تدوير الحكومات.. كيف تؤثر التغييرات الوزارية في المشهد السياسي التونسي؟

لم تعد المظاهرات التي شهدتها تونس بخروج المئات في أنحاء البلاد 25 يوليو الجاري 2026، موجة غضب اجتماعي مرتبطة بتدهور الأوضاع الاقتصادية أو ارتفاع الضغوط المعيشية، وإنما أصبحت انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بقدرة السلطة التنفيذية على إنتاج حلول مستقرة واحتواء الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين. فالمشهد التونسي الراهن يكشف عن مفارقة سياسية واضحة، إذ إن قيادة الدولة التي رفعت منذ عام 2021، شعار “استعادة فاعلية الدولة، وإنهاء حالة التعطيل التي صاحبت مرحلة الانتقال الديمقراطي” تواجه اليوم تحديًا مختلفًا يتمثل في تراجع قدرة الأدوات التنفيذية المستخدمة على تحقيق نتائج ملموسة لدى المواطن التونسي. وفي مقدمة هذه الأدوات يأتي التغيير الحكومي المتكرر والذي يبدو أنه قد تحول تدريجيًا من وسيلة لإعادة ضبط الأداء الحكومي، إلى مؤشر على تحدٍ أوسع في آليات صناعة القرار وتنفيذ السياسات العامة.
وتتمثل الإشكالية الأساسية في أن تغيير الحكومات في الأنظمة السياسية لا يكون دائمًا علامة على الإخفاق أو الفشل، ففي بعض الحالات يُمثل آلية ديمقراطية لتصحيح المسار أو إعادة ترتيب الأولويات. إلا أن المشكلة غالبًا ما تظهر عندما يصبح تغيير الحكومات إجراءًا متكررًا دون أن يصاحبه تغيير حقيقي في السياسات أو تحسن في مؤشرات الأداء. ففي الحالة التونسية، أصبح المواطن يشهد انتقال المسؤولين من موقع إلى آخر، وتبدل أسماء الوزراء والحكومات، بينما الأزمات نفسها المتعلقة بالاقتصاد والخدمات والقدرة الشرائية والبطالة وغيرهم ما زالت مستمرة.
وعليه، يقدم هذا التحليل قراءة في التغيرات الحكومية المتكررة خلال حكم الرئيس التونسي قيس سعيّد، وكيف يمكن أن يكون هذا الإجراء سببًا في تعميق الشعور بعدم الاستقرار المؤسسي، دون وضع معالجة لجذور التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وكيف أثر ذلك على الرأي العام الشعبي والنقابي التونسي؟
تغيرات جوهرية
منذ وصول الرئيس التونسي قيس سعيّد إلى الحكم في أكتوبر 2019، دخلت تونس مرحلة مختلفة عن المرحلة التي سبقتها في عهد الرئيس الباجي قائد السبسي. ففي عهد السبسي كانت الحكومات تتحرك داخل نظام سياسي قائم على التوازن بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والبرلمان، وكانت المسؤولية السياسية موزعة بين عدة مؤسسات وأحزاب فيما عُرف بـ”تقاسم السلطة” و”التوافق الحزبي”. ولذلك، عندما كانت تحدث أزمات اقتصادية او اجتماعية، كان جزء كبير من الغضب الشعبي يتجه نحو الأحزاب والبرلمان باعتبارهم جزءًا من مراكز صنع القرار اليومية. أما مرحلة ما بعد السبسي، وتحديدًا إجراءات 25 يوليو 2021 التي أقرها الرئيس قيس سعيّد، وتم فيها تعزيز موقع الرئاسة في إدارة السلطة التنفيذية، وتغيرت معادلة المسؤولية السياسية، فأصبحت الحكومة تعمل في مساحة أكثر ارتباطًا بالرئيس، وأصبح نجاحها أو تعثرها يُقرأ باعتباره انعكاسًا مباشرًا لطريقة إدارة الدولة.
ومن هنا تظهر أهمية المقارنة بين مرحلتي السبسي وسعيّد، فخلال فترة حكم الأول، عرفت تونس أيضًا تغيرات حكومية متكررة، وهو أمر ارتبط بطبيعة النظام بعد الثورة، وصعوبة تشكيل أغلبية سياسية مستقرة والصراعات بين الرئاسة والحكومة والأحزاب من حين لآخر، فقد تعاقب خلال فترة رئاسة السبسي عدد من رؤساء الحكومات، من الحبيبي الصيد إلى يوسف الشاهد، وسط خلافات سياسية وأزمات تتعلق بإدارة الاقتصاد والإصلاحات في البلاد. لكن الفارق الأساسي أن تغيير الحكومات في تلك المرحلة كان جزءًا من أزمة نظام سياسي متعدد الأطراف.
بينما في المقابل، أصبح تغيير الحكومات في عهد الرئيس قيس سعيّد، مرتبط بشكل كبير بمركزية القرار الرئاسي وانعدام الثقة في الأحزاب والمكونات السياسية. ولذلك فإن تكلفة التغيير أصبحت مختلفة، حيث أنه في النظام التعددي أو نظام تقاسم السلطة، يمكن للحكومة أو الحزب السياسي أن يتحمل جزءًا من المسؤولية، أما في النموذج الأكثر تركيزًا للسطلة التتفيذية، فإن المواطن يُسقط النتيجة النهائية على الجهة التي تمتلك القدرة الأكبر على الاختيار والتغيير والتوجيه.
تهديد الاستقرار واستدامة السياسات
إن تغيير الحكومات أو الوزارء في تونس بشكل متكرر وفي فترات قصيرة، يعكس صعوبة في الوصول إلى صيغة مستقرة لإدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بما يزيد من تفاقم الأوضاع ويؤثر سلبًا على المواطنين. حيث أن المشكلة الرئيسية لا تتعلق فقط بعدد الحكومات، وإنما بالنتيجة المؤسية لهذا التغيير المستمر. فالحكومات تحتاج إلى وقت حتى تفهم وتسعى لحل الملفات المعقدة، وبناء علاقات داخل شبكة الجهاز الإداري وتضع خططًا قابلة للتنفيذ ما بين قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، ثم وضع مؤشرات لقياس وتقييم النتائج. أما في حال عمل الحكومات وهي تدرك أن بقاءها مرتبط بقدرتها على تجاوز أزمة حالية فحسب، أو الحفاظ على ثقة مؤسسة الرئاسة، فإن الأولوية تتحول من الإصلاح الممتد إلى إدارة أزمات يومية فقط. وفي هذه الحالة تصبح الحكومة في حالة استجابة مستمرة للضغوط بدلًا من أن تكون لديها رؤية استراتيجية لمعالجة جذور المشكلات.
كما أن مسألة التغيير الوزاري المتكرر، تخلق مشكلة أخرى تتعلق بالمسؤولية السياسية، ففي حالة فشل أحد الوزراء في معالجة أزمة معينة، يكون الحل التقليدي والأسرع هو تغييره، لكن إذا تكرر الأمر مع عدة وزراء في القطاعات نفسها، فإن السؤال ينتقل من أداء الأشخاص إلى طبيعة السياسات نفسها. ومن هنا يبدأ المواطن في النظر إلى المشكلة باعتبارها أزمة إدارة وليست أزمة أفراد. ولعل هذا ما يفسر انتقال المظاهرات من المطالبة بتغيير مسؤولين إلى انتقاد النموذج السياسي بأكمله، حيث لم تركز فقط على أسماء وزراء أو أفراد بعينهم، وإنما حملت انتقادات مباشرة للرئيس ولطريقة إدارته للبلاد، لا سيما مع تصاعد الحديث عن وجود أزمات اقتصادية ومالية حادة وشحًا في الموارد وانقطاع المياه والكهرباء بشكل مستمر، فضلًا عن الدعوات للإفراج عن السجناء من الشخصيات السياسية.
ضغط نقابي منظم
إن مسألة اللجوء في كثير من الأحيان إلى التعديل الوزاري أو إعفاء بعض الوزراء عقب تصاعد الانتقادات أو بروز أزمات اقتصادية أو خدمية، عزز لدى الرأي العام التونسي حالة الاستياء لدى المواطنين ما دفعهم للاحتجاج بشكل كبير في الوقت الراهن. وكما هو معروف في النظم السياسية بشكل عام، فإن نجاح الحكومات لا يُقاس بعدد الوزراء الذين تم استبدالهم، وإنما بقدرتها على بناء سياسات مستقرة، وتحقيق تراكم مؤسسي يسمح للدولة بالانتقال التدريجي من إدارة الأزمات إلى إدارة خطط التنمية. كما أن أحد أهم شروط الإصلاح الاقتصادي والإداري هو وجود “الاستقرار المؤسسي”، حيث أن الإصلاحات الهيكيلية تحتاج بطبيعتها إلى وقت، ووضع خطط زمنية، وإلى قدر من الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع. أما حالات التغيير الحكومي المتكررة وبصورة متقاربة، ما هي الإ مؤشر واضح على تراجع قدرة الدولة على الاستقرار، ما يؤدي لغياب الثقة بين المواطن والنظام السياسي.
ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة في الحالة التونسية، بالنظر إلى أن البلاد تواجه منذ سنوات تحديات اقتصادية مركبة، تشمل تباطؤ النمو، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات البطالة، وتزايد الضغوط على المالية العامة. وهذه ليست أزمات يمكن حلها بقرارات إدارية سريعة أو بإعفاء وزير وتعيين آخر، بل تتطلب رؤية اقتصادية متكاملة، واستمرارية في التنفيذ، وتوافقًا بين مؤسسات الدولة المختلفة. لذلك، فإن استمرار تغيير الحكومات دون معالجة الأسباب الهيكلية للأزمة أدى إلى اتساع الفجوة بين الوعود الرسمية والواقع الذي يعيشه المواطن، وهو ما انعكس في عودة الاحتجاجات الاجتماعية واتساع دائرة المطالب المعيشية.
ومن زاوية أخرى، فقد لعب الاتحاد العام التونسي للشغل دورًا محوريًا في هذا المشهد الراهن. فهذه الاحتجاجات لم تكن مجرد تحركات شعبية خالصة، وإنما جاءت أيضًا في سياق تصاعد الانتقادات الصادرة عن أكبر منظمة نقابية في البلاد، والتي ربطت بين تدهور الأوضاع الاجتماعية وبين غياب الحوار حول السياسات الاقتصادية والإصلاحات المطلوبة. وهنا تبرز نقطة شديدة الأهمية، فحين تتزامن الاحتجاجات الشعبية مع تصاعد الضغط النقابي، تصبح الأزمة أكثر تعقيدًا، لأنها تنتقل من مستوى الغضب المجتمعي إلى مستوى الضغط المؤسسي المنظم، وهو ما يزيد من تكلفة استمرار السياسات الحالية دون مراجعة.
وختامًا، فإن الاحتجاجات الأخيرة في تونس تبدو بمثابة رسالة تتجاوز المطالب الاقتصادية المباشرة، لتطرح تساؤلًا أعمق حول مدى قدرة نموذج الإدارة الحالي على إنتاج سياسات فعالة ومستدامة. فإذا استمرت معادلة التغيير الحكومي المتكررة دون مراجعة جوهر السياسات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، فإن التغيير سيفقد ما تبقى من قيمته السياسية، وسيُنظر إليه باعتباره دليلًا على استمرار الأزمة لا على قرب حلها. وفي هذه الحالة، لن يكون التحدي الرئيسي أمام الدولة التونسية هو تشكيل حكومة جديدة أو إعفاء عدد من الوزراء، بل استعادة ثقة المجتمع بأكمله، في أن مؤسسات الدولة قادرة على إنتاج نتائج ملموسة ومؤثرة.