من يحكم إسرائيل؟.. قراءة في نتائج انتخابات “2026”

لم تكن الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر 2026 مجرد منافسة بين أحزاب تتطلع إلى تشكيل الحكومة، فقد جاءت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحرب وتداعياتها، ومستقبل القضية الفلسطينية، والعلاقة مع الولايات المتحدة، وحسابات الردع مع إيران، ومخاوف اتساع المواجهة في المنطقة. والسؤال الأهم الآن ليس فقط مَن تصدر الانتخابات؟ بل مَن يستطيع تشكيل حكومة مستقرة؟ وما السياسات التي ستتبناها هذه الحكومة؟ وهل ستتجه إسرائيل إلى مراجعة خياراتها أم ستواصل المسار نفسه بأدوات مختلفة؟

هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تحكم قراءة النتائج، بعيداً عن المبالغة في الاحتفال بانتصار لم يكتمل، أو إعلان هزيمة لم تتحول بعد إلى واقع سياسي نهائي.

نتائج لا تمنح أي طرف تفويضاً منفرداً؛

أظهرت النتائج الأولية المنشورة حتى مساء 28 أكتوبر صورة برلمانية معقدة، فقد بلغ رصيد المعسكر الذي يقوده بنيامين نتنياهو نحو 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً للمعسكر الذي يقوده جادي آيزنكوت، فيما حصدت القائمتان العربيتان معاً نحو 19 مقعداً، وفقاً للأرقام الأولية التي أُعلنت أثناء استمرار استكمال إجراءات الفرز.

ولأن الكنيست يضم 120 عضواً، فإن تشكيل حكومة تتمتع بأغلبية برلمانية يحتاج إلى 61 مقعداً على الأقل، وبذلك لم تمنح الأرقام الأولية أياً من المعسكرين القدرة على تشكيل حكومة بمفرده.

وهنا يجب التمييز بين ثلاثة أمور: (تصدر حزب أو معسكر النتائج، والقدرة على جمع أغلبية برلمانية، والقدرة على الاحتفاظ بهذه الأغلبية بعد تشكيل الحكومة)، فهذه ليست مراحل متطابقة، وقد ينجح طرف في الأولى، ثم يتعثر في الثانية أو الثالثة.

كما أن الأرقام المذكورة ليست إعلاناً نهائياً للنتائج، إذ تظل المقاعد قابلة للتغير إلى حين استكمال الفرز وإعلان النتائج الرسمية. الخلاصة السياسية، هنا أن الانتخابات أفرزت برلماناً منقسماً، ولم تحسم وحدها هوية الحكومة المقبلة أو اتجاهها.

نتنياهو أم حكومة بديلة؟ العبرة بالسياسات لا بالأسماء:

يظل بنيامين نتنياهو لاعباً رئيسياً في المشهد الإسرائيلي، لكن موقعه السياسي بعد الانتخابات يتحدد بقدرته على بناء ائتلاف قادر على الحكم، وليس بمجرد تصدر حزبه أو معسكره.

فإذا تمكن من تشكيل حكومة جديدة، فإن التحدي سيكون في إدارة التناقضات بين مكونات ائتلافه، ولا سيما في ملفات الأمن والحرب والتسويات السياسية والإنفاق العام، وكلما اتسعت الفجوة بين شركاء الائتلاف، ازدادت صعوبة اتخاذ القرارات الكبرى أو الحفاظ على استقرار الحكومة.

أما إذا نجحت القوى المناوئة له في تشكيل حكومة بديلة، فإن ذلك لن يعني تلقائياً حدوث تحول جذري في السياسة الإسرائيلية، فهناك اختلافات داخل المعارضة نفسها، وقد تتفق أطرافها على ضرورة تغيير القيادة، لكنها تختلف بشأن شكل التسوية مع الفلسطينيين، وحدود استخدام القوة، والعلاقة مع الأحزاب العربية، وأولويات الأمن والاقتصاد.

ومن الخطأ افتراض أن تغيير رئيس الحكومة يعني بالضرورة تغيير العقيدة الأمنية أو إنهاء الصراع، فقد تتغير اللغة السياسية وتتبدل التحالفات، بينما تظل بعض السياسات الأساسية قائمة.

ولذلك، فإن معيار الحكم على أي حكومة مقبلة يجب أن يكون ما تتخذه من قرارات فعلية. هل تفتح مساراً سياسياً جاداً؟ هل تحد من التوسع الاستيطاني؟ هل تتعامل مع حقوق الفلسطينيين باعتبارها جزءاً من الحل؟ وهل تخفف احتمالات التصعيد الإقليمي أم توسعها؟ هذه هي الأسئلة التي تكشف حقيقة التغيير، لا الشعارات الانتخابية وحدها.

الأحزاب العربية.. وزن انتخابي وفرصة سياسية مشروطة:

يمثل الأداء القوي للقائمتين العربيتين تطوراً مهماً في الخريطة البرلمانية الإسرائيلية، ويمنحهما وزناً لا يمكن تجاهله عند حساب فرص تشكيل الحكومة.

لكن امتلاك المقاعد لا يعني بالضرورة القدرة على تحويلها إلى تأثير مباشر في القرار التنفيذي، فذلك يتوقف على استعداد القوى الأخرى للتفاوض، وعلى موقف الأحزاب العربية من المشاركة في الحكومة أو دعمها من الخارج، وعلى طبيعة التفاهمات التي يمكن التوصل إليها.

وهنا تظهر مفارقة واضحة: قد تكون الأصوات العربية مؤثرة في الحسابات العددية، بينما تصطدم مشاركتها في ترتيبات الحكم برفض أو تحفظ من قوى إسرائيلية أخرى.

ومع ذلك، لا ينبغي اختزال أهمية هذه النتائج في مسألة تشكيل الحكومة فقط، فهي تعكس أيضاً حضور المواطنين العرب داخل النظام السياسي الإسرائيلي، وتعيد طرح أسئلة المساواة والتمثيل والمشاركة في صنع القرار.

أما من منظور عربي أوسع، فإن المطلوب هو قراءة هذا التطور بواقعية، فلا يصح افتراض أن زيادة التمثيل البرلماني ستؤدي وحدها إلى تغيير السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، كما لا يصح تجاهل ما قد يتيحه هذا الوزن من فرص للتأثير في بعض الملفات. فالتمثيل السياسي يفتح أبواباً، لكنه لا يضمن وحده تغيير الاتجاهات.

غزة والضفة الغربية.. الاختبار الحقيقي للحكومة المقبلة:

ستظل القضية الفلسطينية المعيار الأهم لقياس اتجاه السياسة الإسرائيلية بعد الانتخابات، لأن نتائجها لن تبقى محصورة داخل حدود إسرائيل، بل ستنعكس على الأمن والاستقرار في المنطقة بأكملها.

في قطاع غزة، تتعلق الأسئلة الأساسية بوقف العمليات العسكرية، وحماية المدنيين، وإدخال المساعدات، وإعادة الإعمار، وترتيبات إدارة القطاع وأمنه. وهذه ملفات لا يمكن حسمها بالشعارات، بل تحتاج إلى تفاهمات واضحة وضمانات وآليات تنفيذ قابلة للاستمرار.

أما في الضفة الغربية، فإن الاستيطان وأوضاع المدن والقرى الفلسطينية والتوترات الأمنية ومخاطر التهجير تظل عوامل قادرة على إشعال موجات جديدة من التصعيد، وأي حكومة تتجاهل هذه الملفات قد تجد نفسها أمام أزمة متجددة، حتى لو نجحت في تحقيق هدوء مؤقت.

ومن الضروري هنا ألا نخلط بين إدارة الصراع وتسويته، فقد تنجح حكومة في خفض مستوى المواجهة لفترة، لكن ذلك لا يعني أنها وضعت أساساً لحل دائم، كما أن الإجراءات الأمنية وحدها لا تستطيع معالجة جذور أزمة سياسية ممتدة.

إن غياب أفق سياسي واضح يبقي المنطقة معرضة لموجات متكررة من العنف، ويجعل أي تهدئة عرضة للانهيار عند أول اختبار جدي.

ومن ثم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضراً هو: هل ستتعامل الحكومة المقبلة مع القضية الفلسطينية باعتبارها أزمة مطلوباً احتواؤها مؤقتاً، أم باعتبارها قضية تحتاج إلى مسار سياسي عادل ومستدام؟

إيران ولبنان.. هل تتراجع احتمالات التصعيد؟

لا يمكن قراءة الانتخابات الإسرائيلية بمعزل عن الحسابات الأمنية المرتبطة بإيران ولبنان، وما يتصل بهما من توازنات إقليمية واحتمالات للمواجهة.

فأي حكومة إسرائيلية ستواجه معادلة معقدة، وهي: (الحفاظ على الردع، وتجنب حرب واسعة ذات كلفة بشرية واقتصادية مرتفعة، وإدارة العلاقة مع الولايات المتحدة، ومنع انتقال المواجهة إلى جبهات متعددة).

وقد تدفع الضغوط الداخلية بعض القوى إلى تبني خطاب أمني أكثر تشدداً، لكن الخطاب لا يكفي وحده للتنبؤ بقرار الحرب، فالحسابات الفعلية تتأثر بالقدرات العسكرية، والاستعدادات المقابلة، والموقف الأمريكي، والتكلفة الاقتصادية، واحتمالات اتساع المواجهة.

ولهذا، فإن أي تقدير استراتيجي مسؤول ينبغي أن يميز بين التصريحات السياسية، والاستعدادات العسكرية الملموسة، والقرارات التي تُتخذ بالفعل، فلا يجوز بناء توقعات حاسمة على تصريحات منفردة أو مؤشرات غير مكتملة.

وفي جميع الأحوال، فإن استمرار التوتر دون مسار سياسي واضح يرفع مخاطر سوء التقدير، ويجعل حادثاً محدوداً قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع.

الولايات المتحدة.. تأثير كبير لا يلغي الحسابات الإسرائيلية:

تظل الولايات المتحدة شريكاً أساسياً لإسرائيل في مجالات الأمن والتسليح والدعم السياسي، وهو ما يجعل موقف الإدارة الأمريكية عنصراً مؤثراً في خيارات أي حكومة مقبلة.

لكن هذا التأثير لا يعني أن واشنطن تتحكم في كل قرار إسرائيلي، كما لا يعني أن الدعم الأمريكي سيستمر بلا حدود أو شروط، فالإدارة الأمريكية تتحرك بدورها وفق حسابات داخلية ومصالح إقليمية وتوازنات دولية، وقد تختلف أولوياتها عن أولويات الحكومة الإسرائيلية في بعض الملفات.

ومن هنا، فإن العلاقة بين الطرفين ستظل ساحة للتنسيق والضغط والتفاوض، لا علاقة خالية من الاختلاف. وفي المقابل، تحتاج الدول العربية إلى تنسيق مواقفها وتحديد أولوياتها بوضوح، مع الاستفادة من القنوات الدبلوماسية والعلاقات الدولية لدعم الحقوق الفلسطينية وحماية الاستقرار ومنع فرض وقائع جديدة بالقوة.

ولا ينبغي أن يتحول الرهان على تغيير الإدارة أو الحكومة إلى بديل عن امتلاك رؤية عربية واضحة وأدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية قادرة على التأثير.

السيناريوهات المقبلة.. ما الذي ينبغي مراقبته؟

في ضوء المعطيات الأولية، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية، مع التأكيد أن أياً منها لا يمثل نتيجة محسومة.

(*) السيناريو الأول،- نجاح نتنياهو في تشكيل حكومة: يتوقف ذلك على قدرته على جمع العدد الكافي من المقاعد والتوفيق بين مطالب حلفائه، وإذا تحقق هذا المسار، فستكون الأولوية لمراقبة مدى قدرة الحكومة على الاستمرار، ومدى تأثير مكونات الائتلاف في القرارات الأمنية والسياسية.

(*) السيناريو الثاني،- تشكيل حكومة بديلة: يتطلب هذا المسار اتفاق قوى متباينة على برنامج قابل للتنفيذ، وليس الاكتفاء بالاتفاق على رفض استمرار نتنياهو. وستكون الاختبارات الأصعب هي المواقف من الأحزاب العربية، والسياسة تجاه الفلسطينيين، والعلاقة مع الولايات المتحدة، والملفات الأمنية.

(*) السيناريو الثالث،- استمرار التعثر السياسي: إذا عجزت المعسكرات عن بناء أغلبية مستقرة، فقد تدخل إسرائيل في مفاوضات مطولة أو ترتيبات حكومية هشة، ومثل هذا الوضع قد يحد من القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية كبيرة، لكنه لا يعني بالضرورة توقف القرارات الأمنية أو الممارسات الميدانية.

ويمكن متابعة هذه السيناريوهات من خلال مؤشرات عملية، أهمها: (نتائج الفرز النهائي، ومواقف الأحزاب من التحالفات، وهوية المرشح الذي يحظى بفرصة تشكيل الحكومة، وطبيعة الاتفاقات الائتلافية، وأول القرارات المتعلقة بغزة والضفة الغربية وإيران). فالمؤشرات العملية أكثر دلالة من التصريحات الاحتفالية التي تلي الانتخابات.

ماذا تعني الانتخابات للأمن القومي المصري؟

تتعامل مصر مع التطورات الإسرائيلية من منظور استراتيجي يتجاوز أسماء القادة ونتائج الأحزاب، فالمعيار الأساسي هو أثر السياسات الإسرائيلية في الأمن القومي المصري، واستقرار الحدود، والقضية الفلسطينية، وأمن المنطقة. وتفرض هذه المرحلة عدداً من الأولويات على النحو التالي:

١- استمرار التحرك السياسي والدبلوماسي: ينبغي الحفاظ على الاتصالات مع الأطراف المؤثرة، ودعم الجهود الرامية إلى وقف التصعيد، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ومنع اتساع المواجهة.

٢- متابعة السياسات الفعلية للحكومة المقبلة: من الضروري تقييم القرارات المتعلقة بغزة والضفة الغربية، وأي تحركات تمس الحدود أو تزيد احتمالات التهجير أو تفتح جبهات جديدة، فالمواقف المعلنة مهمة، لكن القرارات والتنفيذ هما المعيار الحقيقي.

٣- الحفاظ على الجاهزية وحساب المخاطر: تقتضي طبيعة البيئة الإقليمية متابعة التطورات الأمنية والعسكرية، وتقدير انعكاساتها المحتملة، والاستعداد للسيناريوهات المختلفة، دون تهويل أو افتراضات غير مدعومة.

٤- تعزيز التنسيق العربي والدولي: كلما كانت المواقف أكثر وضوحاً وتنسيقاً، زادت فرص التأثير في مسارات الأزمة والحد من القرارات الأحادية التي تهدد الاستقرار.

٥- ربط الأمن بالاقتصاد والمجتمع: فالتصعيد الإقليمي لا يقتصر أثره على المجال العسكري، بل قد يمتد إلى حركة التجارة والطاقة والنقل والاستثمار، ويزيد الضغوط على الاقتصادات والمجتمعات، ولذلك فإن الاستعداد الاقتصادي وإدارة المخاطر جزء لا يتجزأ من الأمن القومي.

ومصر، بما تملكه من ثقل سياسي وخبرة في التعامل مع أزمات المنطقة، مطالبة بمواصلة دورها المتوازن لحماية مصالحها الوطنية، ودعم الحقوق الفلسطينية، والعمل على منع اتساع الصراع، مع الحفاظ على القدرة على التعامل مع مختلف الاحتمالات.

في النهاية، ما بعد الانتخابات أهم من الانتخابات نفسها، حيث تكشف الانتخابات الإسرائيلية عن مشهد سياسي منقسم، لا عن تفويض حاسم لطرف واحد، وقد أظهرت النتائج الأولية تقدم معسكر نتنياهو من دون بلوغ الأغلبية المطلوبة، كما منحت الأحزاب العربية وزناً برلمانياً لافتاً، لكن الطريق إلى تشكيل الحكومة ما زال مرتبطاً باستكمال النتائج والتفاهمات السياسية.

والأهم أن تغيير موازين المقاعد لا يعني بالضرورة تغيير السياسات، فالمعيار الحقيقي سيكون في اتجاه الحكومة المقبلة تجاه القضية الفلسطينية، وفي كيفية إدارتها للعلاقة مع الولايات المتحدة، وفي قراراتها بشأن إيران ولبنان، وفي قدرتها على تجنب تصعيد جديد يهدد المنطقة.

ومن منظور الأمن القومي المصري، لا ينبغي بناء التقدير على التمنيات أو المخاوف وحدها، بل على متابعة دقيقة للوقائع، وفهم المصالح، وقراءة موازين القوى، والاستعداد للسيناريوهات المحتملة. فالاستراتيجية الناجحة لا تقوم على التنبؤ بما نريد أو نخشى، بل على فهم ما يحدث، ومتابعة ما يتغير، والاستعداد لما قد تفرضه الأحداث.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى