دلالات زيارة بن سلمان لكوريا الجنوبية

تحركات جديدة تقوم بها للمملكة العربية السعودية في إطار العمل على تنويع اقتصادها، وإقامة شراكات مع القوى الاقتصادية الصاعدة انطلاقا من مبدأ السعودية أولا، فمن قمة العشرين في بالي بإندونيسيا إلى  منتدى التعاون الاقتصادي في أسيا والمحيط الهادي في بانكوك  إلى الزيارة الأخيرة لكوريا الجنوبية، والتي أثمرت عن توقيع حزمة اتفاقيات قدرت بنحو ٣٠ مليار دولار في مجالات عدة، كان أبرزها مجالي الطاقة والبتروكيماويات .

وعليه، يحاول هذا التحليل الإجابة على عدة تساؤلات حول مدى أهمية الاتفاقيات الموقعة لكوريا الجنوبية والمملكة والسوق الأسيوية، والأهداف الجيوسياسية التي تعمل السعودية على تحقيقها في آسيا عبر هذه الشراكات، والدلالات التي يشير إليها توقيع هذه الاتفاقيات، وإلى أي مدى تخدم هذه التوجهات والاتفاقيات رؤية المملكة ٢٠٣٠؟.

الأهمية الجيوسياسية لدول آسيا:

برزت دول أسيا كقوى اقتصادية صاعدة ومؤثرة ولديها من الإمكانات الكثيرة وتجارب التنمية الناجحة ما يؤهلها لأن تكون شريك استراتيجي مهم لأي دولة، بفضل قدراتها الاقتصادية الكامنة التي لها دور في الاقتصاد العالمي، حيث ارتفعت نسبتها من الناتج الإجمالي العالمي وأيضا من التجارة والاستثمار والسياحة على مستوى العالم، أصبحت هذه الدول هي السوق الرئيسية للطاقة نظرا لزيادة الطلب على منتجاتها ولكونها تحقق معدلات نمو مرتفعة.

وأيضا تتزايد أهمية المنطقة الأسيوية لكونها سوق مستقر في حركة التجارة، لذلك تسعى دول العالم للاستفادة منها ومن خبرتها في مجال التنمية، وأيضا لامتلاك هذه الدول التكنولوجيا الحديثة، وقدرتها على تصدير هذه التكنولوجيا للدول الأخرى، بغض النظر عن أي قيود وشروط  سياسية تتعلق بالديمقراطية الغربية واحترام حقوق الإنسان كما يفعل الغرب.

بالإضافة إلى أهمية المنطقة الأسيوية للسعودية، كونها أصبحت السوق الأساسي للنفط السعودي فالصين واليابان وكوريا هم مستهلكين للنفط السعودي بشكل أساسي، وتزداد أهمية هذه الدول بالنسبة للمملكة لأن الأخيرة بحاجة لخبرة هذه الدول، سواء فيما  يتعلق بالجوانب التقنية ومدى تطورها خاصة في مجال الطاقة والطاقة النظيفة، وهو ما تسعى إليه المملكة من خلال الاستفادة من الخبرات لتنويع مصادر اقتصادها، ولتحقيق الحياد الكربوني أيضا، وهذا كله في إطار رؤية المملكة ٢٠٣٠.

تغيير محتمل:

يجري في النظام العالمي وفي ميزان القوة بين القوى الرئيسية جملة من التغييرات قد تكون نتيجتها تحول النظام العالمي إلى نظام متعدد الأقطاب، تختلط فيه موازين القوى بين القوى الرئيسية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وبعض القوى الصاعدة، ولهذا فهناك مسؤولية كبيرة تقع على الأطراف الأخرى من الدول الصاعدة والدول الوسطى في اتجاه تعزيز التحول إلى نظام متعدد الأطراف، وهذا يأتي من خلال الانفتاح على القوى في النظام العالمي ذات التأثير والنفوذ.

ولهذا تسعى المملكة جاهدة لتنويع السلة الاقتصادية وكذلك الشركاء السياسيين بما يخدم أهدافها وتوجهاتها وفي ضوء رؤية المملكة ٢٠٣٠، وهو ما ظهر جليا  في تحركات المملكة في الفترة الأخيرة من الاستعداد لزيارة الرئيس الصيني، التي سبقها قمة ال٢٠ ومنتدى التعاون في أسيا والمحيط الهادي وزيارة كوريا الجنوبية.

 مصالح متبادلة:

اختلفت رؤية السعودية وتوجهاتها عن ذي قبل، وخاصة بعد إطلاق رؤيتها ٢٠٣٠ ، فقد بدأت تبحث عن علاقات بكل الأرجاء متخذة من أهمية الاقتصاد السعودي بالنسبة للعالم كمخزن للطاقة والقائد في جماعة أوبك منطلقا لها، انطلاقا من أن الشرق الأسيوي للتطور والسعودية بحاجة إلى هذه الخبرة، ولأن السعودية تسعى لإيجاد الشراكات الديناميكية التي تساعدها في تحقيق أهدافها وأيضا لابد أن يكون لها اذرع سياسية في الجانب الأسيوي.

كما تدعم الشراكة الكورية طموح المملكة في مجالات الطاقة النظيفة والبتروكيماويات فقد تم الاتفاق على إنشاء مرفأ لتكسير البخار للبتروكيماويات، يستخدم النفط الخام لتحويله إلى مواد أوليه للبتروكيماويات، كما تم توقيع ٢٦ اتفاقية متنوعة في مختلف المجالات تقارب الـ ٣٠ مليار دولار، وقد ركزت هذه المشروعات على الطاقة والهيدروجين الأخضر والبنية التحتية والمفاعلات النووية الصغيرة السلمية التي تستخدم لتوليد الطاقة.

وكلها مشاريع تدل على مدي سعي الرياض للاستفادة من الإمكانات الفنية والتكنولوجية في السوق الآسيوي، السعودية دولة رائدة في تصدير الطاقة الواردة من النفط وتسعى لان تكون رائدة في مجال تصدير الطاقة الناتجة عن الهيدروجين الأخضر، وهذه الاتفاقيات وصفها وزير الاستثمار السعودي بأنها الأهم والأكبر في تاريخ البلاد.وتتزامن قرارات السعودية بالتوجه شرقا مع عودة القرار الاستراتيجي للنفط إلى الدول العربية وعلى رأسها المملكة عبر خطط أوبك+ المستمرة لإدارة الإنتاج لتحقيق استقرار الأسواق.

كما تتزايد الأهمية الاستراتيجية لكوريا لدى المملكة في مجال الأمن الدفاعي والصناعات العسكرية، خاصة بعد التردد الواضح من قبل الولايات المتحدة في إرسال شحنات السلاح الى المملكة العربية السـعودية ودول الخليج، ويشكل هذا التوجه أهمية كبيرة للمملكة حتى لا تتعرض للابتزاز، خاصة وأن السلاح الذي يأتي من الغرب يكون مشروطا بشروط سياسية معينة، أما الشرق فإنه يبيع المعرفة بدون اشتراطات.

يأتي توطين الصناعات العسكرية كضرورة ملحة في رؤية المملكة، ببساطة لأن من يستورد سلاحه لا يملك قراره، السعودية لديها من الإمكانيات ما يؤهلها للعب دور إقليمي فعال، وأدركت ذلك في ظل التحولات التي يشهدها العالم وقد بدا ذلك جليا في ديناميكية السياسة السعودية مؤخرا، كما تزامن هذا التوجه مع اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية لسحب سلاح الباتريوت من السعودية وهو ما أدى لنتائج وخيمة.

في المقابل، تعد السعودية من أوائل الشركاء التجاريين لكوريا في منطقة الشرق الأوسط، حيث تعد المملكة هي  المصدر الأساسي لإمدادات النفط في كوريا، حيث ارتفعت الواردات النفطية من المملكة العربية السعودية إلى كوريا الجنوبية إلى ٢.١% بما يعادل ٢٤.٦ مليون برميل سنويا، تعد أرامكو أحد أذرع المملكة اقتصاديا بجانب صندوق الاستثمار، كما تعد شركة أرامكو من أكبر الشركات المستثمرة  في كوريا الجنوبية وتملك أيضا ٦٠% من القيمة السوقية لشركة أس أويل الكورية ، كما حصلت شركة سامسونج ومجموعة tyundai على امتياز لتنفيذ حقل الجافورة للغاز في المملكة بقيمة تفوق الـ ١١ مليار دولار. وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين ٦٤ مليار دولار أمريكي عام ٢٠٢١، وتريد كوريا أن تكون جزء من مشروع نيوم الذي تنفذه السعودية ضمن رؤيتها ٢٠٣٠.

السعودية لديها سمعة جيدة وبها صندوق استثماري قوي وهو ما يجعلها محل ترحيب من دول العالم للتعاون معها، كما كشفت وكالة الأنباء الكورية عن أن شركة كوريا للطاقة الكهربائية بالتعاون مع صندوق الاستثمار السعودي سيبنيان مصنعا للهيدروجين الأخضر يتبع السعودية في الفترة من ٢٠٢٥ل ٢٠٢٩ ، سيتم تشغيله لمدة ٢٠ عام، والإنتاج السنوي المتوقع له ١.٢ مليون طن وتبلغ قيمة الاتفاق ٦.٥ مليار دولار. ولكي تكون السعودية الأولى في إنتاج الهيدروجين الأخضر ومن ثم تصديره فإنها تحتاج أيضا لتنويع الشراكات ولزيادة الاستثمارات في هذا المجال.

وتجلت مظاهر الاهتمام والتعاون بين المملكة وكوريا الجنوبية في إطلاق الرؤية السعودية الكورية في ٢٠١٧ تضامنا مع رؤية السعودية ٢٠٣٠، وأيضا رؤيتهما المشتركة للحياد الكربوني ٢٠٦٠ للوصول للحياد الكربوني الصفري ، ويتعامل ذلك مع جهود السعودية في مجال الحفاظ على البيئة من خلال إطلاق مبادرتي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر .

محطات متوقعة:

من المتوقع أن تقوم المملكة بعدد من الزيارات لمختلف دول أسيا بما فيها تايلاند واليابان من أجل الاستفادة من الإمكانات الموجودة هناك ولفتح أسواق جديدة للمملكة في باقي دول أسيا تضامنا مع زيارة مراقبة للرئيس الصيني للرياض، وأيضا نرى انه يوجد هناك ملفات لا زالت المملكة بحاجة إليها وتسعى لإقامة الشراكات لتطويرها ومنها التحول الرقمي الذي كان أهم الموضوعات التي تم طرحها على طاولة مجموعة الـ ٢٠ .

وختاما، نجد أن السعودية ترسم  سياساتها الخارجية بحرية وبما يتوافق مع مقدراتها ومع مبدأ السعودية أولا وأنها ليست حكرا على أحد، آخذه في اعتبارها أن العالم بصدد التحول لنظام عالمي جديد والسعودية تطمح لان يكون لها دور فيه، باعتبارها ضمن اكبر ٢٠ اقتصاد في العالم، كما تم تصنيفها كالأسرع نموا في الاقتصاد لهذا العام. فالسوق الأسيوية، هي المستقبل للمملكة نظرا لحيويتها ولقدراتها الإنتاجية الكبيرة لامتلاكها التكنولوجيا المتنوعة والمتطورة والتي تحتاجها المملكة في غمار سعيها لتحقيق رؤيتها ٢٠٣٠، خاصة أن النموذج الكوري يلتقي مع رؤية المملكة ٢٠٣٠.

طه هلال

باحث بوحدة دراسات الخليج، حاصل على بكالوريوس علوم سياسية من جامعة بني سويف، مهتم بدراسة الشأن الخليجي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى