أصبح صُناع المحتوى يمثلون هذا الوسيط الجديد؛ إذ يتلقون المعلومات من مصادرها المختلفة، ثم يعيدون صياغتها بلغة أكثر قربًا من المتابعين، ويضيفون إليها تحليلاتهم وآراءهم الشخصية، الأمر الذي يضاعف من قدرتهم على التأثير في إدراك الجمهور واتجاهاته وسلوكياته.

ويعود تصاعد هذا الدور إلى مجموعة من العوامل المتداخلة؛ في مقدمتها التفاعل المباشر الذي تتيحه منصات التواصل الاجتماعي بين صانع المحتوى وجمهوره، بما يسهم في بناء علاقة قائمة على الثقة والمصداقية، فضلًا عن مشاركة التجارب الشخصية التي تمنح المحتوى طابعًا أكثر واقعية وقربًا من المتابعين. كما أسهمت الخوارزميات الرقمية في توسيع نطاق هذا التأثير، من خلال تعزيز انتشار المحتوى الأكثر تفاعلًا ووصوله إلى شرائح أوسع من المستخدمين. ويؤكد ذلك ارتفاع عدد مستخدمي منصات الفيديو القصير إلى نحو 42.6 مليون مستخدم، مع زيادة في حجم المشاهدة اليومية بلغت 60%، فضلًا عن نمو عدد منشئي محتوى البث المباشر بنسبة 35%، وهو ما يعكس تنامي اقتصاد المحتوى الرقمي واتساع نفوذ صُناع المحتوى في تشكيل اهتمامات الجمهور واتجاهاته.

وانطلاقًا من ذلك، لم يعد من الممكن النظر إلى صُنّاع المحتوى بوصفهم أفرادًا يمارسون نشاطًا إعلاميًا عبر المنصات الرقمية، بل أصبحوا فاعلين اجتماعيين وإعلاميين يمتلكون سلطة رمزية تؤثر في أنماط التفكير والسلوك، وتمتد آثارها إلى مجالات متعددة، من تشكيل الرأي العام، وتوجيه السلوك المجتمعي، إلى التأثير في استجابة الجمهور للأحداث والأزمات، بل وتوظيفهم من قبل الدول ضمن استراتيجيات القوة الناعمة والدبلوماسية الرقمية للترويج لصورتها الذهنية وتعزيز مكانتها الدولية.

وفي ضوء ذلك، يسعى هذا المقال إلى الإجابة عن التساؤل الرئيس: كيف أصبح صُناع المحتوى الرقمي جزءًا من أدوات القوة الناعمة؟ وذلك من خلال تحليل أبعاد هذه الظاهرة وانعكاساتها على السلوك المجتمعي والرأي العام.

دور صُنّاع المحتوى في توجيه السلوك الفردي:

أضحى صُنّاع المحتوى في العصر الرقمي قوة اجتماعية مؤثرة، فلم يعد دورهم يقتصر على تقديم الترفيه أو المعلومات، بل امتد ليؤثر في تفاصيل الحياة اليومية للأفراد، نتيجة التفاعل المستمر بينهم وبين متابعيهم، وما ينشأ عن ذلك من علاقات تقوم على الثقة والألفة. وفي ظل هذا التفاعل، أصبح المتابع يتأثر بما يقدمه صانع المحتوى من تجارب شخصية أو توصيات عملية، ويعتبرها مصدرًا موثوقًا يوجّه اختياراته وقراراته اليومية، بدءًا من السلوكيات البسيطة وصولًا إلى القرارات الأكثر تأثيرًا في حياته. ومن ثم، لم يعد المحتوى الرقمي مجرد وسيلة للتواصل أو الترفيه، بل تحول إلى أداة فعالة في تشكيل السلوك الفردي وصياغة أنماط جديدة من التفكير.

ويظهر هذا التأثير بصورة واضحة في السلوك الاستهلاكي، حيث تتحول توصيات صُنّاع المحتوى إلى دافع مباشر لاتخاذ قرارات الشراء، فيقبل الأفراد على منتجات أو خدمات لم يكونوا ليفكروا فيها لولا الثقة التي اكتسبها المؤثر لديهم من خلال عرض تجاربه الشخصية. وهنا تتجلى قدرة المحتوى الرقمي على تجاوز أساليب الإعلان التقليدي، إذ يتعامل المتابع مع صانع المحتوى بوصفه شخصًا قريبًا من اهتماماته ويشاركه خبراته، وليس مجرد جهة تسويقية تهدف إلى الترويج لمنتج أو خدمة. وبهذا أصبح صانع المحتوى حلقة وصل مؤثرة بين المنتج والجمهور، وقادرًا على إعادة تشكيل اتجاهات السوق وتوجيهها.

ويوضح الشكل التالي مدى تأثر الجمهور بآراء المؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي عند اتخاذ قرارات الشراء:

المصدر: https://vsrp.co.uk/index.php/ijfaes/ar/article/view/379/367

كما يمتد تأثير صُنّاع المحتوى إلى أنماط الحياة اليومية، حيث يسهم المحتوى الذي يقدمونه في توجيه اختيارات الأفراد المتعلقة بالملبس، والطعام، والسفر، والرياضة، والتجميل، بل وفي أساليب إدارة الوقت والاهتمامات الشخصية، حتى أصبح كثير من المؤثرين يمثلون مرجعًا عمليًا لدى متابعيهم في تحديد ما يعد أسلوب حياة عصريًا أو مرغوبًا. وفي المقابل، قد يحمل هذا التأثير جوانب سلبية، تتمثل في تشجيع النزعة الاستهلاكية، وتعزيز ثقافة المقارنة الاجتماعية، وخلق احتياجات غير حقيقية لدى الأفراد، فضلًا عن ترسيخ صور مثالية للحياة قد يصعب تحقيقها على أرض الواقع. كما قد تؤدي ظاهرة التقليد والمحاكاة إلى تبني بعض السلوكيات أو العادات غير الصحية، لا سيما بين الفئات الأصغر سنًا، نتيجة الرغبة في تقليد المؤثرين دون تقييم موضوعي لما يقدمونه.

ولا يتوزع هذا التأثير بدرجة واحدة على جميع أفراد المجتمع، بل يختلف تبعًا للخصائص العمرية والاجتماعية وطبيعة استخدام المنصات الرقمية. فالأطفال يُعدون من أكثر الفئات قابلية لاكتساب السلوكيات والأنماط اللغوية من خلال المحتوى الذي يشاهدونه، نظرًا لضعف قدرتهم على التمييز بين الواقع والمحتوى الرقمي. أما المراهقون، فيمثلون الفئة الأكثر تأثرًا، لارتباطهم المكثف بمنصات التواصل الاجتماعي وسعيهم إلى تقليد النماذج التي يرونها جذابة أو ناجحة، الأمر الذي يجعلهم أكثر استعدادًا لتبني الأفكار والاتجاهات التي يطرحها صُنّاع المحتوى، سواء كانت إيجابية أو سلبية.

وفي المقابل، يتفاعل الشباب مع المحتوى الرقمي بصورة أكثر وعيًا، حيث يعتمدون عليه في اكتساب الخبرات المتعلقة بالموضة، والسفر، وريادة الأعمال، والثقافة المالية، وتنمية المهارات، إلا أنهم يظلون عرضة لضغوط المقارنة المستمرة والسعي إلى محاكاة أنماط الحياة المثالية التي يعرضها بعض المؤثرين. كما تتأثر النساء بصورة ملحوظة بالمحتوى المرتبط بالموضة، والتجميل، والصحة، والأسرة، وهو ما قد يسهم في نشر الوعي وتبادل الخبرات، لكنه قد يرسخ أيضًا معايير جمالية أو اجتماعية يصعب تحقيقها. أما كبار السن، فرغم انخفاض معدلات استخدامهم للمنصات الرقمية مقارنة بالفئات الأصغر، فإنهم يستفيدون من المحتوى التوعوي والخدمي، خاصة في المجالات الصحية والاجتماعية، مع بقاء مستوى تأثرهم أقل من غيرهم.

ويعزى اتساع هذا التأثير إلى أن العلاقة التي تجمع صانع المحتوى بمتابعيه تختلف جوهريًا عن العلاقة التي تربط الجمهور بالإعلان التقليدي؛ فبينما تعتمد الإعلانات على الرسائل الدعائية المباشرة، يقوم المحتوى الرقمي على التفاعل المستمر، والتجارب الشخصية، وبناء الثقة، وهو ما يجعل الجمهور أكثر استعدادًا لتقبل الرسائل التي يقدمها المؤثرون، والاستجابة لها سلوكيًا. ومن ثم، أصبح صُنّاع المحتوى يمتلكون قدرة متزايدة على النفاذ إلى وجدان الجمهور والتأثير في قراراته اليومية، بما يعكس التحول الذي أحدثته البيئة الرقمية في أنماط الاتصال والتأثير الاجتماعي.

تأثير صُنّاع المحتوى في تشكيل القيم والاتجاهات المجتمعية:

لم يعد تأثير صُنّاع المحتوى مقتصرًا على توجيه السلوك الفردي، بل امتد ليشمل تشكيل القيم والاتجاهات المجتمعية، حتى أصبحوا أحد أبرز الفاعلين في صناعة الثقافة الرقمية وإعادة تشكيل الوعي الجمعي. فالمحتوى الذي يُقدَّم عبر المنصات الرقمية لا يؤثر في اختيارات الأفراد فحسب، وإنما يسهم أيضًا في تكوين الرأي العام، وإعادة صياغة المواقف الاجتماعية والسياسية والثقافية، بما ينعكس على أنماط التفكير والسلوك داخل المجتمع.

ويتجلى هذا التأثير بصورة واضحة في قدرتهم على توجيه الرأي العام تجاه القضايا المختلفة. فقد برز ذلك خلال حملة دعم القضية الفلسطينية (2023–2025)، حين شارك عدد كبير من صُنّاع المحتوى العرب والأجانب في نشر محتوى داعم للقضية الفلسطينية، بينما ركز آخرون على الرواية الإسرائيلية، الأمر الذي أسهم في خلق حالة من الاستقطاب على منصات التواصل الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، ساهم هذا التفاعل في إبقاء القضية ضمن أولويات النقاش العالمي، وتكوين صور ذهنية متباينة عن أطراف الصراع، بما يعكس قدرة صُنّاع المحتوى على التأثير في اتجاهات الرأي العام، وأحيانًا تجاوز التأثير الذي تمارسه وسائل الإعلام التقليدية.

ولا يقتصر تأثيرهم على تشكيل الرأي العام، بل يمتد إلى إعادة تشكيل بعض القيم والسلوكيات المجتمعية. ويتضح ذلك في حملة مقاطعة المنتجات الداعمة لإسرائيل عام 2023، حيث لعب عدد من المؤثرين دورًا رئيسًا في نشر قوائم المنتجات المستهدفة، وتوضيح أسباب المقاطعة، والترويج للبدائل المحلية، وهو ما أسهم في تحويل الموقف السياسي إلى سلوك استهلاكي تبناه ملايين الأفراد. وفي السياق ذاته، أسهمت حملة التوعية بمرض ضمور العضلات الشوكي في مصر في توجيه اهتمام المجتمع نحو قضية إنسانية لم تكن تحظى بقدر كافٍ من الاهتمام، حيث ساعد تداول قصة الطفلين ليلي وعلي في رفع مستوى الوعي المجتمعي، وتعزيز التبرعات، ودعم الأسر المتضررة.

وإلى جانب ذلك، يبرز تأثير صُنّاع المحتوى في تشكيل الثقافة الرقمية ونشر أنماط جديدة من الوعي المجتمعي. فقد شكّلت وفاة اليوتيوبر مصطفى حفناوي عام 2020 نقطة تحول في الوعي الصحي، بعدما تحولت الواقعة من حدث فردي إلى قضية رأي عام دفعت كثيرًا من الأفراد إلى الاهتمام بالفحوصات الطبية والكشف المبكر عن الأمراض. كما أسهم بعض صُنّاع المحتوى في نشر الثقافة المالية بين الشباب، من خلال التوعية بمفاهيم الادخار والاستثمار وريادة الأعمال، بما ساعد على تغيير الصورة الذهنية حول العمل الحر ومصادر الدخل الحديثة.

وفي المقابل، لم تخلُ هذه التأثيرات من جوانب سلبية، إذ قد يؤدي الانتشار الواسع للمحتوى إلى تعزيز الاستقطاب المجتمعي، أو نشر قيم سطحية وأنماط سلوكية غير صحية، كما ظهر في بعض تحديات TikTok التي شجعت على ممارسات خطرة وسلوكيات غير واقعية، خاصة بين فئة المراهقين. كما أن سرعة تداول المحتوى قد تسهم في تضخيم بعض القضايا على حساب أخرى، أو في نشر معلومات غير دقيقة تؤثر في تكوين الرأي العام، وتُحدث تشوهًا في إدراك المجتمع للواقع.

وبذلك يتضح أن صُنّاع المحتوى أصبحوا قوة مؤثرة في إعادة تشكيل القيم والاتجاهات المجتمعية، وصناعة ثقافة رقمية جديدة تتسم بالسرعة والتفاعل والانتشار الواسع.

تأثير صُنّاع المحتوى في توجيه التفاعل المجتمعي مع الأحداث:

يتجلى تأثير صُنّاع المحتوى بصورة أكثر وضوحًا عند وقوع الأزمات والأحداث الكبرى، حيث يتحولون إلى فاعلين رئيسيين في توجيه اهتمام الجمهور وصياغة طبيعة تفاعله مع ما يجري من تطورات. ففي مثل هذه المواقف، يتجه الأفراد إلى المنصات الرقمية بحثًا عن معلومات سريعة وتفسيرات فورية، الأمر الذي يمنح صُنّاع المحتوى مساحة واسعة للتأثير في إدراك الجمهور للأحداث، وتحديد أولويات اهتمامه، وتوجيه أنماط استجابته، بما قد يتجاوز في بعض الأحيان الدور الذي تؤديه وسائل الإعلام التقليدية.

ويتضح هذا الدور بجلاء خلال الأزمات والكوارث الطبيعية، حيث يصبح المحتوى الرقمي وسيلة فعالة لنقل المعلومات، وحشد الدعم، وتعزيز التضامن المجتمعي. فقد شهد زلزال المغرب عام 2023 مشاركة واسعة من صُنّاع المحتوى الذين نشروا تغطيات مباشرة، وروابط للتبرعات، وقصصًا إنسانية عن المتضررين، مما أسهم في توجيه اهتمام الجمهور نحو الأزمة وتحفيز جهود الإغاثة. وبالمثل، لعب المؤثرون دورًا بارزًا خلال إعصار دانيال والفيضانات التي اجتاحت ليبيا عام 2023، من خلال نشر احتياجات المتضررين، وإطلاق حملات للتبرع، والتنسيق بين المبادرات الإنسانية، وهو ما عكس قدرة المحتوى الرقمي على تحويل التعاطف إلى مشاركة مجتمعية فعالة.

ولا يقتصر هذا التأثير على الكوارث الطبيعية، بل يمتد إلى الأحداث الإنسانية التي تستحوذ على اهتمام الرأي العام. ويُعد حادث الطفل ريان أورام في المغرب مثالًا واضحًا على ذلك، حيث تابع ملايين الأشخاص عمليات الإنقاذ عبر ما نشره صُنّاع المحتوى والمؤثرون، وتحولت القضية إلى حدث عالمي حظي بتفاعل واسع، وأسهم في تعزيز مشاعر التضامن والتعاطف الإنساني. وقد أبرزت هذه الواقعة قدرة صُنّاع المحتوى على إبقاء قضية معينة في صدارة النقاش العام، وتوجيه اهتمام الجمهور نحوها على المستويين الإقليمي والدولي.

كما يظهر تأثيرهم في الأحداث الوطنية والاجتماعية، حيث يسهمون في تعبئة الجمهور وحشده حول القضايا ذات الاهتمام العام. فقد لعب صُنّاع المحتوى دورًا مهمًا في تعزيز الروح الوطنية خلال البطولات الرياضية، من خلال دعم المنتخبات الوطنية، وتحفيز الجماهير على المشاركة الإيجابية، ونشر مشاعر الانتماء والتكاتف. كذلك، أسهموا في دعم المبادرات المجتمعية وحملات التبرع والعمل التطوعي، بما عزز من مشاركة الأفراد في الأنشطة ذات البعد الإنساني والاجتماعي.

وعلى الجانب الآخر، لا تخلو هذه القدرة على التأثير من انعكاسات سلبية، إذ قد يسهم التداول السريع للمحتوى في نشر الشائعات أو المعلومات غير الدقيقة أثناء الأزمات، وهو ما يؤدي إلى تضخيم المخاوف وإرباك الرأي العام. كما أن التركيز المكثف على بعض الأحداث قد يؤدي إلى تهميش قضايا أخرى لا تحظى بالزخم الإعلامي نفسه، بما يؤثر في ترتيب أولويات المجتمع. وفي بعض الحالات، قد يتحول الحشد الرقمي إلى ضغط نفسي واجتماعي على الأفراد، نتيجة شعورهم بضرورة التفاعل المستمر مع كل حدث، وهو ما ينعكس في صورة إرهاق أو ما يُعرف بالتعب الرقمي.

وبذلك يتضح أن صُناع المحتوى أصبحوا شركاء في تشكيل طريقة تفاعل المجتمع معها، من خلال توجيه اهتمام الجمهور، وتعزيز المشاركة المجتمعية، والتأثير في إدراكه للأزمات والقضايا المختلفة.

توظيف صُنّاع المحتوى في دعم القوة الناعمة للدول:

لم يعد تأثير صُنّاع المحتوى مقتصرًا على الأفراد أو المجتمعات المحلية، بل امتد ليصبح أحد الأدوات التي توظفها الدول في تعزيز قوتها الناعمة وإدارة صورتها الذهنية على المستوى الإقليمي والدولي. ويعكس هذا التحول إدراك الحكومات والمؤسسات الرسمية أن المؤثرين يمتلكون قدرة استثنائية على الوصول المباشر إلى جماهير واسعة، والتأثير في اتجاهاتهم وانطباعاتهم بصورة قد تتجاوز أحيانًا تأثير وسائل الإعلام التقليدية.

ويرجع هذا التحول إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، وسهولة الوصول إلى الجمهور، والتفاعل المباشر الذي يخلق علاقة من الثقة بين صانع المحتوى ومتابعيه، فضلًا عن الخوارزميات الرقمية التي تمنح المحتوى واسع الانتشار قدرة أكبر على التأثير. وقد أسهمت هذه العوامل في تحويل صُنّاع المحتوى إلى فاعلين إعلاميين جدد، يمتلكون تأثيرًا متزايدًا في تشكيل الصورة الذهنية للدول والترويج لمقوماتها السياحية والثقافية والاقتصادية.

وفي هذا السياق، بدأت العديد من الدول في دمج المؤثرين ضمن استراتيجياتها الإعلامية والسياحية، انطلاقًا من قناعة بأن المحتوى الذي يعتمد على التجربة الشخصية يتمتع بدرجة أعلى من المصداقية لدى الجمهور مقارنة بالحملات الإعلانية التقليدية. ومن هنا برزت مبادرات استضافة المؤثرين أو ما يُعرف برحلات المؤثرين، التي يتم خلالها دعوة صُناع المحتوى لزيارة المعالم السياحية والثقافية وإنتاج محتوى رقمي يعكس تجاربهم، بما يسهم في تحسين الصورة الذهنية للدولة وزيادة جاذبيتها السياحية.

وتبرز عدة نماذج تطبيقية تؤكد هذا التوجه؛ فقد اعتمدت تركيا على استضافة عدد من المؤثرين من دول مختلفة، من بينهم مؤثرون مصريون، للترويج للمقاصد السياحية والثقافية التركية، كما حظيت لقاءاتهم مع السفير التركي في القاهرة باهتمام إعلامي، أعقبها تنظيم زيارات إلى تركيا لإنتاج محتوى رقمي يعرض التجربة السياحية والثقافية. كما استعانت المملكة العربية السعودية بعدد كبير من صُنّاع المحتوى للترويج لمواسم الترفيه ومشروعاتها السياحية الكبرى، مثل العلا والبحر الأحمر، بهدف تعزيز مكانتها كوجهة سياحية عالمية. وفي السياق ذاته، وظفت دولة الإمارات العربية المتحدة المؤثرين في الترويج لفعاليات دولية، مثل معرض إكسبو دبي، وإبراز معالمها الحضارية والثقافية عبر حملات رقمية واسعة الانتشار.

 

أكتر من 30 مؤثر بإجمالي 35 مليون متابع في ضيافة السفير التركي Salih Mutlu Şen.

وعلى الرغم من المزايا التي يوفرها هذا التوجه، فإنه ينطوي أيضًا على عدد من التحديات. فقد يصبح بعض صُنّاع المحتوى أدوات للتأثير السياسي أو الإعلامي في إطار المنافسة بين الدول، أو وسيلة لترويج روايات معينة تخدم مصالح أطراف بعينها. كما قد يؤدي الاعتماد المفرط على المؤثرين إلى تقديم صور انتقائية أو مثالية لا تعكس الواقع بصورة كاملة، بما قد يؤثر في مصداقية الرسائل الإعلامية إذا اختلفت التجربة الفعلية عما تم الترويج له. ويزداد هذا التأثير في ظل سهولة انتشار المحتوى الرقمي عبر الحدود، بما يجعل صُنّاع المحتوى جزءًا من أدوات التأثير في الرأي العام الدولي.

وبذلك يتضح أن صُنّاع المحتوى أصبحوا أحد الفاعلين المؤثرين في القوة الناعمة والدبلوماسية العامة للدول. فهم يسهمون في بناء الصورة الذهنية، والتأثير في الرأي العام العالمي، وتعزيز السياحة والاستثمار، وفي الوقت نفسه قد يُستخدمون في المنافسة الإعلامية بين الدول وصياغة السرديات الدولية، الأمر الذي يعكس التحول العميق الذي أحدثته البيئة الرقمية في أدوات التأثير والعلاقات الدولية.

في النهاية، أصبح من الواضح أن صُناع المحتوى لم يعودوا مجرد وسيلة للترفيه، بل تحولوا إلى قوة مؤثرة في تشكيل السلوك، والتأثير في القيم، بل وحتى في دعم صورة الدول وتعزيز قوتها الناعمة. ومع اتساع هذا التأثير، لم يعد من المنطقي التعامل معهم باعتبارهم ظاهرة عابرة، وإنما باعتبارهم واقعًا جديدًا يفرض نفسه على المجتمعات والدول.

ومن هنا، تبرز أهمية الاهتمام بهذه الفئة، ليس فقط من خلال متابعة تأثيرها، وإنما أيضًا عبر حسن توظيفها والاستفادة من إمكاناتها في نشر الوعي، ودعم القضايا المجتمعية، والترويج للسياحة والاستثمار، وتعزيز الصورة الذهنية للدولة. فكلما كان صُنّاع المحتوى أكثر وعيًا بالمسؤولية التي يحملونها، وكانت المؤسسات أكثر قدرة على التعاون معهم وتوجيه جهودهم، أمكن تحقيق أقصى استفادة من تأثيرهم، وتحويله إلى قوة إيجابية تدعم المجتمع وتخدم أهداف التنمية في العصر الرقمي.

ريهام السادات

ريهام السادات- رئيس برنامج التحولات الداخلية بالمركز، الباحثة حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية، متخصصة في دراسات الأمن الإقليمي والأمن المجتمعي، باحثة ماجستير بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى