دكتورة نورهان العباسي تكتب: برحيل غراهام… من يملأ فراغ صقر ترامب؟

لم تكن وفاة السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام مجرد رحيل لعضو في مجلس الشيوخ الأمريكي، بل غياباً لشخصية سياسية نافذة لعبت دوراً بارزاً في رسم مواقف واشنطن تجاه عدد من أكثر ملفات العالم حساسية، من الحرب في غزة إلى الصراع الروسي الأوكراني. فقد كان غراهام واحداً من أقرب حلفاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأحد أبرز أصوات التيار المحافظ المتشدد داخل الحزب الجمهوري، وصاحب تأثير كبير في ملفات الأمن القومي والسياسة الخارجية الأمريكية.
فعلى مدار أكثر من عقدين داخل مجلس الشيوخ، نجح غراهام في بناء مكانة سياسية استثنائية، مستنداً إلى خبرته العسكرية السابقة كضابط في القوات الجوية الأمريكية، وإلى حضوره القوي داخل لجان الكونجرس المؤثرة، خاصة في ملفات الدفاع والقضاء والسياسة الخارجية. وكان يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز “الصقور” في واشنطن، بسبب دعمه الدائم لاستخدام أدوات الضغط والعقوبات لمواجهة خصوم الولايات المتحدة حول العالم.
ارتبط اسم غراهام بشكل وثيق بالرئيس دونالد ترامب خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبح من أكثر المدافعين عن سياساته داخل الكونجرس، وصوتاً بارزاً في الدفاع عن توجهات الإدارة الجمهورية، خاصة فيما يتعلق بالأمن القومي والعلاقات الدولية، وكان وجوده يمثل دعماً سياسياً مهماً لترامب داخل مجلس الشيوخ.
وفي الشرق الأوسط، كان غراهام من أبرز الداعمين لإسرائيل داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية، واتخذ مواقف مؤيدة بشدة للسياسات الإسرائيلية خلال الحرب على غزة، ما جعله شخصية مثيرة للجدل بين مؤيديه وخصومه، خاصة مع تصاعد الانتقادات الدولية للحرب وتداعياتها الإنسانية.
أما في الملف الأوكراني، فكان غراهام من أكثر الأصوات الأمريكية دعماً لكييف ومواجهة موسكو، وزار أوكرانيا أكثر من مرة، مؤكداً دعمه لاستمرار المساعدات العسكرية والسياسية لها، وهو ما جعله أحد أبرز المنتقدين لسياسات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وخلال الساعات الماضية تصدر غراهام عناوين وكالات الأنباء الكبرى بسبب خبر وفاته المفاجئ، إلا أن التقارير الطبية الأولية أشارت إلى أن الوفاة كانت نتيجة أسباب صحية، بعدما تعرض لمشكلة خطيرة في القلب والأوعية الدموية تمثلت في تمزق الشريان الأورطي المرتبط بتصلب الشرايين، وهو مرض قد يحدث بصورة مفاجئة رغم عدم ظهور أعراض واضحة في بعض الحالات، فيما لم تعلن الجهات الرسمية وجود أي شبهة جنائية في الوفاة حتى الآن.
ورغم الرواية الطبية الرسمية، أثارت وفاة غراهام موجة من التكهنات على بعض المنصات الإعلامية ومواقع التواصل، خاصة بسبب مواقفه الحادة تجاه روسيا وزيارته الأخيرة لأوكرانيا، حيث ظهرت تقارير وشائعات تتحدث عن احتمالات تورط جهات مرتبطة بالكرملين، إلا أن هذه الادعاءات لم تستند حتى الآن إلى أدلة معلنة، ولم يصدر أي اتهام رسمي من الولايات المتحدة أو إعلان روسي بشأنها.
وتأتي هذه التكهنات في ظل تاريخ طويل من التوتر بين غراهام وموسكو، بعدما كان من أبرز المطالبين بتشديد العقوبات على روسيا ودعم أوكرانيا، ما جعل اسمه حاضراً في الخطاب السياسي المعادي للكرملين.
وبرحيل ليندسي غراهام، يخسر ترامب أحد أهم حلفائه داخل واشنطن، وشخصية سياسية كانت تمثل صوتاً قوياً للدفاع عن سياساته الخارجية، بينما تفقد إسرائيل واحداً من أكثر داعميها تأثيراً داخل الكونجرس الأمريكي، في مرحلة تشهد فيها العلاقات الأمريكية الإسرائيلية نقاشات واسعة بسبب الحرب على غزة.