معركة جانبية: مشروع بايدن لتقييد قوانين حيازة الأسلحة في الولايات المتحدة

شهدت الولايات المتحدة حلقة جديدة من ”العنف المسلح” خلال الأسابيع القليلة الماضية في عدة ولايات منها كاليفورنيا وبولدر وأتلانتا وشيكاغو وواشنطن ، كان أخرها حادث إطلاق نار  في ولاية ألاباما الأمريكية، يوم 5 إبريل الجاري والذي أسفر عن مقتل امرأة وإصابة 5 أشخاص آخرين، وخلال شهر مارس 2021  بلغ معدل حوادث إطلاق النار الجماعية 20 حادث على الأقل ، امتدت الحوادث من ولاية كاليفورنيا إلى واشنطن، وأسفرت عن مقتل العديد من الضحايا. وفي خضم تزايد وتيرة حوادث إطلاق النار في أميركا، دعا الرئيس الأمريكي جو بايدن الكونجرس لإجراء تعديل عاجل علي قوانين وضوابط حيازة السلاح داخل البلاد، الأمر الذي أعاد للصدارة النقاش حول ملف حيازة السلاح مرة أخرى وضرورة مراجعة التشريعات الخاصة بحيازة الأسلحة، لاسيما وأن حق حيازة السلاح الفردي في الولايات المتحدة يعتبر من بين الحقوق التي أقرها الدستور الأميركي، فالولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الوحيدة في العالم التي تسمح لمواطنيها بحمل السلاح انطلاقاً من مبدأ احترام الحرية الفردية.

اتساقاً مما سبق، نسلط الضوء في هذا المقال على الإشكالية الخاصة بحق استخدام السلاح الفردي في الولايات المتحدة، ومدى تأثيرها على مستويات العنف والجريمة  ، وطبيعة الجدل المحتدم داخل الكونجرس حول تقييد قوانين حيازة الأسلحة، في ضوء تحركات إدارة بايدن من أجل تقييد حق حيازة الأسلحة في الولايات المتحدة، ومواقف الحزبين الجمهوري والديمقراطي وصراعات لوبيات السلاح من الباطن.

إحصاءات مقلقة:

يمكن تناول ظاهرة العنف المسلح في الولايات المتحدة، من خلال التطرق لعدد من الإحصاءات الهامة، في النقاط التالية: –

(*) أمريكا تتصدر الدول: وفقاً لفوكس ميديا، تتصدر الولايات المتحدة دولًاً متقدمة عديدة، عندما يتعلق الأمر بتزايد معدلات جرائم القتل المرتبطة بالأسلحة النارية، حيث تشهد أمريكا ستة أضعاف جرائم القتل بالأسلحة النارية في كندا، وحوالي 16 مرة ضعف عدد الحوادث في ألمانيا.

المصدر: Vox.com

(*) الدولة الأولى في امتلاك السلاح: تمتلك الولايات المتحدة ما يقرب من 45 % من جميع الأسلحة النارية الصغيرة في العالم ، على الرغم من أنها تضم أقل من 5% من سكان العالم، وفقاً لمشروع مسح الأسلحة الصغيرة Small Arms Survey.

المصدر: Vox.com

(*) معدلات وفيات حوادث العنف المسلح: تحتل الولايات المتحدة المرتبة 32 من بين أعلى معدلات الوفيات الناجمة عن العنف المسلح في العالم، بمعدل 3.96 حالة وفاة لكل 100ألف شخص في عام 2019، وكان هذا أعلى بحوالي ما يقرب من 100 مرة من المملكة المتحدة، التي سجلت 0.04 حالة وفاة لكل 100ألف شخص، وسنغافورة التي سجلت 0.01، واليابان 0.02، وكوريا الجنوبية 0.02، إلى جانب الصين التي سجلت 0.02 حال وفاة لكل 100 ألف شخص.

المصدر: npr.org

(*) ارتفاع حوادث العنف المسلح عام 2020: اعتبارًا من 26 نوفمبر 2020، كان هناك 578 حادث إطلاق نار جماعي، وفقًا للبيانات المقدمة من منظمة أرشيف العنف المسلح، والذي يعتبر أعلى بكثير من 417 عملية إطلاق نار جماعي مسجلة في عام 2019، كذلك في أغسطس 2020، تجاوزت حوادث إطلاق النار في الولايات المتحدة بالفعل إجماليات نهاية العام لكل عام من 2014 إلى 2018، حيث قتل ما يقرب من 20 ألف أمريكي في 2020.

المصدر: The converstion.com

(*) الأسلحة الأكثر شيوعاً في الولايات المتحدة: تشير الإحصاءات إلى أن أكثر الأسلحة المستخدمة في حوادث القتل هي المسدسات والبنادق نصف الآلية، وفقاً لمؤسسة ستاتيستا Statista Research Department، تعتبر المسدسات هي أكثر أنواع الأسلحة المستخدمة في إطلاق النار الجماعي في الولايات المتحدة، حيث تم استخدام ما مجموعه 143 مسدسًا مختلفًا في 95 حادثة بين عامي 1982 ومارس 2021، أي حوالي 78 % من عمليات إطلاق النار، بينما منذ عام 1985، كان هناك ما مجموعه 47 إطلاق نار جماعي باستخدام البنادق نصف الآلية.

المصدر: Statista.com

الإشكالية الدستورية والقانونية لمسألة حيازة الأسلحة في أمريكا:

ينص الدستور الأمريكي على أحقية المواطنين في امتلاك الأسلحة، حيث ينص التعديل الثاني من الدستور الأمريكي الصادر في 15 ديسمبر عام 1971 على ما يلي: أقر الدستور الأمريكي قانون حيازة السلاح باعتباره حقاً مكتسباً للمواطنين، ففي 1791 حيث جاء في نص التعديل الثاني” إن وجود مليشيات منظمة جيدا هو ضروري لأمن الدولة الحرة، وحق الناس بالاحتفاظ بالسلاح وحمله لن يتم المساس به، كما أن المحكمة العليا الأمريكية أصدرت عامي 2008 و2010 قرارا تاريخيا أكدت فيه أن التعديل الثاني للدستور يحمي حق الفرد في امتلاك سلاح ناري من دون أن يكون عسكرياً أو مرتبطاً بالجيش. لكن ما يضيف الأمر تعقيداً مسألة اختلاف القوانين بين الولايات، حيث تمتلك جميع حكومات الولايات وبعض الحكومات المحلية قوانينها الخاصة التي تنظم بيع وحيازة الأسلحة النارية، على سبيل المثال في ولاية تكساس يستطيع الشخص حمل السلاح دون ترخيص لأن القانون يسمح بذلك. ووفق للقانون فإن المؤهلون لامتلاك الأسلحة هم مواطني الولايات المتحدة، المقيمون الدائمون الشرعيون في الولايات المتحدة الذين يُعرفون أيضًا باسم حاملي “البطاقة الخضراء”، الأجانب الذين تم قبولهم بشكل قانوني في الولايات المتحدة كلاجئين، وأخيراً الأجانب الذين تم قبولهم بشكل قانوني في الولايات المتحدة بموجب تأشيرات غير المهاجرين تحت استثناءات محددة.

تحركات بايدن من أجل مواجهة العنف المسلح:

لطالما كان جو بايدن مؤيدًا قويًا للسيطرة على حيازة الأسلحة ، وخلال حملته الانتخابية تعهد بإصدار تشريع عالمي للتحقق من الخلفية الجنائية، وحظر جميع مبيعات الأسلحة النارية عبر الإنترنت، وأعاد تأكيد التزامه بعد تصاعد حدة حوادث إطلاق النار مؤخراً، وذلك على النحو التالي: –

(&) تمويل برامج مواجهة العنف المجتمعي: تخطط إدارة بايدن لاستثمار 5 مليارات دولار في إنشاء وتوسيع استراتيجيات منع العنف المجتمعية في المناطق الأكثر تضررًا في البلاد كجزء من حزمة البنية التحتية الرئيسية التي تم الإعلان عنها هذا الاسبوع، حيث سيتم تخصيص الأموال على مدار ثماني سنوات من أجل توظيف عمال التوعية في الشوارع ، وجعل عمل منع العنف مستدامًا ، ومنح المنظمات تدفقًا ثابتًا من الأموال حتى تتمكن من تقليل اعتمادها على المنح التنافسية ، كما ستسهم الأموال في برامج مثل الوظائف الصيفية وفرص التدريب لأولئك الأكثر عرضة لخطر التعرض للعنف المسلح كضحية أو كمعتدين، وتلك المرة الأولى التي تخصص فيها الحكومة هذا القدر الكبير من الأموال في وقت واحد لمعالجة العنف المجتمعي بشكل شامل على مدار عدة سنوات.

يقود هذه الجهود وبدعم من الرئيس بايدن، كلا من مديرة مجلس السياسة الداخلية سوزان رايس، ومدير مكتب المشاركة العامة، سيدريك ريتشموند، وجماعات مناصرة لسلامة حيازة السلاح، حيث يدرس البيت الأبيض ما إذا كان سيصدر عددًا من إجراءات سلامة الأسلحة من خلال عدة إجراءات تنفيذية، أحدها يتعلق بالمطالبة بالتحقق من الخلفية بشأن مبيعات ما يسمى بـ “بنادق الشبح” التي تصنع يدوياً أو يتم تجميعها ذاتيًا ولا تحمل أرقاماً تسلسلية، وتصنيفها على أنها “سلاح ناري”، وبالتالي تتطلب حيازته التحقق من الخلفية الجنائية، كما تدرس الإدارة أيضًا اتخاذ تدابير في مجالات أخرى، بما في ذلك تنبيه وكالات إنفاذ القانون عندما يفشل شخص ما في فحص الخلفية الفيدرالية.

موقف الكونجرس والصراع الجانبي بين الديمقراطيين والجمهوريين:

تعتبر مسألة حرية امتلاك المواطنين الأسلحة واحدة من أكثر القضايا التي يختلف حولها الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة الأمريكية، ، حيث يطالب الديمقراطيون بتقنين وتنظيم حيازة واستخدام الأسلحة، وتدقيق بيانات المشترين، ومؤخراً أقر مجلس النواب الأمريكي تشريع يهدف إلى تعزيز عمليات التحقق الأمني، ضمن إجراءات ترخيص الأسلحة النارية وحيازتها، من خلال التأكد من خلفية اقتناء السلاح من أجل ضمان عدم تمكن الأفراد الممنوعين من حيازة السلاح من الحصول عليه، وفي سياق ذلك يرى أعضاء الحزب الديمقراطي أن تشديد السيطرة على الأسلحة هو خطوة نحو معالجة المشكلة، على سبيل المثال عندما أقر مجلس النواب مشروعي قانون مراقبة الأسلحة في 11 مارس 2021، زعمت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي أن تلك الحلول ستنقذ مزيد من الأرواح، كما أكد السناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنتال ، الذي أقر بعض أكثر قوانين الأسلحة صرامة على مستوى الدولة في البلاد بعد إطلاق النار في مدرسة ساندي هوك الابتدائية في نيوتاون في عام 2012 على أن إطلاق النار في كولورادو وجورجيا يجب أن يجبر المشرعين على حشد الإرادة السياسية اللازمة لتمرير تشريع خاص بالأسلحة.

في المقابل يدافع الجمهوريون عما يصفونه بحق الأمريكيين في حمل السلاح من خلال معارضة أي تشريعات من شأنها تقييد حق امتلاك الأسلحة، متذرعين بالتعديل الثاني للدستور، على سبيل المثال جادل السناتور تيد كروز بأن القوانين المقترحة التي تسعى إلى فرض فحوصات خلفية على جميع مبيعات الأسلحة النارية وعمليات نقلها وحظر الأسلحة الهجومية هي مجرد مسرحية سخيفة لن تقلل من عمليات إطلاق النار الجماعية.

خلاصة القول، رغم تكرار وتعدد حوادث العنف المسلح داخل الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة، من المرجح استمرار الجدل حول التعديل الثاني والقوانين العديدة التي تحكم امتلاك الأسلحة النارية، لاسيما في ظل الانقسام الحزبي بشأن التوافق على تقنين وضع انتشار الأسلحة، وبالرغم من مساعي بايدن خلال الأسابيع الماضية في الضغط على مجلس الشيوخ من أجل الموافقة على مشروعي قانونين أقرهما مجلس النواب من شأنهما توسيع عمليات التحقق من خلفيات المقدمين على شراء الأسلحة النارية، إلا أن مشروعي القانونين لا يتمتعان بفرصة كبيرة لإقرارهما من قبل مجلس الشيوخ حيث سيحتاجان إلى ما لا يقل عن 10 أصوات جمهوريين لتجنب التعطيل أو المماطلة، ومن غير المجرح أن يؤيد أي من الجمهوريين في مجلس الشيوخ مشاريع قوانين مجلس النواب وذلك حفاظاً على تأييد لوبي الأسلحة الأمريكي الجمعية الوطنية للأسلحة الناريةNRA التي تعتبر داعم ومساهم رئيسي في الحملات الانتخابية للحزب الجمهوري ، بالإضافة إلى ذلك لا يوجد دعم بالإجماع بين الديمقراطيين في مجلس الشيوخ.

 

سلمى العليمي

باحثة متخصصة بالشؤون الأمريكية، الرئيس السابق لبرنامج الدراسات الأمريكية، باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى