من يحسم انتخابات إيران.. “المسعود” أم “السعيد”؟

جاءت الانتخابات الرئاسية في إيران الجمعة الماضية 28 يونيو من هذا العام 2024 في وقت حرج، بعد رحيل الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في 19 مايو الماضي، وبالتزامن مع تصاعد التوتر الإقليمي، جراء العدوان الإسرائيلي الوحشي علي قطاع غزة، والتصعيد ما بين إيران والكيان الصهيوني، إلي جانب الضغط المتزايد علي طهران بسبب برنامجها النووي المتطور.

وأثناء الانتخابات دعا المرشد الأعلى علي خامنئي المواطنين إلى الإقبال بشكل كبير على التصويت، وقد صرح للتلفزيون الرسمي بعد الإدلاء بصوته أن “متانة وقوة وكرامة وسمعة الجمهورية الإسلامية تعتمد على التواجد الشعبي، والإقبال الكبير ضرورة قصوى”. في محاولة لتبديد الأزمة التي تواجه شرعية هذا النظام بسبب السخط الشعبي. رغم ذلك فقد تراجعت نسبة إقبال الناخبين الذين يشكل الشباب الغالبية العظمي منهم مقارنة بالمرات السابقة، وسط استياء واسع إزاء الأوضاع الاقتصادية المتردية وتقييد الحريات السياسية والاجتماعية، لذا فالنظام الإيراني يحتاج داخلياً إلى رفع مستوى المشاركة الشعبية في الانتخابات لإثبات شرعيته، كما أنه يرغب في وجود رئيساً متشدداً للبلاد يتناسب مع أيديولوجية وسياسة صانع القرار الإيراني، كضمان لعملية الانسجام التام ما بين مؤسسات الدولة والنظام.

وطبقا لماهية النظام الإيراني وأيديولوجيته المتشددة، من المتوقع ألا تُحدث هذه الانتخابات تحولاً ملموساً في سياسات الجمهورية الإيرانية، إلا أن نتائجها قد تُلقي بظلالها إلي حتمية انتقال خلافة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي والذي يشغل هذا المنصب منذ عام 1989، وهو صانع قرار السياسة الخارجية الإيرانية، لذا تحظى هذه الانتخابات باهتمام غربي، كون أن طهران من الفواعل الهامة ذات الثقل الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط.

وعليه، فطبقاً للجولة الأولي جاءت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات منخفضة لأول مرة في تاريخ الانتخابات الرئاسية الإيرانية منذ الثورة الإسلامية وحتى الآن، ما هي دلالات هذا التراجع؟ وهل يصعد التيار الإصلاحي طبقاً لمعطيات هذه الجولة؟

مفاجآت مثؤثرة:

خاض أربعة من المرشحين لمنصب الرئيس الجولة الأولي من الانتخابات الرئاسية في إيران، ثلاثة من غلاة المحافظين المتشددين فيما يعد الرابع معتدلاً نسبياً ومدعوماً من التيار الإصلاحي الذي تم تهميشه إلى حد كبير خلال السنوات القليلة الماضية من قبل المحافظين والمحافظين المتشددين. علي الرغم من أنه كان قد تم اعتماد قائمة من ستة مرشحين من إجمالي 80 مرشح من قبل مجلس صيانة الدستور في إيران وانسحب بعد ذلك مرشحان. وقد صرح المتحدث باسم لجنة الانتخابات محسن إسلامي إن “مجموع آراء الناخبين بلغت أكثر من 24 مليون و535 ألف صوت، علما بأن حوالي 61 مليون ناخب تمت دعوتهم إلى صناديق الاقتراع. وقد تقدم مسعود بزشكيان بحصوله على أكثر من 10 ملايين و400 ألف صوت، يليه منافسه سعيد جليلي بفارق مليون صوت تقريباً، حيث حصد أكثر من 9 ملايين و400 ألف صوت. وفي المركز الثالث جاء محمد باقر قاليباف بحصوله على ثلاثة ملايين و 383 ألف و 340 صوت، وحل مصطفى بورمحمدي في المركز الرابع والذي حصل على 206 آلاف و 397 صوت.

وأعلنت وزارة الداخلية الإيرانية أن نسبة المشاركة في هذه الانتخابات بلغت 40 بالمئة، وهي أدنى نسبة مشاركة في تاريخ الانتخابات الرئاسية الإيرانية منذ الثورة الإسلامية عام 1979. وقد أعلنت لجنة الانتخابات في إيران عن إجراء جولة ثانية من الانتخابات الرئاسية بين المرشحين الإصلاحي مسعود بزشكيان، والمحافظ المتشدد سعيد جليلي يوم الجمعة المقبل الموافق 5 يوليو. ودعا وزير الداخلية الإيراني أحمد وحيدي، في مؤتمر صحفي عقب فرز الأصوات وإعلان النتائج، الشعب الى المشاركة في الجولة الثانية.

دلالات جديدة:

كانت المؤسسة الدينية في إيران تأمل أن يكون الإقبال علي التصويت كبيراً في ظل مواجهتها أزمة تتعلق بشرعيتها، لكن نسبة المشاركة المنخفضة في هذه الانتخابات وهي 40 بالمئة، والتي تراجعت عن الانتخابات السابقة في عام 2021 والتي كانت 48 بالمئة تُظهر تآكل شرعية النظام في الجمهورية الإسلامية، وهذا نتاج متوقع في ظل التحديات الداخلية من أوضاع اقتصادية متردية وارتفاع في معدلي البطالة والتضخم، وتقييد الحريات السياسية والاجتماعية، والاحتجاجات التي تم قمعها وإحكام القبضة الأمنية علي المواطنين تحت مظلة أيديولوجية متشددة لنظام “ولاية الفقيه”.

كما أن تقدم المرشح الإصلاحي مسعود بزشكيان على كل منافسيه، جاء نتيجة أنه حظي بتأييد زعماء التيارين الإصلاحي والمعتدل معاُ، ما دفع المرشد الأعلى في آخر خطاب له إلى التلميح بأن أي رئيس مقبل عليه أن يكون منسجماً مع شعارات الثورة الإسلامية ومبادئها، في رسالة واضحة هنا إلى بزشكيان. وهنا يتأكد تراجع شعبية قوي السلطة الحاكمة، كونها غير قادرة علي حسم الانتخابات من الجولة الأولي. وطبقاً للخبراء فربما قد تكون عاجزة عن الإجماع خلف مرشحها الذي سينتقل إلى الجولة الثانية، ما يفتح المجال أمام احتمالية تكرار لسيناريو محمد خاتمي وعلي ناطق نوري عام 1997.

ويُذكر أيضاً أن هُنالك عامل آخر يمكن أن يُصنف من ضمن أسباب التراجع ألا وهو، أن الانتخابات المبكرة الراهنة والتي نجمت عن وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي المفاجئة، لم تقدم الحملة الدعائية القصيرة التي سبقتها فرصة إلى الناخبين المحتملين لتقييم المرشحين بشكل أفضل، سيما أن جميع المرشحين هم موظفون حكوميون مهنيون يؤمنون بذات الأيديولوجية، ويلتزمون بـالطاعة التامة والولاء المطلق لنظام “ولاية الفقيه”.

المسعود أم السعيد؟

في الخامس من يوليو الجاري ستُجري الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الإيرانية، وذلك بعد إخفاق أحد المرشحين في الحصول على النصاب المطلوب للفوز بالانتخابات من الجولة الأولى، نظراً لأن القانون الإيراني يشترط أن يحصل الفائز على أكثر من 50 بالمئة من مجموع الأصوات المُدلى بها، وفي حال عدم حدوث ذلك يخوض أكثر مرشحين اثنين فوزاً بالأصوات جولة الإعادة بعد أسبوع من الجولة الأولي وهما:

(*) مسعود بزشكيان: يُعد بزشكيان المرشح الإصلاحي الوحيد في هذه الانتخابات ويبلغ من العمر 69 عاماً، وكونه طبيباً في الأصل فقد شغل منصب وزير الصحة خلال ولاية الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي من 2001 إلى 2005، وقد حُرم من خوض الانتخابات الرئاسية عام 2021، وعلي الرغم من أنه شخص وفيّ للحكم الديني، إلا أنه جهر بانتقاد النظام بسبب الافتقار إلى الشفافية بشأن قضية وفاة الشابة مهسا أميني في عام 2022 والتي كانت سبباً لتصاعد الاحتجاجات والتظاهرات في البلاد ما جعل له صيتاً مقبولاً سيما في الأوساط الشبابية التي احتجت علي طريقة تعاطي النظام الإيراني مع تلك الحادثة. وقد ذاع عنه بأنه لطالما دعا إلى الانفراج في العلاقات مع الغرب والإصلاح الاقتصادي والتحرر الاجتماعي والتعددية السياسية. وتتوقف حظوظ بزشكيان على إثارة حماسة الناخبين أصحاب التوجهات المعتدلة والإصلاحية الذين أحُجموا إلى حد كبير عن الإدلاء بأصواتهم على مدار السنوات الأربع الماضية. كما أنه وطبقاً للخبراء قد يستفيد من فشل منافسيه في توحيد أصوات غلاة المحافظين.

(*) سعيد جليلي: يُعد جليلي من غلاة المحافظين، وكان يُقاتل في صفوف الحرس الثوري أثناء الحرب العراقية – الإيرانية في الثمانينيات، ما أدي إلي فقده ساقه اليمنى. وقد أعلن أنه من أخلص المؤمنين بما يعرف بنظرية “ولاية الفقيه” أو “حكم الزعيم الأعلى”. وحائز على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية وعمل في المجال الدبلوماسي، وشغل أيضاً منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي لمدة خمسة أعوام بداية من 2007 بعدما عينه علي خامنئي، وهو المنصب الذي جعله تلقائياً كبير المفاوضين في الملف النووي الإيراني. بالإضافة إلي أنه عمل لمدة أربع سنوات في مكتب خامنئي وخاض الانتخابات الرئاسية في 2013 لكنه لم يفز. وبعد أن شغل منصب نائب وزير الخارجية، عينه خامنئي عام 2013 عضواً في مجلس تشخيص مصلحة النظام، وهو هيئة تضطلع بدور الوساطة في النزاعات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور.

ومن الجدير بالذكر أيضاً أن آراء بزشكيان تتناقض مع آراء جليلي إذ يدعو الأول إلى تخفيف حدة التوتر في العلاقات مع الغرب وإلى الإصلاح الاقتصادي والتحرر الاجتماعي والتعددية السياسية، علي النقيض من الثاني المناهض بشدة للغرب، ما يشير إلى احتمالية حدوث تحول أكثر عدائية في السياسة الخارجية وكذلك في الداخل.

وختاماً، أياً ما تكن نتيجة الانتخابات الرئاسية في إيران، فإن تأثيراتها ستظل محدودة نظراً لأن صلاحيات الرئيس هي أيضا محدودة ومن المستبعد أن يُحدث الرئيس المقبل فارقاً في سياسة الجمهورية الإيرانية، لأن المرشد الأعلى الإيراني هو متخذ القرار وصانع السياسة الإيرانية ومسئولية الحكم بأكملها تقع على عاتقه.

سارة أمين

سارة أمين، الباحثة حاصلة علي ماجستير في العلوم السياسية، شعبة العلاقات الدولية، متخصصة في دراسة شئون الشرق الأوسط والخليج العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى