إلى أين تنتهى مظاهرات “النساء” في إيران؟

قبل أسبوع اندلعت في إيران موجة تظاهرات واحتجاجات شديدة شملت مدناً بأكملها، وتضمنت هجمات ضد مراكز حكومية، وهجمات بزجاجات حارقة ضد قوات الباسيج التي تفرق التظاهرات”، وتعد هذه الاحتجاجات هي الأوسع نطاقاً منذ تظاهرات نوفمبر 2019 التي نجمت من ارتفاع أسعار البنزين في خضم الأزمة الاقتصادية، وشملت حينها حوالي مائة مدينة إيرانية وتعرضت لقمع شديد (230 قتيلاً بحسب الحصيلة الرسمية، وأكثر من 300 حسب منظمة العفو الدولية)، وتعد التحركات الاحتجاجية التي تشهدها إيران هي المرة الأولي التي تقودها النساء، هو ما يطرح السؤال التالي، وهو: هل تشكل المرأة الإيرانية تهديدًا حقيقياً للنظام؟

مواجهات مقلقة:

أظهرت بعض مقاطع الفيديو للمحتجين، المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي ترديد هتافات، مؤثرة في محافظة كرمان جنوب شرق إيران، وفي مناطق أخرى متفرقة من البلاد، كان أهمها: “وحدة وحدة من كردستان إلى طهران” و”العدل، الحرية، المرأة” و” لا للحجاب القسري”، و”الموت للديكتاتور”، فقد المتظاهرون على رفع صور رافضة وضد سياسة الحجاب الإلزامية، كتب عليها، “نحن أبناء الحرب، و”الموت لخامنئي”، جميعها صور رافضة وضد سياسة الحجاب الإلزامية.

وتعد وفاة “مهسا أميني” البالغة من العمر 22 عامًا بعد ثلاثة أيام من توقيفها في طهران بتهمة “ارتداء ملابس غير لائقة” وخرقها قواعد لباس المرأة الصارمة في إيران- بمثابة القوة المحركة للاحتجاجات، مما تسبب وفاتها في مقتل نحو أكثر من “76 شخصاً. كما أعلنت الشرطة الإيرانية عن مقتل عشرة من عناصرها، وأمام مبنى إدارة المخابرات في محافظة فارس، وسط إيران، يقوم البعض بحرق لافتة بها صورة المرشد الإيراني، “علي خامنئي”، كما أعلن طلاب من 18 جامعة في إيران إضراباً على مستوى البلاد، ونشر بيانات مؤيدة للتظاهرات مؤكدين إدانتهم قمع الطلاب.

تأسيسا على ما سبق، وفي احتمالات استمرار اشتعال الوضع في إيران، يبقى السؤال، وهو: هل يمكن أن تكون المرأة الإيرانية بمثابة القوة الدافعة لتغيير نظام قمعي استمر منذ أكثر من
40 عاماً؟.

للإجابة على ما سبق، وجب التوضيح أن وفاة “مهسا أميني”، في 16 سبتمبر 2022 التي كانت الشرارة الأولى للاحتجاجات الكبرى في لإيران، وضعت جهاز شرطة الأخلاق الإيراني في مأزق أمام الرأي العام سواء الداخلي أو الدولي، باعتباره المتسبب-جهاز الشرطة- في وفاتها لعدم “القتيلة” بقواعد اللباس المشددة.

 وذلك نظراً لما تتمتع به “شرطة الأخلاق” من قوة لإنفاذ القانون، منها الوصول إلى السلطة والأسلحة ومراكز الاحتجاز، والتحكم في “مراكز إعادة التأهيل”،- قامت باعتقال العديد من النساء، بالإضافة إلى تعرضهن للضرب أو حتى الموت في مراكز الاحتجاز لمخالفتهن قوانين الحجاب الإيرانية أو القواعد المماثلة، ولذلك تدفع الاحتجاجات الخاصة بالحجاب في إيران كثيراً من الدلالات التي تدفع للتساؤلات.

استكمالا لما سبق، يمكن الإشارة إلى أن المرأة الإيرانية، عانت من قيود سياسية واجتماعية ودينية بعد الثورة الإيرانية الإسلامية، فقبل عام 1979 فكانت إيران تسمح للنساء بارتداء ما يردن، بل وصل الأمر أنه في عام 1936، حظر الحاكم الموالي للغرب “رضا شاه” ارتداء النقاب والحجاب في محاولة لتحديث البلاد، إلى أن جاء النظام الإسلامي الذي أطاح بسلالة الشاه “بهلوي” وجعل الحجاب إلزاميًا في عام 1979 بعد الثورة الإسلامية.

رمزية صلبة وتداعيات غير محسوبة:

وبالرغم من أن  الخميني منذ 1979 النساء حث على وضع الحجاب، إلا أنه أصدر البرلمان قانوناً في عام 1983، يحث على معاقبة النساء اللاتي يظهرن في العلن بدون حجاب بـ 74 جلدة، ومنذ 1995 يتم ملاحقة هذه الخروقات بعقوبة سجن تصل إلى 60 يوماً، فإجبارية التحجب نبعت إذن في المقام الأول من محاولة تعليل نموذج حياة ومجتمع منافي للغربي، وعلى هذا النحو اعتبرت النساء الايرانيات اللاتي لم يشأن وضع الحجاب “عاهرات غربيات”، كما أن مشاركة النساء غير المحجبات في فيديوهات للموضة تعد من المحرمات في إيران؛ وبموجب القانون، يجب تغطية شعورهنّ وارتداء ملابس “إسلامية” محتشمة. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه منذ تأسيس النظام الإيراني الحالي، سنت عديد من قوانين التي تحدد القواعد الصارمة للباس المرأة، وتحديد سن الزواج من تسع سنوات قبل رفعه إلى 13 سنة، بل وصل الأمر إلى اعتبار يوم 12 يوليو من كل عام، هو اليوم الوطني “للحجاب والعفة”.

تعليمات شرسة:

تعمل الشرطة الدينية على فرض ارتداء الحجاب على النساء وتغطية رؤوسهن، مع العلم أنه لا يوجد تعريف دقيق لطريقة ارتداء هذا اللباس الديني، ما فتح الباب أمام تأويلات عديدة من قبل الشرطة الدينية التي تتصرف حسب إرادتها تماشيا مع تصريحات وإرشادات رجال الدين والسياسية، وتم تكليف “شرطة الأخلاق” بضمان اتباع القواعد من خلال فرقة عمل مع جميع سلطات وكالة إنفاذ القانون، حيث يتم احتجاز النساء – وأحيانًا الرجال – لعدم امتثالهن لقواعد الدولة بشأن الاحتشام، داخل هذه مراكز مخصصة، ويتم إعطاء المحتجزين دروساً عن الإسلام وأهمية الحجاب، ثم يجبرون على التوقيع على تعهد بالالتزام بلوائح الملابس التي وضعتها الحكومة قبل إطلاق سراحهم.

ورغم اختلاف قوة الشرطة الدينية من فترة إلى أخري، خاصة بين الإصلاحيين والمحافظين، ففي عهدي خاتمي (1997-2005) وروحاني (2013-2021) كان ينظر إلى هذه الشرطة بنوع من السخرية والعداء، إلا أنه في عهد الرئيس الحالي إبراهيم رئيسي أعطى لها الضوء الأخضر لكي تعتدي وتضرب الناس وتلزمهم على احترام القوانين.

حركات مناهضة ومجتمع يتماسك:

كل بضع سنوات يظهر عدد من الحركات المناهضة للحجاب في إيران، ولكنها غالبًا ما تقابل بموجات من الاعتقالات والاضطهاد، ومن هذه الاحتجاجات ” فتيات شارع الثورة” في عام 2017، بالإضافة إلى احتجاجات وسائل التواصل الاجتماعي كل عام بمناسبة اليوم الوطني للحجاب والعفة في البلاد، والذي يتم الاحتفال به سنويًا في 12 يوليو للترويج للحجاب.

كما أظهر مسح أجراه مركز أبحاث مرتبط بالبرلمان في عام 2018، أن هناك انخفاضًا في عدد الأشخاص الذين يعتقدون أنه على الحكومة فرض الحجاب، وأظهر تقرير صادر عن وكالة أنباء الطلبة الإيرانية عام 2014 ارتفاعًا بنسبة 15٪ في عدد الذين يعتقدون أن الحجاب يجب ألا يكون إجباريًا. وترتيباً على ما سبق، يتضح الآتي:

(*)- تواجه الحكومة الإيرانية حالة استياءً متزايدًا من الاقتصاد المعطل والتضخم المتصاعد الناجم عن العقوبات الأمريكية، وزاد  من الأمر الاحتجاجات الأخيرة حول موضوع الحجاب الإجباري، وبالتالي تكون وفاة الفتاه قد وحد الإيرانيين من مختلف العقليات، حيث أن الانتقادات للحادث لا تأتي فقط من معارضي النظام فقط، ولكن أيضًا من المواطنين الذين ليس لديهم تاريخ سابق لمعارضة النظام، وكذلك أولئك المقربين من السلطة، حيث نزل الآلاف في أنحاء إيران إلى الشوارع، وهو ما يضع النظام في ورطة قد يصعب التخلص منها، ويجعلنا نتساءل عما إذا كانت الحركة الحالية ستتوسع أم ستضعف ببساطة في مواجهة قمع الدولة؟

(*)- استمرار القيود الشديدة على الإنترنت في إيران وحجب تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل “إنستجرام” و”واتسآب” بعد دورها الكبير في نقل الاحتجاجات، يعبر عن حالة إرباك وارتباك تسيطر على أجهزة النظام الإيراني.

(*)- قد يكون الشباب الإيرانيين تأقلموا مع “النظام القمعي” لكي يعيشوا حياتهم، خاصة وأنه في السنوات الماضية شهدت مواجهات عنيفة بين الأمن والمحتجين على النظام الإيراني، لكن في كل الأحوال، فإن المشهد العام في طهران يؤكد أن “المواطن الإيراني العادي سئم”، وعليه يمكن التأكيد على أن موجة الاحتجاجات التي شهدتها إيران عقب وفاة الشابة مهسا أميني، كانت عبارة عن مجموعة من التراكمات التي تبحث عن شرارة للانفجار والظهور، وقد يكون ذلك محرك ودافع قوي لشن ثورة ضد النظام القمعي.

(*)- على الجانب الأخر تصاعدت ردود الفعل الدولية تجاه القمع الذي يمارسه النظام الإيراني ضد المتظاهرين، وسط تحذيرات ومطالب غربية بفرض عقوبات جديدة ضد نظام طهران، وهو ما له من تأثيرات سلبية شديدة على طهران، هي كالتالي:

  1. فقد أصدرت منظمة العفو الدولية بياناً دعت فيه إلى اتخاذ إجراءات دولية فورية لضمان المساءلة عن وفاة الشابة الإيرانية مهسا أميني أثناء الاعتقال، وكتبت أن التحقيق يجب أن يكون مستقلاً وحيادياً وفعالاً، وأنه يجب تقديم المشتبه بهم إلى العدالة في إجراءات قضائية عادلة.
  2. أعرب المتحدث باسم مفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان عن قلقه من قمع الاحتجاجات في إيران، وفرض نظام طهران قيودا على خدمة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، كما دعت وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، إلى فرض عقوبات جديدة على طهران.
  3. حذر المتحدث باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس، من أن واشنطن ستحقق بشأن كل المتورطين في قتل وقمع المحتجين في إيران، مؤكداً أن المزيد من العقوبات في انتظار النظام الإيراني. كل هذه التحذيرات الدولية والتهديد بعقوبات جديدة، قد يضر أكثر بالاقتصاد الإيراني أكثر مما هو عليه، ويأتي هنا التساؤل هنا، هو: هل تختلط الأوراق في الولايات المتحدة كما تتأثر في أوروبا جراء “انتفاضة مهسا”، وهي لا تزال في أولها ؟، حيث سيبقى السيناريو الأهم، إذ إن مصير النظام في طهران بين يدي الشعب في إيران، وإن كانت هناك موجات متتالية تنتهي بالقمع، فالثورة الإيرانية الشاملة والنهائية آتية حتماً لا محالة.

د.سهرة القاسم

خبير مشارك في شئون الأمن الإقليمي. حاصلة على الدكتوراه في تخصص أثر التنافس التركي الإيراني على الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى