حسم أم استنزاف؟.. حدود تأثير المسيرات على حرب إثيوبيا

أعلنت وكالة الاستخبارات والأمن الإثيوبية في 30 سبتمبر 2026 تعليق إصدار التصاريح الخاصة بتشغيل الطائرات المسيرة في العاصمة أديس أبابا والمناطق المحيطة بها. وتكشف الضربات المتبادلة بين الحكومة الإثيوبية وتحالف المعارضة المسلحة عن تحول كبير في أدوات الاشتباك، خاصة مع دخول المسيرات على خط المعركة بشكل أكبر بعد تنفيذ هجوم مسير استهدف قاعدة جوية في مدينة بيشوفتو الواقعة على بعد نحو 40 كيلومترًا من العاصمة، إذ لم تعد المسيرات مجرد ترسانة عسكرية بل أصبحت أداة لحسم الصراعات الداخلية ومواجهة الجماعات المسلحة في الدول الإفريقية، خاصة منذ حرب تيجراي 2020.
وقد سعت الحكومة الإثيوبية إلى تطوير ترسانتها العسكرية من المسيرات، ففي 8 مارس 2025 أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عن افتتاح مصنع “سكاي وين” للصناعات الجوية، وهو أول مصنع متخصص في إنتاج الطائرات المسيرة محلية الصنع.
وتأسيسًا على ما سبق، يسعى هذا التحليل للتعرف على القدرات العسكرية للطرفين وخاصة ترسانة المسيّرات ومصادرها، ومدى قدرتها على حسم المعركة بين الطرفين.
تطور لافت
يتعامل آبي أحمد منذ حرب تيجراي مع الطائرات المسيرة باعتبارها جزء من العقيدة العسكرية الإثيوبية وليست مجرد سلاح طارئ مرتبط بظروف الحرب، لما تمتلكه من قدرة على قمع المتمردين وقدرات سريعة على الانتشار في مناطق متفرقة، فقد لعبت الطائرات التركية دورًا مهمًا في وقف تقدم قوات تيجراي عام 2021، عندما أصبحت القوات الحكومية مهددة بفقدان السيطرة على مناطق واسعة واقتربت قوات تيجراي من أديس أبابا.
وعند النظر إلى القدرات العسكرية للطرفين، نجد أن الحكومة الإثيوبية تمتلك ترسانة متنوعة من الأسلحة الأرضية والجوية باعتبارها تمتلك كل القدرات الدفاعية للدولة، على عكس القوات المعارضة التي اتبعت منذ اللحظة الأولى للصراع حرب العصابات وانسحبت خارج المناطق الحضرية بعد تقدم ميداني سريع في أقاليم تيجراي وعفر وأمهرة، لذا فإن الحكومة الإثيوبية تمتلك القدرات وأهم ما يميزها هو المسيرات المسلحة، فقد بنت أديس أبابا خلال السنوات الأخيرة ترسانة متنوعة من الطائرات المسيّرة، مستفيدة من تعدد مصادر التسليح، حيث تستخدم القوات الإثيوبية طائرات Bayraktar TB2 التركية، وWing Loong الصينية، وMohajer-6 الإيرانية، إلى جانب حصولها على الطائرة التركية الأكثر تطورًا Bayraktar Akıncı، كما تمتلك القوات الجوية الإثيوبية مقاتلات وقوة جوية محدودة، وهو ما يمنحها قدرة لا يمتلكها التحالف المعارض.
|
المنظومة |
الطرف | المصدر | طبيعة الاستخدام |
|
Bayraktar TB2 |
الحكومة الإثيوبية |
تركيا |
استطلاع وضربات دقيقة |
|
Bayraktar Akıncı |
الحكومة الإثيوبية |
تركيا |
ضربات بعيدة المدى وحمولة أكبر |
|
Wing Loong |
الحكومة الإثيوبية |
الصين |
استطلاع وقتال |
|
Mohajer-6 |
الحكومة الإثيوبية |
إيران |
استطلاع وقتال |
|
مسيّرات محلية |
الحكومة الإثيوبية |
تصنيع/تجميع داخل إثيوبيا مع مكونات وتقنيات خارجية |
استطلاع ومهام عسكرية |
| مسيّرات صغيرة/انتحارية | التحالف المعارض | غير معلوم |
ضربات في العمق واستهداف منشآت عسكرية |
من إعداد الباحثة بالإعتماد على بيانات أكليد والمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية
ولا يقتصر التفوق الحكومي على استيراد الطائرات المسيّرة، إذ بدأت إثيوبيا في بناء قاعدة إنتاج محلية، ففي 8 مارس 2025 أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد عن بدء إثيوبيا في تصنيع المسيرات محليًا، للاستخدامين المدني والعسكري، في خطوة وصفها بأنها “إنجاز مهم” لتعزيز القدرات التكنولوجية والدفاعية لبلاده، وتزامن هذا الإعلان مع افتتاح مصنع “سكاي وين” للصناعات الجوية، وهو أول منشأة متخصصة في إنتاج المسيرات داخل إثيوبيا. ويأتي في إطار مساعي الحكومة لتعزيز الإنتاج المحلي في المجالات التقنية المتقدمة، حيث أصبح بإمكان إثيوبيا إنتاجها بقدرات متنوعة.
كما تم افتتاح مصنع Aeroabay في أواخر عام 2025، وفقًا لمدير مشروع نزع السلاح بمنظمة السلاح الهولندية Wim Zwijnenburg، وينتج المصنع آلاف الطائرات المسيرة المسلحة الصغيرة التي تتراوح تكلفتها بين 5000 دولار و10000 دولار لكل منها. ووفقًا لمنصة ACLED المعنية بتتبع النزاعات، نفذت القوات الفيدرالية 102 غارة جوية بطائرات بدون طيار في منطقة أمهرة الشمالية منذ بدء تمرد ميليشيا فانو في أبريل 2023، كما نشرتها ضد المتمردين في ولاية أوروميا مسقط رأس آبي أحمد، وشهدت منطقة تيغراي خلال عام 2026 ما لا يقل عن 14 غارة جوية بطائرات بدون طيار – سبع منها في شهر أغسطس وحده.
في المقابل، لا يمتلك التحالف المعارض حتى الآن ترسانة معلنة ومؤكدة تكافئ هذه المنظومة من حيث الحجم أو التنوع، إلا أن التطور اللافت ظهر في 30 سبتمبر 2026 عندما بدأت تقارير تتحدث عن حملة من الضربات المسيرة استهدفت مطارات ومنشآت عسكرية في مناطق مختلفة، بينها مطارات بشوفتو وكومبولتشا وسِمِرا، ثم وصلت الضربات إلى العاصمة أديس أبابا، حيث سُمعت انفجارات بالقرب من مواقع عسكرية بينها مقر القوات المسلحة الإثيوبية وأفادت تقارير بأن الدفاعات الجوية أسقطت بعض المسيرات.
المسيرات ومستقبل حسم الصراع
على الرغم من امتلاك الحكومة لترسانة عسكرية متنوعة من الأسلحة، إلا أن هذه الحرب تختلف كثيرًا عن التجربة الماضية، ففي الحرب الماضية انفردت أديس أبابا وحدها بالقدرة على استخدام المسيرات بصورة واسعة ضد قوات تيجراي وفانو، ومع ذلك فلم تستطع الحكومة إنهاء مصادر التمرد بشكل جذري، فطبيعة الجماعات المسلحة وانتشارها في مناطق جبلية متفرقة وريفية واتباع حرب العصابات، كل ذلك يجعل من تدمير الأهداف جويًا مختلف عن السيطرة الميدانية.
ويظهر ذلك بوضوح في التطورات الحالية، فبعد أسابيع من التصعيد والضربات الجوية، تمكنت القوات الحكومية من استعادة مطار ميكيلي ثم دخول العاصمة الإقليمية في 4 أكتوبر 2026، بينما أعلنت قوات تيجراي انسحابها لتجنب تدمير المدينة وهو ما يؤكد أن السيطرة على الأرض لا تزال العامل الحاسم في تحديد نتائج المعركة.
وعليه، فإن الدرونز تمنح الحكومة قدرة كبيرة على الاستطلاع والاستهداف الدقيق لكنها لا تستطيع وحدها تحقيق الحسم الذي يرتبط بتأمين المدن والطرق أو فرض السيطرة على المناطق التي تنسحب منها القوات المعارضة. وفي المقابل فإن تحالف المعارضة المسلحة يستخدم المسيّرات لضرب منشآت وقواعد جوية، لكنه يحتاج إلى يفتقر لقوات برية كبيرة قادرة على استغلال نتائج الضربة والحفاظ على الأراضي التي يتم الاستيلاء عليها.
ومع ذلك، فإن امتلاك التحالف القدرة على تنفيذ ضربات في العمق يحد من إمكانية استخدام الحكومة للمسيرات في حسم المعركة، فبدلًا من اعتماد الحكومة عليها في إنهاء التمرد، أصبحت مطالبة بحماية المنشآت العسكرية والمطارات ومراكز القيادة من الهجمات المضادة.
ويجعل امتلاك تحالف المعارضة لقوة مسيرة، الحكومة تخوض حربًا أكثر تكلفة واتساعًا، فالمسيرة الرخيصة نسبيًا وإن كانت غير قادرة على تحقيق انتصارات إلا إنها تجبر الحكومة على تشغيل دفاعات جوية وتغيير تمركزها.
ختامًا، تكشف التطورات الأخيرة أن امتلاك المسيرات وحده لم يعد كافيًا لحسم الصراع في إثيوبيا، لكنه يساهم في إعادة تشكيل الصراع، فالتفوق الجوي والتكنولوجي للحكومة عن التحالف المعارض يمنحها قدرة أكبر على استهداف مواقع الجماعات المسلحة، إلا أنه في الوقت نفسه لا يضمن حسم المعركة على الأرض وتحقيق السيطرة الكاملة. وفي المقابل، يمثل دخول المسيرات إلى ترسانة التحالف المعارض تحولًا نوعيًا لأنه يتيح تهديد العمق العسكري وإجبار الحكومة على توزيع مواردها بين الهجوم والدفاع. ومن ثم، فإن الحسم لن تحدده المسيرات فقط وإنما قدرة كل طرف على دمجها مع القوات البرية والاستخبارات واللوجستيات، وهو ما يرجح استمرار الصراع أكثر من حسمه سريعًا.