مستقبل العلاقة بين واشنطن والرياض بعد قرار أوبك + بخفض الإنتاج؟

اتفقت مجموعة الدول المنتجة للنفط أعضاء تحالفأوبك + الأربعاء ٥ أكتوبر2022 في فيننا، على خفض الإنتاج بواقع مليوني برميل يوميًا مع بدء التنفيذ بداية من نوفمبر القادم، وإعلان تمديد التعاون حتى نهاية عام 2023، على أن يتم عقد الاجتماعات الوزارية كل ست أشهر لتقييم احتياجات السوق،ويعد هذا الخفض هو الأكبر منذ عام 2020، وبالتحديد منذ بداية جائحة كورونا لكن القرار أثار غضب واشنطن.

وتأسيسًا على ما سبق؛ نحاول في هذا التحليل معرفة أهم الأسباب الكامنة وراء قرار أوبك بلس تخفيض إنتاج النفط، ومدي تأثيره على العلاقات السعودية الأمريكية.

توقيت حرج:

سعت الدول الأعضاء في أوبك +، من خلال القرار إلى الحفاظ على أسعار النفط مستقرة ومرتفعةفي حدود ١٠٠ دولار للبرميل، في ظل مخاوف من حدوث انكماش اقتصادي وتراجع الطلب على النفط وسط توقعات بدخول اقتصادات العالم في ركود تضخمي، وفي بيان لوزير الخارجية السعودي “فيصل بن فرحان”، قال فيه: “إن دول تحالف “أوبك+” تصرفت بمسؤولية واتخذت القرار المناسب، مؤكداً أن المنظمة تعمل على استقرار السوق وتحقيق مصالح المنتجين والمستهلكين، حيث اتخذت قرار خفض الإنتاج بالإجماع.

ويظهر هذا القرار مدى قلق أعضاء التحالف من انخفاض الطلب، ومحاولة الحد من تقلب الأسواق واستعادة السيطرة عليها والإبقاء على الأسعار مستقرة. ومن المتوقع أن تتحمل أربع دول عربية وهي السعودية والكويت والعراق والإمارات الجزء الأكبر من حجم الخفض في المقابل ستستفيد من زيادة السعر.

على الجانب الآخر؛ يأتي قرار أوبك + بخفض الإنتاج في توقيت حرج بالنسبة لإدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، وذلك قبل شهر تقريبًا من موعد إجراء انتخابات التجديد النصفي للكونجرس،إذ من المتوقع أن يؤدي هذا القرار- الذي سيدخل حيز التنفيذ في الأول من نوفمبر2022 –إلى ارتفاع أسعار البنزين والغاز في الولايات المتحدة، الأمر الذي سيزيد من غضب الشعب الأمريكي، ويؤدي إلى تراجع شعبية الرئيس بايدن، مما قد يمنح فرصه لخصومه الجمهوريين، لإثبات فشل السياسات الاقتصادية للإدارة الأمريكية الحالية، ومن ثم التأثير على توجهات الناخب الأمريكي يوم الاقتراع.

وهو ما سعى بايدن تفاديه؛ منذ زيارته إلى جدة في يوليو2022،حيث حاولت الإدارة الأمريكية حث الدول الخليجية – خاصة السعودية- على ضخ المزيد من النفط ، كما دأبت وزارة الطاقة الأمريكية على خفض أسعار البنزين والغاز تدريجيًا من المستويات العليا التي بلغتها في الصيف الماضي.

وفي خطوة تهدف إلى حماية المستهلكين الأمريكيين، أمر الرئيس الأمريكي وزارة الطاقة بالإفراج عن (10 إلى 15) مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي في الأسواق، مع دخول خفض الإنتاج حيز التنفيذ في الأول من نوفمبر القادم والاستمرار في اللجوء إلى احتياطي البترول الاستراتيجي كلما اقتضت الحاجة.

لهجة أمريكية متصاعدة:

وفي بيان رسمي صادر عن مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان، والمستشارة الاقتصادية للبيت الأبيض سيسيليا روس، أعرب عن غضب الرئيس بايدن من هذا القرار، معتبراً إياه قرار قصير النظر وعمل عدائي ضد واشنطن التي طالبت دول أوبك بلس-خاصة السعودية- بعدم تخفيض الإنتاج وضخ المزيد من الإنتاج، في الوقت الذي يعاني فيه العالم أزمات في قطاعات الطاقة والغذاء والتضخمجراء الحرب الروسية الأوكرانية، وهذا بدوره يبطئ معدل النمو الاقتصادي العالمي ويرفع تكلفة الشحن وأسعار الوقود ويؤثر على سلاسل الإمداد.

فيما قالت وزارة الخارجية الأمريكية إن “القرارات” المتعلقة بالعلاقات الأمريكية السعودية المستقبلية ستتخذ “بطريقة تشاورية” وأكدت أن قرار أوبك+ كان “مضللاً”، في الوقت ذاته رأت واشنطن أن هذا القرار يصب في صالح روسيا، على اعتبار أن خفض الإنتاج سيؤدي إلى رفع سعر البرميل، مما سيعود بالنفع على الاقتصاد الروسي باعتبار روسيامن أكبر منتجي النفط، وهو ما يساعد في تمويل عملياتها العسكرية في أوكرانيا .

كما صدرت عن نواب الحزب الديمقراطي بالكونجرس دعوات لإعادة النظر في العلاقة مع الرياض، وقدم النائب الأمريكي الديمقراطي توم مالينوفسكي مشروع قانون في مجلس النواب يطالب إدارة الرئيس بايدن بسحب وبطاريات الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي والقوات الأمريكية من السعودية والإمارات، وقال مالينوفسكي في بيان صادر عنه: “لقد حان الوقت لكي تستأنف الولايات المتحدة دورها كدولة عظمى في علاقتها بزبائنها في الخليج”، كما قال السيناتور الديمقراطي كريس مورفي: “إن تقليص حجم الإنتاج يفرض علينا إعادة النظر بشكل شامل في تحالف الولايات المتحدة مع السعودية، هكذا في وقت الأزمة يختار السعوديون التحالف مع الروس بدل الأمريكيين”.

وجدير بالذكر، أنه تم طرحتشريع بلومنتال – المقدم إلى مجلس الشيوخ لفرض عقوبات على السعودية-يتضمن وقفًا لمدة عام على جميع المبيعات التجارية المباشرة والمبيعات العسكرية الأجنبية للأسلحة والذخائر إلى المملكة العربية السعودية، بما في ذلك وقف بيع قطع الغيار والتركيب وخدمات الدعم وبرامج الدعم.

كما تم عقد مناقشات داخل البيت الأبيض لإعادة تقييم العلاقات مع المملكة العربية السعودية، والتي تضمنت: إعادة نشر أسطول طائرات  f 16الأمريكية خارج المملكة، ووقف استمرار المساعدات العسكرية الأمريكية للبلاد، ودعم التشريعات التي من شأنها حماية أوبك من دعاوى مكافحة الاحتكار الأمريكية “للتواطؤ في تثبيت أسعار النفط”، كذلك الضغط على السعودية في الملف اليمني، فضلا عن إحياء ملف حقوق الإنسان، وقضية مقتل الصحفي “جمال خاشقجي”.

ومن بين ردود الأفعال الأمريكية، الاتجاه إلى تمرير ما يسمى بقانون (نوبك Nopec)، والخاص بمكافحة التكتلات الاحتكارية النفطية، وهذا القانون يسمح بمقاضاة السعودية أمام المحاكم الأمريكية، وقد عرض هذا القانون في الفترة من (٢٠٠٠: ٢٠١٢)، ١٦ مرة، وكل مرة كان يقابل بالرفض، تم تمريره من خلال مجلس النواب والشيوخ في عهد جورج دبليو بوش، باراك أوباما، ورونالدو ترامب، ودائمًا ما استعمل هؤلاء الرؤساء حق الفيتو ضد هذا القانون وذلك لأن الإدارة الأمريكية تدرك تبعات هذا القرار جيدا وتعلم بأنه يخل بالعلاقات الأمريكية السعودية والاستقرار في المنطقة بشكل عام ولما يكون له من ردة فعل عنيفة من المملكة العربية السعودية.

وتمتلك المملكة الكثير من أوراق الرد، ومن أهمها:بيع نسبة من صادرات النفط بعملات أخرى مثل اليوان الصيني، وهو ما يضر بهيمنة الدولار. وإمكانية تصفية الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة الأمريكية والتي سجلت ما يقرب من تريليون دولارفي عام ٢٠١٩. وإمكانية بيع السندات الأمريكية والمقدرة بنحو١٦٠ مليار دولار. وتعكس هذه المعطيات صعوبة تطبيق قرارnopec، أو إقراره من قبل الإدارة الأمريكية الحالية.

تداعيات القرار:

نظراً للتداعيات المحتملة لقرار أوبك +على الولايات المتحدة الأمريكية، سعت الإدارة الأمريكية إلى التأقلم مع الوضع الذي يمكن أن يخلفه هذا القرار، ومحاولة التقليل من أثاره، ومن ذلك اتخاذ الإدارة الأمريكية قراراً باستمرار ضخ النفط من الاحتياطي الاستراتيجي لديها؛ للحفاظ على أسعار الوقود عند المستوى المتداول، ومحاولة التخفيف عن كاهل المواطن الأمريكي.

غير أن اعتماد الولايات المتحدة على الاحتياطي الاستراتيجي؛ قد يؤدي إلى استنزافه، مما يقلل من قدرة واشنطن على التحكم في سعر النفط العالمي، وهو ما يلقي بتبعاته على الاقتصاد الأمريكي، ومن ثم الاقتصاد العالمي؛ إذ أنه كلما ارتفعت أسعار الطاقة أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم داخل الولايات المتحدة، وهو ما يدفع البنك الفيدرالي الأمريكي برفع سعر الفائدة وهو ما يؤثر بدوره على معظم اقتصادات العالم وخاصة الدول النامية. ومن أبرز تداعيات القرار على واشنطن والرياض:

(*) بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية؛ فإنها تعاني حالة من ارتفاع موجات التضخم المسحوب بارتفاع في الأسعار مما يخلق عبء على الإدارة الأمريكية والشعب والموازنة، كانت الإدارة الأمريكية قررت تخفيض سعر الوقود تخفيفا على المواطن الأمريكي وسحبت من المخزون الاستراتيجي.

(*) بالنسبة للملكة العربية السعودية؛ تحاول الرياض إيجاد شراكات جديدة وتنويع علاقاتها حيث شهدت الفترة الأخيرة تحسن في العلاقات السعودية الروسية،من مؤشراتها، نجاح الوساطة السعودية في ملف تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، والذي مثل نجاح للدبلوماسية السعودية، والدور الذى يمكن أن تلعبه الرياض في الأزمة الأوكرانية في الفترة المقبلة، في ضوء دور السعودية في سوق الطاقة العالمي، باعتبارها أكبر مصدر للنفط.

انعكاسات محتملة:

بالنظر إلى التداعيات المحتملة على روسيا؛ نجد أن هذا القرار يصب في مصلحتها كون روسيا منتج للنفط، وقد تستغله كورقة للضغط على الدول الغربية في ظل العقوبات الغربية المفروضة عليها من جراء حربها على أوكرانيا، فهذا بدوره يعزز عائدات النفط لديها ويحرك ويدعم التمويل للمجهول الحربي.

أما الدول الخليجية، فبصفتها من أكبر منتجي النفط، فإنها ستستفيد من فارق الأسعار، أما الدول الأوروبية؛ فهذا القرار قد يزيد الأعباء عليها؛ نظرًا لارتفاع أسعار النفط، مما يضعها في أزمة، تنذر بشتاء صعب على أوروبا، وقد يدفع بعض الدول الأوربية باتخاذ سياسات فردية؛ من أجل تأمين إمدادات الطاقة إليها، قد تؤدي إلى توتر العلاقات بينها.

وفي النهاية يمكن القول، فإن قرار أوبك بلس بتخفيض الإنتاج قد يكون له تبعاته السلبية على العلاقات الأمريكية الخليجية بشكل عام، والسعودية بشكل خاص، حتى وإن لم تظهر بوادره بشكل فورى، تحسباً لتفادي أية ردة فعل سعودية محتملة، يمكنها الإضرار بمصالح البلدين، لا سيما وأن قرار خفض الإنتاج جاء بمثابة منحة للدول المصدرة، باعتبارها مستفيدة من فارق السعر، ومحنة لبعض الدول المستهلكة للنفط.

طه هلال

باحث بوحدة دراسات الخليج، حاصل على بكالوريوس علوم سياسية من جامعة بني سويف، مهتم بدراسة الشأن الخليجي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى