حسابات براغماتية: قراءة في منطق عودة صناع القرار الإيراني للتصعيد؟

إن عودة التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط بين إيران والولايات المتحدة في يوليو الجاري 2026، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد حلقة جديدة في مسلسل التصعيد المتكرر بين الطرفين، لا سيما أنه جاء بعد فترة قصيرة من التهدئة النسبية، وفي توقيت كانت فيه طهران قد بدأت بالفعل في استعادة جزء من المكاسب السياسية والاقتصادية التي فقدتها خلال الأشهر الأولى من الحرب. لذلك فإن السؤال الاستراتيجي لا يتمثل في سبب عودة الحرب وإنما في منطق القرار الإيراني نفسه، أي لماذا قررت طهران العودة للتصعيد مجددًا في لحظة كانت فيها تكلفة الحرب أعلى من أي وقت مضى، بينما كانت هناك بوادر تمنحها فرصة لإعادة ترتيب أوراقها؟

لقد ارتبط السلوك الإيراني طوال العقدين الماضيين على وجه التحديد بما يمكن وصفه ب “البراغماتية الثورية”. فعلى الرغم من الخطاب الأيديولوجي الحاد، فإن القيادة الإيرانية كانت غالبًا ما توازن بين التهدئة والتصعيد، وتتنقل بينهما وفق حسابات دقيقة تتعلق بالتكلفة والعائد. حيث أنه لم يكن هدفها الخوض في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، وإنما إدارة الصراع بطريقة تسمح بالحفاظ على النفوذ الإقليمي، وتجنب خسارة الدولة أو إنهاكها اقتصاديًا، خاصة وأنها تعاني بالفعل جراء العقوبات والعزلة الدولية المفروضة عليها طوال ما يزيد عن أربعة عقود، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا متى كان ذلك يخدم المصالح الإيرانية.

غير أن، ما يحدث في الوقت الراهن من تصعيد من قبل الطرفين وبالتركيز على الجانب الإيراني، يستدعي عدة تساؤلات، هل المكاسب التي حققتها إيران من التهدئة غير كافية، هل يعاني الداخل الإيراني من ارتباك في صنع القرار ما أدى إلى التنقل من براغماتية القرار وتغليب المنفعة، إلى تصعيد آخر يعيد الوضع إلى نقطة الصفر.

التهدئة ومكاسب إيران:

لفهم طبيعة القرار الإيراني الحالي المرتبط بالتصعيد، لابد أولًا من فهم ومعرفة ما الذي حققته طهران أثناء فترة الهدنة. فخلال تلك الأثناء، بدأ النظام الإيراني في إعادة فتح قنوات الاتصال مع عدد من دول الجوار الخليجي، واستمرت الوساطات الإقليمية، كما ظلت المفاوضات قائمة مع واشنطن بدرجات متفاوتة، في الوقت الذي كان فيه النظام الإيراني يراهن على تخفيف الضغوط الاقتصادية، والإفراج التدريجي عن الأصول المجمدة، والحفاظ على الحد الأدنى من استقرار حركة الملاحة في الخليج، وعلى الرغم من أن هذه المكاسب لم تكن كاملة وكذلك عدم الوثوق التام بالجانب الأمريكي، إلا أنها مثلّت بداية خروج بطيء من حالة الاستنزاف العسكري المباشر.

ولأن النظام الإيراني عُرف خلال السنوات الأخيرة الماضية ببراغماتيته الواضحة التي تقوم على تحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية والاقتصادية، دون الانزلاق إلى حرب شاملة أو طويلة الأمد. لذلك كانت طهران تستخدم أدوات الضغط بصورة محسوبة، سواء عبر وكلائها في المنطقة أو عبر التهديد بإغلاق مضيق هرمز، لكنها كثيرًا ما كانت تترك مساحة للتراجع عندما ترتفع تكلفة التصعيد. ولكن ما يحدث في الوقت الراهن وتجدد الضربات وبشكل خاص استهداف دول الخليج مرة أخرى، ينقل إيران من سياسة الحفاظ على المكاسب إلى مخاطر غير محسوبة التكلفة. وهنا يتم الرجوع بشكل أكثر تركيزًا وتفصيلاً إلى منظور صانع القرار الإيراني وحساباته.

هل تغيّرت حسابات صانع القرار الإيراني؟

تكمن الإشكالية الرئيسية في قراءة السلوك الإيراني الأخير في أن التحليلات السائدة تنطلق غالبًا من فرضية جاهزة، مفادها أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية عادت إلى التصعيد لأنها دولة ثورية بطبيعتها، وكما تُوصف الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل بأنها معركة وجود. غير أن هذا التفسير، رغم أهميته، لا يجيب عن السؤال الأكثر تعقيدًا، وهو: لماذا اختارت إيران العودة إلى التصعيد في هذا التوقيت تحديدًا، بعد أيام قليلة فقط من مرحلة كانت تشير إلى إمكانية احتواء الأزمة عبر التهدئة والمفاوضات؟

في أدبيات العلوم السياسية، لا يُقاس القرار بحدة الخطاب السياسي، وإنما بالتوقيت الذي يُتخذ فيه، وكذلك البدائل التي كانت متاحة أمام صانع القرار، والكلفة التي كان مستعدًا لتحملها مقابل العائد المتوقع. ومن هذا المنطلق، فإن القرار الإيراني لا ينبغي قراءته وتحليله باعتباره رد فعل عسكري فحسب، بل باعتباره تحولًا في حسابات التكلفة والعائد التي تحكم عملية صنع القرار. فالتهدئة التي أعقبت الحرب لم تكن مجرد وقف لإطلاق النار، بل مثلّت فرصة لإعادة ترتيب البيئة الإقليمية. فقد استمرت الاتصالات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، وتركزت المفاوضات على وجه التحديد حول مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، وتخفيف بعض العقوبات الاقتصادية، والإفراج التدريجي عن بعض الأصول الإيرانية المجمدة، هذا إلى جانب استمرار الوساطات الإقليمية لا سيما عبر سلطنة عمان وقطر. لكن الخلافات حول تفسير بنود مذكرة التفاهم بين الطرفين، واستمرار الخلاف بشأن الملاحة في مضيق هرمز، وملف العقوبات الإيرانية، أدت جميعها إلى تآكل التفاهمات تدريجيًا حتى انهارت عمليًا مع تجدد الضربات العسكرية. وهنا يُثار تساؤل هام: إذا كانت طهران بالفعل قد بدأت في جني مكاسب سياسية واقتصادية خلال فترة التهدئة، فما الذي دفعها إلى اتخاذ قرار يهدد هذه المكاسب مرة أـخرى؟. بالنظر إلى البيئة الاستراتيجية المحيطة بالقيادة الإيرانية في الوقت الراهن، نجد أن هناك عدة تفسيرات يمكن من خلالها الإجابة على هذا التساؤل، ومنها:

١. تراجع الثقة الإيرانية في جدوى المسار التفاوضي: حيث أنه من منظور طهران فإن فترة التهدئة لم تودِ إلى وقف الضغوط العسكرية أو السياسية، كما لم تحقق تقدمًا ملموسًا في الملفات التي تعتبرها إيران جوهرية، وفي مقدمتها العقوبات الدولية المفروضة عليها، وكافة الأرصدة المجمدة، ومستقبل برنامجها النووي، وآلية إدارة مضيق هرمز. وبذلك ربما قد خلص صانع القرار الإيراني إلى أن استمرار ضبط النفس، لم يعد يحقق عائداً استراتيجيًا فعالً يتناسب مع التكلفة.

٢. إعادة تعريف مفهوم الردع داخل البيئة الإيرانية: حيث أنه على مدار السنوات الماضية، كان الردع الإيراني يعتمد بصورة أساسية على الوكلاء الإقليميين، والقدرات الصاروخية، والتهديد غير المباشر. لكن عقب حرب ال 40 يومًا الأخيرة في مواجهة واشنطن وتل أبيب، بدا أن القيادة الإيرانية تخشى أن يؤدي المسار الدبلوماسي إلى ترسيخ صورة ذهنية مفادها أن قدرات إيران على الردع قد تراجعت، وهو ما قد يشجع خصومها على توسيع عملياتهم العسكرية. ومن ثم فإن العودة إلى استهداف المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، قد تكون من وجهة نظر طهران، محاولة لإعادة تثبيت معادلة الردع مرة أخرى، حتى لو ترتب على ذلك تصعيد أوسع.

وهنا يجدر الإشارة إلى بُعد هام، وهو أن هذا التفسير ربما قد لا يكون كافيًا في بعض الأحيان، حيث أن استهداف دول الخليج يختلف استراتيجيًا عن استهداف القواعد الأمريكية المباشر. فدول الخليج لم تعد بالنسبة لإيران مجرد ساحات انتشار للقوات الأمريكية، بل أصبحت أيضًا شريكًا اقتصاديًا وسياسيًا، كانت طهران قد سعت خلال السنوات الأخيرة إلى تحسين العلاقات معه، خاصة بعد موجة المصالحات الإقليمية، وبالتالي فإن توسيع نطاق الضربات ليشمل أراضي ومنشآت حيوية خليجية، يعني أن صانع القرار الإيراني كان مستعدًا لتحمل تكلفة إضافية تتمثل في تآكل الثقة مع دول الجوار في الخليج العربي، وتهديد مسار الانفتاح الإقليمي، الذي استثمرت فيه طهران سياسيًا في الفترة القليلة الماضية.

كلفة التصعيد مقارنة بالهدنة

في قراءة السلوك الإيراني المتعلق باتخاذ قرار التصعيد مرة أخرى، فبشكل عام يُفترض أن صانع القرار يختار البديل الذي يحقق من خلاله أعلى منفعة ممكنة مقارنة بتكاليفه. لكن إذا بدت التكلفة الظاهرة للقرار أعلى من عائده، ففي هذه الحالة يتم البحث عن مكاسب غير ظاهرة، ربما لا يتم تناولها في المؤشرات الاقتصادية والعسكرية المباشرة، ومن بين هذه المكاسب المحتملة، أن القيادة الإيرانية ربما تكون قد سعت إلى فرض كلفة أمنية مباشرة على الولايات المتحدة ودول الخليج نظراً لأهمية الأخيرة في حركة الاقتصاد العالمي. وكذلك رفع تكلفة استمرار العمليات العسكرية ضد إيران، وهو ما يعني استنذافًا للطرف الآخر بشكل ما، فضلًا عن إعادة ترميم صورة الردع الإيرانية داخلياً وخارجيًا على الرغم من شدة الضربات التي تتعرض لها إيران، وكذلك حسين الموقع التفاوضي للجانب الإيراني مستقبلًا عبر إظهار أن تجاهل المطالب الإيرانية الهامة، سيؤدي إلى تهديد أمن الطاقة العالمي.

أما على الجانب الآخر، فإن هذه المكاسب المحتملة تقابلها أيضًا خسائر لا تقل أهمية، من بينها تراجع الثقة الخليجية في الجانب الإيراني، احتمالية رفع العقوبات بصورة أشد، وكذلك تضرر حركة الملاحة ما يؤدي إلى اتساع رقعة الضربات العسكرية. وهذا بالفعل قد يطرح سؤالًا حول ما إذا كان صانع القرار الإيراني قد أعاد بالفعل تقييم التكلفة والعائد، أم أنه بالغ في تقدير المكاسب الممكنة من التصعيد. والتطورات الأخيرة المتعلقة بتجدد الهجمات تشير بالفعل إلى انخفاض حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، وارتفاع المخاوف في أسواق الطاقة، بما يعكس أن التصعيد لم يعد يقتصر على البعد العسكري فحسب، بل امتد أيضًا إلى الاقتصاد العالمي.

كما تزامنت العودة إلى التصعيد مع تزايد التحليلات التي تتحدث عن تنامي دور الحرس الثوري الإيراني، مقابل تراجع الوزن النسبي للمؤسسات السياسية والدبلوماسية، إضافة إلى بعض التكهنات بشأن حالة الغموض المرتبطة بالقيادة العليا وتأثيرها المحتمل في آلية اتخاذ القرار، مع التأكيد على أن كثيرًا من هذه التقديرات لا يزال غير محسوم. ومع ذلك ينبغي الحذر كم القفز التام إلى استنتاج وجود حالة من الانقسام الداخلي في إيران حتى الآن، حيث لا توجد براهين كافية وعلنية تثبت أن قرار التصعيد اتخذته مؤسسة واحدة بمعزل عن بقية المؤسسات.

وبالتالي فإن الوضع الراهن الآن قد يرمي إلى تحول في منطق صناعة القرار الإيراني، حيث أن ما يحدث الآن لا يمثل مجرد جولة جديدة من التصعيد فحسب، لأنه على ما يبدو أن القيادة في طهران أصبحت مستعدة لتحمل مستويات أعلى من المخاطر السياسية والاقتصادية، ولعل ذلك ما سيستحق المتابعة بشكل أكثر تفصيلًا في الأيام المقبلة مع اشتداد وطأة التصعيد

ختامًا، لا يمكن الجزم بأن إيران قد تخلت بشكل كامل عن براغماتية القرار، ولكن ربما قد أعادت تعريفها بصورة أخرى، فربما لم تعد البراغماتية الإيرانية تعني تجنب التعيد، وإنما أصبحت استخدام التصعيد نفسه باعتباره أداة تفاوض، حتى وإن كان ذلك يحمل مخاطر بصورة أكبر. لكن إذا استمرت طهران في اتخاذ قرارات تؤدي إلى تقويض المكاسب التي حققتها، دون أن تحقق في المقابل مكاسب استراتيجية واضحة، فإن ذلك سيُثير تساؤلًا أكثر أهمية وهو: هل أصبح صانع القرار الإيراني يقيّم البيئة الاستراتيجية وفق معايير مختلفة، أم أن حسابات التكلفة والعائد داخل منظومة صنع القرار بدأت تشهد خللًا تحت ضغط الحرب؟ وهذا السؤال ربما سيكون مفتاح فهم السلوك الإيراني في المرحلة المقبلة، بشكل أعمق من مجرد تحليل يختزل المشهد في ثنائية الحرب أو التهدئة.

سارة أمين

سارة أمين- باحث أول بالمركز في شئون الشرق الأوسط والأمن الإقليمي، ورئيس برنامج دراسات الخليج العربي. الباحثة حاصلة علي ماجستير في العلوم السياسية، شعبة العلاقات الدولية. وهي كاتبة في العديد من مراكز الفكر والدراسات العربية، ومتعاونة مع المؤسسات الدولية الحقوقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى