دوافع متشابكة: التحولات في سياسة “بوتين”تجاه أفريقيا في ضوء القمة الروسية الأفريقية

مصطفى كمال دماني- باحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية
وسط أزمات دولية ممتدة، تبدأ من الصراع الجاري في أوكرانيا وتداعياته على أمن الطاقة الأوروبي، مرورًا بالمواجهة في الشرق الأوسط بين واشنطن وطهران وانعكاساتها على التفاعلات الدولية، وصولًا إلى النزاع المتفجر في القرن الأفريقي بين إثيوبيا وإريتريا وآثاره الإقليمية، انعقدت القمة الروسية الأفريقية في ظل حالة من السيولة التي تشهدها التحولات الدولية الجارية، بوصفها مظهرًا آخر من مظاهر التنافس الدولي على القارة الأفريقية، بعد سلسلة من القمم التي جمعت أفريقيا بقوى دولية وإقليمية، على غرار القمم الصينية الأفريقية، والإيطالية الأفريقية، والتركية الأفريقية.
وفي ضوء ما سبق، تناقش هذه الدراسة مكانة أفريقيا في السياسة الخارجية الروسية، وأجندة القمة، وأوجه التعاون والأهداف المشتركة بين روسيا والدول الأفريقية، انطلاقًا من إشكالية رئيسية تتمثل في: ما أبعاد القمة الروسية الأفريقية؟ وللإجابة عن هذه الإشكالية، تستعرض الدراسة مسار العلاقات الروسية الأفريقية، والمكانة التي تحتلها القارة في السياسة الروسية، وأوجه التعاون بين الجانبين ومستقبله.
المحور الأول- السياسة الخارجية الروسية تجاه أفريقيا في عهد بوتين:
خلال الحرب الباردة، ولا سيما في مرحلة الحراك الثوري للشعوب الأفريقية الساعية إلى التحرر من الاستعمار الغربي، كان للاتحاد السوفيتي نفوذ كبير في القارة الأفريقية، وحظي هذا النفوذ بقبول لدى قطاعات من الشعوب الأفريقية، إذ كان الاتحاد السوفيتي يساند حركات وقوى التحرر من الاستعمار، ويمدها بالسلاح والدعم المادي والأيديولوجي. كما شهدت القارة وجود أحزاب عقائدية، من بينها الأحزاب الشيوعية والقوى الاشتراكية، التي كانت تؤيد وتدعم النفوذ السوفيتي في أفريقيا.
وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وما عانته روسيا من تراجع مكانتها العالمية، فضلًا عن المشكلات السياسية والاقتصادية الداخلية، اضطرت السياسة الخارجية الروسية إلى اتباع نهج يميل إلى الانعزال والانشغال بمعالجة المشكلات الداخلية، مما أثر على نفوذها في القارة الأفريقية.
وابتداءً من عام 2000، الذي تولى فيه فلاديمير بوتين قيادة روسيا، بعدما كان يشغل منصب الرئيس بالوكالة عقب استقالة بوريس يلتسين، شهدت السياسة الخارجية الروسية تحولًا كبيرًا، إذ اتسمت بنظرة واقعية للعلاقات الدولية، ترتبط أساسًا بطبيعة الحراك السياسي الدولي ومصالح روسيا السيادية.
فقد عمل الرئيس فلاديمير بوتين على استعادة المكانة الدولية لروسيا والحفاظ على أمنها القومي، معلنًا في بداية ولايته ما عُرف بـ”مبدأ بوتين”، الذي يتضمن الدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب، لا يخضع لهيمنة قوة عظمى واحدة، ويكون لروسيا دور أساسي فيه.
وقد دفعت سلسلة التطورات الدراماتيكية التي اندلعت بعد عام 2011 إلى إعادة النظر في بنية النظام الدولي عمومًا، والنظام الإقليمي والأفريقي خصوصًا، حتى إن بعض الباحثين رأوا أن الوضع الدولي دخل مرحلة جديدة أطلقوا عليها “اللاقطبية”. وفي العقد الأخير، عملت روسيا على استعادة مكانتها الدولية، ولتحقيق هذا الهدف عادت إلى ساحات الصراع الدولي، وقررت تعزيز حضورها في القارة الأفريقية عبر بوابتي مصر وليبيا، انطلاقًا من إدراك سياستها الخارجية الجديدة للقيمة الجيواستراتيجية للمنطقة، التي تمثل إحدى أهم ساحات اهتمام القوى العالمية.
ومنذ توليه الحكم، عمل بوتين على جعل روسيا حاضرة في مختلف المناطق الحيوية المرتبطة بالمصالح الروسية، ومنها أفريقيا. وشهد عام 2001 بداية التحرك في هذا الاتجاه، إذ استقبل فلاديمير بوتين رؤساء كل من الجزائر ومصر ونيجيريا وغينيا وأنغولا وناميبيا. وفي عام 2002، زار وزير الخارجية الروسي المغرب وتونس، مما ساعد على تطوير العلاقات الروسية الأفريقية.
فضلًا عن قيام فلاديمير بوتين بزيارة كل من المغرب وجنوب أفريقيا عام 2006، ثم زيارة دميتري ميدفيديف عام 2009 لكل من أنغولا وناميبيا ونيجيريا ومصر. ويمكن القول إن هذه الزيارات شكلت بداية عودة العلاقات الروسية الأفريقية إلى مسارها التصاعدي.
وقد ازدادت أهمية القارة الأفريقية في السياسة الروسية بعد عام 2014، نتيجة الضغوط التي تعرضت لها موسكو بفعل العقوبات الغربية عقب ضم شبه جزيرة القرم، مما دفعها إلى البحث عن حلفاء في مواقع جيوسياسية جديدة، واستكشاف فرص إضافية لتعزيز نفوذها.
وفي هذا السياق، برز الوجود العسكري الروسي في جمهورية أفريقيا الوسطى، التي تتمتع بأهمية استراتيجية بحكم موقعها الجغرافي، بوصفها منطقة عازلة بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي، وهو ما يتيح لروسيا توسيع حضورها عبر القارة الأفريقية، ويفتح المجال أمام الشركات الروسية لإبرام صفقات مربحة في قطاعات الموارد الطبيعية والمعدنية.
وقد احتلت القارة الأفريقية المرتبة التاسعة ضمن قائمة المناطق العشر الأكثر أهمية للمصالح الروسية، وفقًا لوثيقة السياسة الخارجية التي وقعها فلاديمير بوتين عام 2016، والتي نصت على أن “روسيا الاتحادية ستتوسع في علاقاتها مع دول القارة الأفريقية في مختلف المجالات، سواء على المستوى الثنائي أو الجماعي، من خلال تحسين الحوار السياسي، وتكثيف التعاون الشامل في المجالات السياسية والتجارية والاقتصادية والعسكرية والفنية والأمنية والإنسانية والتعليمية، بما يخدم المصالح المشتركة، فضلًا عن المساهمة في تسوية الصراعات والأزمات الإقليمية”.
كما عدت الوثيقة تعزيز علاقات الشراكة مع الاتحاد الأفريقي عنصرًا مهمًا في السياسة الروسية تجاه أفريقيا. وينظر الروس إلى القارة باعتبارها منطقة تشهد مزيدًا من الصراعات والنزاعات الإقليمية بين دولها، فضلًا عن تحديات أمنية كبرى، من بينها الإرهاب والقرصنة والجريمة المنظمة. وتمثل هذه التحديات أحد الأسباب الرئيسية لزيادة النفقات العسكرية، وتنامي الاهتمام بإقامة قواعد عسكرية وبحرية في القارة، بما يفتح المجال أمام روسيا لأداء دور فاعل يعزز مكانتها وقوتها العالمية.
وتمثل جمهوريتا أفريقيا الوسطى ومالي اثنتين من أهم الدول بالنسبة للسياسة الروسية في القارة. فقد بدأ التنسيق العسكري بين روسيا وجمهورية أفريقيا الوسطى عام 2017، عندما طلبت الأخيرة من موسكو تدريب الجيش الوطني وإعادة تأهيله، مما دفع روسيا إلى تقديم طلب إلى مجلس الأمن عام 2018 للسماح بإرسال مساعدات عسكرية إلى جمهورية أفريقيا الوسطى، شملت معدات عسكرية وضباطًا روسًا لتدريب الجيش الوطني وإعادة تأهيله. وقد ساعد ذلك روسيا على أداء دور مهم وفاعل في البلاد.
وفي عام 2018، وقعت روسيا اتفاقيات للتعاون العسكري التقني مع كل من غينيا وإثيوبيا وأنغولا.
أما في عام 2022، فقد طلبت جمهورية مالي رسميًا من روسيا سد الفراغ الذي خلفه انسحاب قوات عملية “برخان” الفرنسية، ومساعدتها في محاربة الإرهاب والحركات الانفصالية، بهدف الحفاظ على وحدة أراضيها وحماية أمنها القومي. واستجابت روسيا لهذا الطلب، وسجلت حضورها في قلب منطقة الساحل الأفريقي، من خلال إرسال معدات عسكرية ومجموعة من المقاتلين، مما ساعد على تعزيز حضورها في وسط القارة الأفريقية وغربها.
وقد أكدت وثيقة السياسة الخارجية الروسية، الصادرة في 31 مارس 2023، أهمية القارة الأفريقية في السياسة الخارجية لموسكو، مشددة على ضرورة أن تؤدي روسيا دورًا فاعلًا في أقاليم العالم المختلفة، ومنها أفريقيا، التي تعد من أبرز المناطق التي تتيح فرصًا للانتشار الاستراتيجي الروسي في مواجهة النفوذ الغربي والأمريكي.
وتستثمر روسيا هذه الفرص على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية، كما تتقاطع توجهاتها مع مواقف بعض الدول الأفريقية بشأن السعي نحو عالم متعدد المراكز وأكثر إنصافًا، والحد من التفاوت الاقتصادي العالمي، الذي ترى هذه الدول أنه تفاقم نتيجة السياسات الأمريكية والغربية تجاه أفريقيا.
وترى بعض الدول الأفريقية أن روسيا والصين تمثلان قوتين دوليتين قادرتين على مساعدتها وتقديم أطروحات مناهضة للهيمنة الأمريكية. وفي هذا الإطار، عملت روسيا على كسب ثقة الدول الأفريقية عبر تقديم المساعدات في قطاعات الطاقة والغذاء والأمن والدفاع، وزيادة حجم التجارة والاستثمار، فضلًا عن تطوير الروابط في المجالات الإنسانية والعلمية والطبية، وتدريب الكوادر البشرية.
كما تسعى روسيا إلى أداء دور في تسوية النزاعات المسلحة داخل أفريقيا. فقد أسهمت في الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع الطويل على السلطة بين الحكومة الأنغولية والمعارضة المتمثلة في حركة “يونيتا”، وما ارتبط به من اتفاقات لتسوية النزاع، ومنها اتفاقية لوساكا، وصولًا إلى إنهاء الحرب التي استمرت 27 عامًا. وقد احتفل الأنغوليون عام 2022 بذكرى انتهاء الحرب.
ويتقاطع هذا التوجه مع الرغبة الأفريقية في مواجهة التدخلات الخارجية، والدعوة إلى دور ريادي للدول الأفريقية في تسوية النزاعات، استنادًا إلى مبدأ “الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية”. ومن المفترض أن يمثل منتدى الشراكة الروسية الأفريقية إحدى منصات تعزيز الدور الروسي في القارة.
وبالنظر إلى ملامح السياسة الخارجية الروسية بعد عام 2000، يتضح اختلاف توجهاتها تجاه أفريقيا عن حقبة الاتحاد السوفيتي. فقد انطلقت السياسة السوفيتية من المعطى الأيديولوجي، وكان أحد أهداف التوجه نحو أفريقيا نشر القيم والأفكار الشيوعية، بينما انطلقت السياسة الخارجية الروسية الجديدة في عهد بوتين من معطيات متعددة، أبرزها المعطيان الاقتصادي والسياسي.
ويفسر ذلك تكثيف المبادلات التجارية، وتزايد صفقات التسليح والتعاون الأمني في مكافحة الإرهاب. وإلى جانب ذلك، كان المعطى المعرفي حاضرًا في توجهات موسكو، إذ استفادت الإدارة الروسية من الدراسات المتخصصة في الشؤون الإقليمية، فقد اعتمد الرئيس بوتين على البروفيسور المستعرب أليكسي ميخايلوفيتش فاسيلييف، مبعوثًا خاصًا في العلاقات مع زعماء الدول الأفريقية، والذي كان يشغل منصب مدير معهد أفريقيا التابع لأكاديمية العلوم الروسية.
المحور الثاني- أهداف السياسة الروسية في أفريقيا:
(*) الصوت الأفريقي في المؤسسات الدولية: تشكل البلدان الأفريقية نحو ثلث الدول الأعضاء في المجتمع الدولي، وهي ممثلة في المؤسسات متعددة الأطراف، وتتمتع بخبرة في العمل السياسي المشترك من خلال الاتحاد الأفريقي وعدد من تجمعات التكامل الإقليمي والفرعي.
ومن دون مشاركة البلدان الأفريقية، يصبح من الصعب ضمان الأداء المستقر لنظام العلاقات الدولية، وتطوير العلاقات الاقتصادية العالمية، وتوفير منظومة مستقرة للأمن الدولي. ومن هذا المنطلق، تحتاج روسيا إلى دعم الصوت الأفريقي في المؤسسات الدولية، للترويج لرؤيتها القائمة على “التعددية القطبية”.
(*) القواعد العسكرية ونيل مكانة الدولة العظمى: على الرغم من الاختلافات الكبيرة بين شمال القارة الأفريقية ومناطق جنوب الصحراء الكبرى، فإن القاسم المشترك بينهما يتمثل في المشكلات ذات الطبيعة الاستراتيجية.
وقد كانت أفريقيا تقليديًا إحدى مناطق النفوذ العسكري لحلف شمال الأطلسي، الذي يتمتع بعدد من المعاقل التي تتيح له السيطرة على خطوط الاتصال البحري في البحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الهندي، وكذلك جنوب المحيط الأطلسي.
وإلى جانب ذلك، تحتفظ بعض الدول الغربية بمواقع عسكرية وسياسية في المنطقة، من خلال القواعد والوحدات العسكرية، أو عبر التعاون العسكري والفني الثنائي.
وبحسب المعلن، تتمثل المهمة الرئيسية للوجود العسكري الغربي في حماية خطوط الاتصال الحيوية، والحفاظ على السلام، ومنع الصراعات العرقية، ومكافحة تهديدات الإرهاب والقرصنة.
ومن بين الدول غير الأعضاء في حلف شمال الأطلسي التي تمتلك قواعد عسكرية في أفريقيا، الهند واليابان، كما بدأت الصين منذ عام 2016 بناء أول قاعدة عسكرية لها في القارة. وفي المقابل، لا تمتلك روسيا، وفق الطرح الوارد في هذا السياق، قواعد عسكرية مماثلة، وهو ما يطرح تحديًا أمام طموحها إلى تعزيز مكانتها بوصفها قوة عظمى.
(*) سوق واعدة للشركات العسكرية الخاصة وتصدير الأسلحة: يتزايد الوجود العسكري الأجنبي في أفريقيا، بما في ذلك نشاط الشركات العسكرية الخاصة، بالتوازي مع تنامي مشتريات الدول الأفريقية من الأسلحة الأجنبية.
وأصبحت أفريقيا، بوصفها قارة، مشاركًا بارزًا في السوق العالمية للمعدات العسكرية والأسلحة الصغيرة، إذ تتجه نسبة تصل إلى 10% من صادرات الأسلحة العالمية إلى دول القارة.
(*) سوق ضخمة للمواد الخام: تمثل الموارد الطبيعية، ولا سيما المواد الخام المعدنية، إلى جانب الموارد البشرية، أحد العناصر المهمة في تقييم دور أفريقيا في النظام العالمي خلال القرن الحادي والعشرين.
وتشير دراسات متخصصة في الشؤون الأفريقية إلى أن القارة مرشحة لأن تكون من أكثر مناطق العالم ديناميكية من حيث النمو، بما يؤثر بصورة متزايدة على طبيعة النمو الاقتصادي ومعدلاته في الدول المتقدمة.
وقد شهدت مكانة القارة في الاقتصاد العالمي تغيرات ملحوظة، إذ كانت أفريقيا خلال الفترة من 2001 إلى 2014 من بين المناطق الكبرى الأسرع نموًا في العالم.
(*) فرص استثمارية كبرى: تحظى أفريقيا باهتمام كبير من المستثمرين الأجانب، نظرًا إلى ارتفاع العوائد المحتملة للاستثمارات، فضلًا عن سياسات الدول الأفريقية الساعية إلى جذب رؤوس الأموال الأجنبية.
وقد ازدادت أهمية أفريقيا بالنسبة لروسيا، خاصة بعد تراجع مسار علاقاتها مع الغرب على خلفية الحرب في أوكرانيا، وما ترتب عليها من عقوبات اقتصادية ومالية.
(*) خلق توازن مع الصين: على الرغم مما تبدو عليه العلاقات الروسية الصينية من تعاون، فإن البلدين لديهما مخاوف متبادلة، إلى جانب خلافات تاريخية. وفي المقابل، تجمعهما الرغبة في الحصول على اعتراف أمريكي بالمكانة الدولية التي يرى كل منهما أنه يستحقها.
ويشكل الوجود الروسي في أفريقيا، مع التركيز على الجانب العسكري، عامل توازن أمام تنامي الحضور الاقتصادي الصيني في القارة، بما يسمح لموسكو بتجنب الظهور في موقف ضعف أمام بكين، خاصة بعد تزايد اعتمادها عليها اقتصاديًا نتيجة العقوبات الغربية.
وللحفاظ على العلاقات السلمية والتعاون مع الصين وتعزيز هذا التعاون، تعرض موسكو تقديم خدمات عسكرية قادرة على حماية المصالح الاقتصادية الصينية، فضلًا عن التعاون المشترك للحد من نفوذ القوى الغربية، والمشاركة في إعادة هيكلة الدول الأفريقية التي تعاني صراعات داخلية، بما يتيح تقاسم الثروة والنفوذ بين الجانبين.
(*) الضغط على القوى الغربية: تعتقد روسيا أن بإمكانها ممارسة مزيد من الضغوط على الغرب، ولا سيما الدول الأوروبية، من خلال تهديد نفوذها التقليدي في أفريقيا، وإشغالها في صراعات جانبية، وزيادة الأعباء العسكرية والاقتصادية المترتبة على تدخلاتها، فضلًا عن تصاعد تدفقات الهجرة غير النظامية.
ومن شأن هذه التطورات، وفقًا للحسابات الروسية، إضعاف مواقف تلك الدول في دعم أوكرانيا، ومنح موسكو ورقة ضغط يمكن استخدامها في ملفات أخرى ترتبط بمصالحها في جوارها القريب بمنطقة ما بعد الاتحاد السوفيتي.
(*) إعادة تشكيل خرائط العالم: ترى بعض الجهات السياسية والبحثية المؤثرة في روسيا أن جانبًا من مشكلات أفريقيا يعود إلى التقسيم “الجائر” للحدود، التي رُسمت وفق مصالح القوى الغربية وتوافقاتها، بهدف تقاسم النفوذ والموارد فيما بينها، انطلاقًا من تصور استمرار وجودها في القارة.
ووفقًا لهذا الطرح، كان من المفترض إعادة النظر في تلك الحدود بعد نهاية الحقبة الاستعمارية، غير أن القادة الأفارقة أبقوا عليها، مما أسهم في ظهور دول تعاني أزمات بنيوية عميقة، يصعب إصلاحها سلميًا دون إعادة النظر في المنظومة القائمة.
وفي هذا السياق، يقترح أصحاب هذا الاتجاه أن تبادر روسيا إلى قيادة عملية التغيير، باعتبار أن استمرار الحدود بشكلها الحالي قد يرجح كفة الصين والغرب، ويجعل موسكو في موقف أقل استفادة من معادلات النفوذ داخل القارة.
وقد عبر عن هذا الطرح البروفيسور ديمتري بوندارينكو، نائب مدير معهد الدراسات الأفريقية التابع لأكاديمية العلوم الروسية والمتخصص في العلوم التاريخية.
كما اقترح 13 خبيرًا روسيًا وأفريقيًا، متخصصين في الشؤون الأفريقية، إعادة تشكيل النظام الإقليمي في دول الساحل الأفريقي، من خلال تأسيس كونفيدرالية موسعة تضم دول المنطقة، وذلك في دراسة متخصصة صادرة عن مجلس الشؤون الدولية الروسي.
ومن هذا المنظور، توفر أفريقيا فرصة لروسيا لاختبار أطروحاتها المتعلقة بعدم “صلاحية” النظام العالمي القائم، والسعي إلى إعادة تشكيله عبر تغيير قواعده، بما يتوافق مع رؤيتها لنظام عالمي جديد.
المحور الثالث- أجندة القمة الروسية الأفريقية:
بحسب عدة مصادر إعلامية، تتمحور أجندة القمة حول التجارة والاستثمار والطاقة النووية السلمية والرقمنة والأمن الغذائي والخدمات اللوجستية والتقنيات المتقدمة، إلى جانب الملفات السياسية والأمنية، تحت شعار شراكة “رابح-رابح”.
وقال السفير الروسي لدى توغو، إيغور إيفدوكيموف، وفقًا لموقع “توغو فيرست”، إن القمة ستناقش “التجارة والتعاون الاقتصادي والأمن والاستثمار”، إلى جانب محاور تشمل الطاقة والزراعة والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي وأنظمة الدفع.
وعلى الصعيد التجاري، أوضح المسؤول في وزارة التنمية الاقتصادية الروسية، بافيل كالميتشيك، أن حجم التبادل التجاري مع أفريقيا ارتفع من 1.5 مليار دولار عام 2001 إلى 27 مليار دولار بنهاية عام 2024، وأن موسكو تسعى إلى زيادته بمعدل يتراوح بين 1.5 ومرتين بحلول عام 2030.
كما نقلت مجلة “مودرن دبلوماسي” عن وزيرة الزراعة الروسية، أوكسانا لوت، أن التجارة الزراعية مع القارة الأفريقية نمت بنسبة 18% عام 2024، لتقترب من 10 مليارات دولار.
وفي مجال الطاقة، أكد وزير الطاقة الروسي، سيرغي تسيفيليف، استعداد بلاده لتقديم التقنيات اللازمة وتدريب المتخصصين العاملين في هذا القطاع.
وأفاد موقع “مودرن غانا” بأن موسكو ومالي تستعدان لتوقيع اتفاقيات في مجالات الطاقة والتعدين والبنية التحتية خلال القمة، وأن بوركينا فاسو ومالي والنيجر تتعاون مع روسيا لتطوير أول قمر صناعي مشترك للاتصالات في المنطقة.
وفي المجال الأمني، تعرض روسيا على دول الساحل وغرب أفريقيا التدريب والخبرات والتقنيات اللازمة لمكافحة الإرهاب، وفقًا لما أوردته مجلة “مودرن دبلوماسي”.
وأشار موقع “روسيا-أفريقيا مونيتور” إلى وجود عسكريين روس في ما يصل إلى تسع دول أفريقية، هي بوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى والكونغو وغينيا الاستوائية وليبيا ومدغشقر ومالي والنيجر وتوغو.
وفي المقابل، يرى الكاتب كيستر كين كلوميغاه، في مقال نشرته مجلة “مودرن دبلوماسي”، أن صعوبة الوصول إلى السوق الروسية لا تزال تمثل تحديًا رئيسيًا أمام الشركات الأفريقية، وأن آليات التمويل الروسية الموجهة إلى أفريقيا لا تزال غير واضحة، في ظل العقوبات الغربية المفروضة على المصارف الروسية.
وأضاف أن غياب خطوط الائتمان وضمانات الاستثمار قد يجعل الأجندة الاقتصادية مجرد شعارات يصعب ترجمتها إلى مشروعات عملية.
وفي حالة جنوب السودان، رأى موقع “ذي إيسترن هيرالد” أن قرار رئيس البلاد، سلفاكير ميارديت، المشاركة في القمة لا تحركه اعتبارات الاصطفاف الأيديولوجي، ولا يعني تحول جوبا نحو روسيا، خاصة أن حكومتها تلقت تاريخيًا دعمًا من واشنطن والمجتمع الدولي يفوق ما تلقته من موسكو.
وبحسب الموقع، فإن جوبا تتبع نهجًا تتبناه حكومات أفريقية عديدة مؤخرًا، يقوم على إبقاء خياراتها مفتوحة، إذ إن المشاركة في القمة “لا تكلف شيئًا ولا تغلق أبوابًا تُذكر”، بينما قد يؤدي رفض دعوة رئاسية صريحة من بوتين إلى نتائج عكسية.
ومن جانبه، لفت موقع “روسيا-أفريقيا مونيتور” إلى أن تجنيد أفارقة للقتال في الحرب الروسية الأوكرانية أصبح مصدر غضب متزايد، مع ارتفاع أعداد القتلى والجرحى والمفقودين.
وأشار الموقع كذلك إلى أن الولايات المتحدة فرضت، في الأول من أكتوبر، عقوبات على شركة الخدمات المالية الروسية “إيه 7” (A7)، التي يُتوقع مشاركتها في القمة.
وخلص الموقع إلى أن “توقع السلام من القمة الروسية الأفريقية كان في غير محله عام 2023، وسيظل كذلك عام 2026”.
في الخاتمة، يمكن القول لقد فرضت حالة العزلة التي تسعى الدول الغربية إلى فرضها على موسكو، وما رافقها من عقوبات اقتصادية، ضغوطًا دفعت روسيا إلى البحث عن بدائل جديدة لتوسيع نطاق تحركها الدولي والحد من تداعيات تلك العقوبات.
وفي هذا السياق، تبرز أفريقيا، بما تمتلكه من موارد طبيعية وأسواق واعدة، باعتبارها مجالًا مهمًا لتوسيع هامش الحركة الروسية وتعزيز حضور موسكو في القارة، في ظل انخراط قوى دولية وإقليمية عديدة في التنافس على النفوذ داخلها.
وتعتمد روسيا في تنفيذ سياساتها الأفريقية على آليات متعددة، أبرزها التعاون العسكري، والتعاون في مجال الطاقة، ومساعدة الدول الأفريقية في تحقيق الأمن الغذائي، إلى جانب توسيع العلاقات الاقتصادية والاستثمارية.
غير أن مستقبل التعاون الروسي الأفريقي، ومدى نجاح المساعي الروسية في تحقيق أهدافها، يظلان مرهونين بقدرة الجانبين على ترجمة مخرجات القمة إلى خطوات عملية على أرض الواقع، ومدى الالتزام بتنفيذ ما يتم التوصل إليه من تفاهمات واتفاقيات.
________المصادر والمراجع______________
١. رسل إحسان خليل، “الدور الروسي الجديد في القارة الأفريقية في عهد بوتين”، مجلة الدراسات الدولية، العدد 99، بغداد، 2024.
٢. “النفوذ الروسي في أفريقيا: الدوافع والاستراتيجية والأدوات”، الموقع الإلكتروني لمركز الأبعاد للدراسات الاستراتيجية:
https://dimensionscenter.net/ar/
٣. تاريخ التصفح: 30 أكتوبر 2026. “ماذا يريد بوتين من زعماء أفريقيا في قمة موسكو الثالثة؟”، موقع الجزيرة نت:
https://www.aljazeera.net/amp/news/
تاريخ التصفح: 30 أكتوبر 2026.