سيناريوهات ثلاثة.. تداعيات تحولات أمن البحر الأحمر على المصالح الجيواستراتيجية المصرية

تُعد منطقة جنوب البحر الأحمر والقرن الأفريقي واحدة من أكثر الأقاليم الجيوسياسية حساسية في الاستراتيجية العالمية، حيث تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى وتتداخل فيها تفاعلات الفاعلين من الدول ومن غير الدول. ولم تعد التطورات المتسارعة على ضفتي الممر المائي -المتمثلة في التنافس العسكري في القرن الأفريقي والتصعيد الصاروخي العابر للحدود في اليمن- أزمات منعزلة، بل أصبحت تشكل بيئة أمنية مركبة ومرتبطة بشكل عضوي بالأمن القومي المصري وبوابته الجنوبية المتمثلة في مضيق باب المندب.
يستهدف هذا التحليل قراءة مصفوفة التهديدات الناشئة عبر مقاربة استشرافية تفكك مسارات الصراع الراهنة، مستندة إلى صياغة ثلاثة سيناريوهات مستقبلية محتملة: تتراوح بين حدها الأقصى المتمثل في التدويل الكامل والعسكرة المفرطة للممرات المائية، والسيناريو المرجح القائم على توازنات الردع والوساطة، وصولاً إلى السيناريو المتفائل المرتكز على مأسسة الأمن الجماعي للدول المشاطئة. ونحاول الإجابة على تساؤل كيف تؤثر هذه المسارات المستقبلية على المصلحة الجيواستراتيجية والاقتصادية للدولة المصرية، واستدامة حركة المرور العابر في قناة السويس.
تتمثل المحددات الحاكمة للمصلحة الاستراتيجية المصرية في الحيلولة دون تحول الضفة المقابلة للبحر الأحمر إلى منصة لاستهداف الملاحة الدولية، ومنع وقوع المضايق الحاكمة تحت سيطرة فاعلين من غير الدول أو قوى إقليمية منافسة؛ تفادياً لفرض واقع جيوسياسي جديد يهدد حركة المرور العابر في قناة السويس، ويقوض مرتكزات الأمن القومي في دائرة اهتمامه الجنوبية. وفي ضوء البيئة الأمنية المعقدة والمتشابكة في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
أبعاد التهديد المركب للأمن القومي المصري:
ينطلق المنظور الاستراتيجي المصري من فرضية “ترابط الدوائر الأمنية”، حيث يتداخل التهديد في القرن الأفريقي مع معضلات الأمن البحري في جنوب البحر الأحمر وفق عدة محاور:
1. معادلة الأمن المائي والبحري: يثير الطموح الإثيوبي للوصول إلى مياه البحر الأحمر وإيجاد منفذ بحري لها مخاوف مصر من بناء قدرات بحرية عسكرية لأديس أبابا على الساحل الإريتري أو الصومالي. هذا الوجود العسكري المحتمل يمنح إثيوبيا قدرة على ممارسة النفوذ في ملفين حيويين متزامنين، الأمن المائي (السد الاثيوبي) والأمن البحري (قناة السويس)، مما يعزز من أوراق الضغط الاستراتيجي ضد مصر.
2. عسكرة الإقليم وتدويل الأمن البحري: تزايد الهجمات بالصواريخ البالستية والمسيّرات في اليمن يدفع القوى الإقليمية والدولية إلى البحث عن أطر دفاعية متعددة الأطراف لحماية أمن الطاقة والملاحة. هذا التدويل التدريجي وتعدد القواعد العسكرية الأجنبية يقلصان من الوزن النسبي للدول المشاطئة، ويتعارضان مع العقيدة الأمنية المصرية التي تُعطي الأولوية لسيادة الدول الشاطئية في إدارة أمن الإقليم.
3. الأثر الاقتصادي المباشر: يرتبط الأمن القومي المصري بالاستقرار المالي ارتباطاً عضوياً. وأي اضطراب في مضيق باب المندب يترجم مباشرة إلى تحول في مسارات التجارة العالمية نحو طريق رأس الرجاء الصالح، مما يتسبب في انخفاض حاد في عوائد قناة السويس ويضاعف الضغوط الاقتصادية الهيكلية على الدولة.
السيناريوهات الثلاثة:
يفرض المنظور الجيوسياسي القائم على استشراف المستقبل بناء مصفوفة سيناريوهات بديلة للاستقرار الأمني في حوض البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تتراوح المسارات المحتملة للسياسة الخارجية والأمنية المصرية بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
(*) السيناريو الأول،- تفاقم التدويل وعسكرة المضايق (السيناريو الأسوأ): ينبثق هذا السيناريو من فرضية عجز الدول المشاطئة عن احتواء الأزمات المتزامنة، مما يؤدي إلى اتساع رقعة الصراع الإقليمي.
• مسار الأحداث: ينجح الطرف الحوثي في تثبيت معادلة ردع صاروخي مستدامة تهدد المنشآت الحيوية في العمق الخليجي وحرية الملاحة في باب المندب، بالتوازي مع نجاح إثيوبيا في انتزاع موطئ قدم عسكري دائم على الساحل الإريتري إثر مواجهة مسلحة. يدفع هذا الوضع نحو تدخل عسكري واسع لقوى إقليمية ودولية (تحالفات موازية تشمل أطرافاً مثل تركيا، باكستان، وقوى غربية) لفرض مظلات حماية دائمة.
• التداعيات على مصر: تحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع دولي مفتوح وعسكرة مفرطة خارج الأطر الإقليمية، مما يؤدي إلى تراجع هيكلي ومستدام في عوائد قناة السويس نتيجة لجوء خطوط الملاحة العالمية لطرق بديلة هرباً من مخاطر العمليات العسكرية.
(*) السيناريو الثاني،– توازن الردع والوساطة المتوازنة (السيناريو المرجح): يقوم هذا السيناريو على فرضية نجاح المقاربة المصرية القائمة على “إدارة الأزمات المتقاطعة دون الانخراط العسكري المباشر”.
• مسار الأحداث: تستمر المناوشات العسكرية والضربات المتبادلة دون حسم مطلق على الجبهتين (الإثيوبية-الإريترية، والسعودية-الحوثية). تلجأ القاهرة إلى تفعيل دبلوماسية وقائية نشطة مدعومة بترتيبات أمنية مع أسمرا والقوى اليمنية الشرعية المرابطة في الساحل الغربي (المخا)، مع الحفاظ على قنوات اتصال خلفية وغير مباشرة مع طهران وصنعاء لضبط الأمر في مضيق باب المندب.
• التداعيات على مصر: الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار البحري وضمان عدم تجاوز الأطراف المتصارعة للخطوط الحمراء المصرية. يتيح هذا السيناريو استمرار تدفق الملاحة في قناة السويس بمعدلات مقبولة، مع بقاء أوراق الضغط المصرية فاعلة لمحاصرة الطموحات العسكرية لأديس أبابا في القرن الأفريقي.
(*) السيناريو الثالث،- مأسسة الأمن الإقليمي والدبلوماسية الجماعية (السيناريو المتفائل): يتأسس هذا السيناريو على فرضية إدراك الأطراف الإقليمية الفاعلة لعدم جدوى الحلول العسكرية وتحولها نحو الأطر المؤسسية.
• مسار الأحداث: تؤدي الضغوط الاقتصادية والتكلفة العسكرية الباهظة إلى دفع السعودية والحوثيين نحو تسوية شاملة، تزامناً مع تراجع الزخم العسكري الإثيوبي بفعل الضغوط الدولية والداخلية، وقبول أديس أبابا بصيغة منفذ بحري تجاري صرف يخضع بالكامل لسيادة الدولة المضيفة. يتم بناءً على ذلك إحياء وتفعيل “مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن” كآلية وحيدة وحصرية لإدارة أمن الممر المائي.
• التداعيات على مصر: يمثل هذا المسار البيئة المثالية للأمن القومي المصري؛ حيث يستعيد العمل الجماعي للدول المشاطئة بريادته، وتتلاشى مبررات التواجد العسكري الأجنبي، ويتحقق تأمين مستدام للبوابة الجنوبية لقناة السويس، مما ينعكس إيجاباً على الاستقرار الاقتصادي والجيوسياسي لمصر.
بنًاء على ما تقدم من استشراف لمستقبل الإقليم، يظهر جلياً أن أمن البحر الأحمر لم يعد قابلاً للتجزئة، وأن الاستقرار الجيوسياسي للدولة المصرية يظل رهناً بطبيعة التحولات الجارية في مضيق باب المندب وجواره الأفريقي. لقد كشفت السيناريوهات المطروحة أن استمرار حالة السيولة الأمنية والتدويل غير المنضبط للممر المائي يحمل كلفة اقتصادية واستراتيجية باهظة ومباشرة على العوائد السيادية لقناة السويس من ناحية وعلى الأمن القومي للدول المتشاظئة من جهة أخرى، مما يفرض على صانع القرار الاستراتيجي المصري ضرورة الانخراط لمنع تحول التهديدات المحتملة إلى واقع مفروض.
ختامًا، يعتمد الحل الأفضل لمصر في الوقت الحالي على تحقيق توازن ذكي؛ فمن ناحية، تحتاج إلى حماية أمنها وعقد شراكات متينة مع جيرانها في القرن الأفريقي مثل إريتريا والصومال، ومن ناحية أخرى، التمسك بالتعاون المشترك بين الدول المطلة على الممر الملاحي كهدف دائم يعيد للمنطقة توازنها. إن محاصرة طموحات القوى العسكرية الناشئة وضبط إيقاع العمليات العسكرية للفاعلين من غير الدول هما الركيزتان الأساسيتان لحماية المصلحة الحيوية المصرية، وضمان بقاء البحر الأحمر ممرًا آمنًا للتجارة العالمية بعيداً عن صراعات النفوذ وتدويل الممرات.