لماذا تعيد إدارة بايدن تموقعها في أفريقيا؟

تطرح استضافة الولايات المتحدة للقمة الأفريقية الأمريكية في هذا التوقيت إشارات مهمة حول عزم الإدارة الأمريكية الحالية الالتفات إلى مصالحها خارج الصندوق قليلًا في الوقت الراهن، وبعيدًا عن تطورات الحرب الأوكرانية والشد والجذب مع الدول الخليجية، التي فرضت على واشنطن التخندق في هذا الإطار طيلة الأشهر الماضية، والسعي في الوقت ذاته إلى مطاردة الصين وروسيا في ساحة أخرى.

وعليه، يحاول هذا التحليل الإجابة عن مجموعة من التساؤلات حول دوافع الإدارة الأمريكية من الالتفات المفاجئ نحو القارة الأفريقية في هذا التوقيت، وما المصالح والأهداف الذي يسعى إليها الطرفان؟.

مراجعة حسابات:

القمة الأمريكية الإفريقية

انطلقت الثلاثاء وحتى الخميس المقبل القمة الأفريقية الأمريكية من أجل إعلان بايدن «دعمه لإضافة الاتحاد الأفريقي كعضو دائم في مجموعة العشرين»، في أكبر تجمع دولي في الولايات المتحدة منذ جائحة كورونا. ومن المتوقع أن تناقش خلالها التداعيات السلبية لفيروس كورونا والحرب الأوكرانية على القارة الأفريقية، في وقت تواجه فيه القارة تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية.

ويبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن بدأت تراجع حساباتها وأولوياتها تجاه القارة الأفريقية، التي بدأت تخرج قليلا خلال السنوات الأخيرة عن سيطرة واشنطن، باعتبارها القوى العظمي في العالم، في ظل انشغالها بما يحدث في المحيط الأوروبي والآسيوي، ولهذا قد تكون أدركت أنها كانت على وشك خسارة حليف مهم، ومنطقة غنية وجديرة بالاهتمام. ولهذا ستحاول الإدارة الأمريكية تضييق فجوة الثقة التي تجمعها والدول الأفريقية، والتي قد اتسعت بشكل كبير ووسعها إحباط دول القارة من السياسات الأمريكية منذ عهد ترامب والتي استمرت حتى الآن، في ظل تغافل استراتيجية بايدن الجديدة عن التركيز على القارة الأفريقية كأولوية لها، وهو ما دفع الدول الأفريقية إلى قطع الأمل تقريبا من السياسات الأمريكية.

كما ستسعى واشنطن إلى الاستفادة من مقدرات الدول الأفريقية، وتوسيع دائرة الاستثمارات الأمريكية هناك، والحفاظ على علاقات جيدة بالدول النفطية، خاصة وأن الدول الأفريقية تحتل مرتبة متقدمة في قائمة الدول المصدرة للنفط إلى الولايات المتحدة (٤٤ دولة). مثل نيجيريا التي تحتل المرتبة السابعة في قائمة الدول النفطية المصدرة إلى الولايات المتحدة بنحو ٥,١ مليار دولار أي بنسبة ٣،٢ ٪ من قيمة الواردات النفطية إلى واشنطن. وجاءت أنجولا في المرتبة العاشرة ب ٢،٥ مليار دولار بنسبة ١،٥ ٪. تلتها الجزائر بنحو ٢،٢ مليار دولار بنسبة ١،٤٪. وسجلت الجزائر ونيجيريا بالتحديد زيادة في حجم صادراتها النفطية للولايات المتحدة مؤخرا، مما يشير إلى زيادة الاهتمام الأمريكي بالنفط الأفريقي.

بالإضافة إلى رغبة واشنطن الاستعانة بالدول الأفريقية في استغلال موارد أخرى هامة، مثل الذهب واليورانيوم والمنجنيز. هذا إلى جانب تحجيم أنشطة الجماعات الإرهابية التي تستوطن القارة بشكل مزعج، ومنع انتشارها أو انتقالها إلى مناطق أخرى.

وفي المقابل، تريد الدول الأفريقية من واشنطن أن تظل موجودة دومًا على أجندتها الدولية خاصة على المستوى الاستراتيجي، الذي قد يعزز بدوره الدعم الأمريكي للقارة في مجالات أخرى، كالاقتصاد ومواجهة تداعيات تغير المناخ ومشكلات الأمن الغذائي، ومواجهة التهديدات الإرهابية التي تشهدها القارة باستمرار، فضلًا عن دعم عملية التحول الديمقراطي في القارة. وعليه تعهدت الإدارة الأمريكية بتقديم ٥٥ مليار دولار إلى الدول الأفريقية على مدار ثلاث سنوات.

مآرب أخرى:

استكمالا لما سبق، تسعي الإدارة الأمريكية من خلال استعادة تموضعها في القارة الأفريقية إلى خدمة أهداف استراتيجية أخرى، لعل أهمها:

القمة "الأمريكية- الأفريقية" الثانية.. واشنطن تستضيف أكثر من 40 زعيما أفريقيا منتصف ديسمبر.. 5 تحديات تنتظر طاولة القادة.. مكافحة الإرهاب والتعافي من كورونا أبرزها.. والحفاظ على المناخ والانتقال العادل للطاقة - اليوم السابع

(*) تضييق الخناق على روسيا: فإلى جانب محاولة إدارة بايدن إنهاك القدرات الروسية في ساحة الحرب من خلال الدعم الأمريكي لأوكرانيا؛ تحاول واشنطن الضغط على موسكو في منطقة نفوذ هامة بالنسبة لها، وهي القارة الأفريقية، بعدما أصبحت سوقًا لبيع الأسلحة الروسية. الأمر الذي يجعل القارة دومًا في خضم تحديات أمنية جمة، من خلال توظيف روسيا للأوليغارشيين والمرتزقة والشركات العسكرية والجماعات الخاصة المرتبطة جميعها بالكرملين، بهدف زعزعة الاستقرار داخل القارة السمراء لضمان المصالح الاستراتيجية والمادية لموسكو، فطالما ضمنت روسيا شعور الدول الأفريقية بالتهديد ستضمن بذلك شراء الأخيرة للأسلحة الروسية، وخير مثال على ذلك مالي، وبالتالي ضمان استمرار تدفق إيراداتها في هذا المجال كمصدر رئيس للدخل، إلى جانب الطاقة، خاصة في ظل حربها الراهنة على أوكرانيا.

يذكر أن، روسيا قد وقعت خلال عامي ٢٠١٥ و ٢٠١٧ فقط ١٩ اتفاقية شراكة مع الدول الأفريقية، ركزت في معظمها على مبيعات الأسلحة وتزويدها بالمرتزقة. ووفقًا لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تعتبر روسيا أكبر مصدر للأسلحة إلى الدول الأفريقية فيما بين عامي 2017 و2021، بنسبة تصل إلى 44 % من الصادرات الروسية للأسلحة، تلتها الولايات المتحدة بنسبة 17 %، ثم الصين بنسبة 10 %. كما وقد سبق أن أشار الجنرال ستيفن تاونسند  أحد المسؤولين الأمريكان المعنيين بالقارة الافريقية إلى أن الشركات العسكرية الروسية، وخاصة فاجنر جروب، ذات «تأثير خبيث».

ونتيجة لذلك، أدى تصاعد النفوذ الروسي في أفريقيا إلى رفض معظم دول القارة إدانة الغزو الروسي على أوكرانيا في مجلس الأمن، مما أثار «خيبة» واشنطن تجاه تلك الدول.

ومن ناحية أخرى، جاء هذا الاندفاع الأمريكي تجاه أفريقيا عقب تحركات روسية سابقة مماثلة، بعد زيارة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف للقارة في يوليو الماضي، التي أعقبتها واشنطن بجولة أفريقية أيضا لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في الشهر التالي (أغسطس).

شبح حرب باردة ـ ثمن سعي الغرب لترويض العملاق الصيني | سياسة واقتصاد | تحليلات معمقة بمنظور أوسع من DW | DW | 18.06.2021

(*) مواجهة الصين: حيث تأتي مساع الرئيس الأمريكي للتقارب مع الدول الأفريقية نتيجة لمخاوف صدرتها له إدارته، تعتقد بأن النفوذ الصيني في أفريقيا في تزايد مستمر، بما قد يمثل مصدر قلق تجاه المصالح الأمريكية هناك. خاصة بعدما ضخت الصين مليارات الدولارات في مشاريع الطاقة والبنية التحتية وغيرها داخل القارة الأفريقية، وكانت النتيجة أن أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لإفريقيا، حيث وصل حجم التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا إلى 254 مليار دولار في عام 2021.

لذا ستعمل واشنطن على تفادي محاولة الصين بأن تستقوي بالقارة الأفريقية كساحة للنفوذ تتحدي بها النظام الدولي الذي تحاول واشنطن البقاء على قمته، خاصة وأن الصين قد تستعين بأنشطتها في القارة من أجل تعزيز تصاعدها الاقتصادي ونفوذها الجيوسياسي والاستراتيجي، بالذات وأن بكين اتجهت إضافة إلى ذلك إلى تصدير الأسلحة للدول الأفريقية بأسعار تنافسية في مقابل نظيرتها الأمريكية.

ولكن ورغم نفي مسئولين في إدارة بايدن تركيز القمة على مواجهة النفوذ الصيني والروسي في أفريقيا، إلا أنه من المتصور أن يكون هذا الموقف الأمريكي نوعا من البروباغندا السياسية لحفظ ماء وجه واشنطن، لكن ليس حقيقيا مطلقا، لأن الإدارة الأمريكية ستتجنب التحدث علنا عن أيه خلافات مع الدول الأفريقية، ولذلك فمن المتوقع أن تظهر ثمار القمة الافريقية الأمريكية خلال الفترة المقبلة على مستويات عدة.

دول الخليج تستحوذ على 3% من الاستثمارات في الديون الأميركية عالمياً

(*) محاولة لتعديل مسار العلاقات الخلجية -الأمريكية: ربما تستهدف أمريكا من قمتها مع الدول الأفريقية، محاولة جذب الدول الخليجية، فعلي ما يبدو أن واشنطن قد تحاول من خلال استعادة علاقاتها بدول القارة الأفريقية أن تضغط على الدول الخليجية، بعدما أظهرت الأخيرة تململها على الإدارة الأمريكية الحالية، واتجهت نحو مساومة واشنطن من خلال التقارب مع الصين وروسيا، خاصة وأن روسيا كانت قد عقدت من خلال وزير خارجيتها اجتماعا في جامعة الدول العربية. كما جاءت القمة الأفريقية الأمريكية بعد أيام ايضا من القمة الصينية العربية والخليجية خلال زيارة الرئيس الصيني إلى السعودية.

وبذلك سيحاول بايدن توصيل رسالة للدول العربية، والخليجية بالتحديد، بأن الموقف الأمريكي قد يتغير نحوهم ويتحول الدعم عنهم حتى يتراجعوا عن سياستهم المتشددة التي ظهرت في الفترة الأخيرة، خاصة فيما يتعلق بأسعار النفط وزيادة الإنتاج،، التي اثرت بالسلب عليه وحزبه في الانتخابات النصفية السابقة، وجاءت في صالح روسيا. وفي الوقت نفسه قد يؤثر التواجد الأمريكي في الفترة المقبلة في القارة الأفريقية على نفوذ واستثمارات الدول الخليجية في القارة السمراء، مثل الإمارات والسعودية وقطر والكويت. فوفقا لتقرير لصحيفة الإيكونومست، فقد استثمرت الشركات الخليجية أكثر من ١,٢ مليار دولار في أفريقيا جنوب الصحراء خلال الفترة من ٢٠١٦ وحتى ٢٠٢١، خاصة في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والمالية والأغذية والزراعة.

وفي الختام، يمكن القول إنه وسط الشعور الجماعي بتراجع الرهان على الإدارة الأمريكية الحالية، حتى داخل أوروبا نفسها، يبدو أن الإدارة الأمريكية أدركت أخيرًا أن العالم ليس روسيا والصين فقط، وإنما عليها الاندماج في القضايا الدولية كل على حدى، هذا في حال أرادت واشنطن البقاء على قمة النظام الدولي.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى