الدولة والمواطن والنخبة.. “رع” يناقش معادلة بناء مصر المستقبل في لقاء الأربعاء

زغلول: استعادة الهوية والقدوة والقناعة ضرورة لتحصين المجتمع في مواجهة الأزمات

الدسوقي: بناء الإنسان وتعزيز الإدراك والولاء والانتماء أساس مواجهة التحديات الداخلية والخارجية

الإسناوي: المطلوب الانتقال من تشخيص الأزمات إلى سياسات قابلة للتنفيذ تساعد الدولة في صناعة القرار

عبد الحميد كمال: غياب متابعة التوصيات واتساع الفجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة يضعف الثقة العامة

باحثو “رع” يناقشون التجربة الصينية ودور الإعلام والتعليم والبحث العلمي والمناخ السياسي في بناء الوعي

كتبت اللقاء: سناء عوض الله. حررته: ريهام السادات 

في إطار لقاء الأربعاء، عقد مركز رع للدراسات الاستراتيجية، يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، حلقة نقاشية بعنوان “مصر المستقبل.. مسؤولية أبنائها”، تحت عنوان فرعي “رؤية وطنية لدور المواطن والنخبة في بناء الدولة”، بمشاركة عدد من الخبراء والمتخصصين والباحثين في الشؤون السياسية والاستراتيجية، لبحث التحديات التي تواجه الدولة المصرية، وإمكانية الاستفادة من الخبرات التاريخية والتجارب الدولية في صياغة رؤى وسياسات تعزز قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات.

شارك في مناقشات الحلقة اللواء د. أحمد زغلول مهران، المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، ومساعد رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية سابقا، واللواء د. محمد الدسوقي سيد، كبير الهيئة الاستشارية العليا لمركز رع للدراسات الاستراتيجية، ورئيس جهاز الأمن الحربي السابق.

وأدار الحلقة النقاشية د. أبو الفضل الإسناوي، المدير الأكاديمي لمركز رع للدراسات الاستراتيجية.

وشهدت الحلقة حضور الدكتور عبد الحميد كمال، خبير شؤون المحليات وعضو مجلس النواب السابق، والدكتورة نورهان العباسي، النائب الأول لمدير مركز رع للدراسات، والدكتورة هند المحلي، نائب مدير المركز للبرامج البحثية، والدكتور محمد أبو سريع، المستشار الاقتصادي للمركز، والدكتور حسام البقيعي، كبير الباحثين، والدكتورة جيهان عبد الرحمن، مدير برنامج دراسات البحر الأحمر وأفريقيا، والأستاذة رضوى محمد، مدير وحدة الدراسات المصرية، والأستاذة ريهام السادات، مدير برنامج التحولات الداخلية، والدكتور محمود صلاح، الباحث بالمركز، وسناء عوض الله، الباحثة بالمركز، وزياد مصطفى، الباحث بالمركز.

كما شارك من الضيوف المستشار حازم جاد، خبير القانون الدولي والسياسات العامة، والدكتور حمدي محمود، خبير إدارة الأزمات، وفريدة حمدي.

من التشخيص إلى السياسات:

استهل الدكتور أبو الفضل الإسناوي الحلقة بتحديد الإطار العام للمناقشة، انطلاقا من طبيعة الدور الذي يؤديه مركز رع للدراسات الاستراتيجية باعتباره مركزا فكريا وتنويريا، لا تتوقف مهمته عند رصد الأحداث وتحليلها، وإنما تمتد إلى تقديم رؤى وتوجيهات استراتيجية وبدائل للسياسات العامة، بما يساعد مؤسسات الدولة وصناع القرار على التعامل مع التحديات الراهنة.

وانطلق تقديم الحلقة من سؤال رئيسي يتعلق بمسؤولية بناء المستقبل المصري، وما إذا كانت هذه المسؤولية تقع على مؤسسات الدولة وحدها، أم أن المواطن والنخب السياسية والفكرية والثقافية والإعلامية والقطاع الخاص شركاء في تحملها.

وركز الإسناوي على أهمية الانتقال من عرض المشكلات إلى البحث عن السياسات التي يمكن أن تساعد الدولة المصرية في مواجهتها، من خلال الاستفادة من الدروس التاريخية والمواقف الحياتية والخبرات العملية، وتحويل ما يطرحه الخبراء والمتخصصون إلى توجهات عملية تتجاوز حدود النقاش النظري.

وفي هذا السياق، طرح الإطار العام للحلقة ضرورة البحث في طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن والنخبة، وكيف يمكن استعادة الثقة وتعزيز الهوية الوطنية، وإعادة الاعتبار لدور التعليم والإعلام والمؤسسات الاجتماعية في بناء الإنسان المصري، باعتباره العنصر الحاسم في قدرة الدولة على مواجهة التحديات.

كما امتدت المناقشة إلى أهمية بناء شبكة من الخبراء والمتخصصين والباحثين، تكون نواة فكرية تتفرع منها مسارات متعددة لدعم الدولة المصرية، خاصة في ظل الموقع الجغرافي الحساس لمصر، وما تشهده المنطقة من صراعات وتوترات متلاحقة.

ومن هذا المنطلق، انتقلت الحلقة إلى استدعاء التجربة المصرية في حرب أكتوبر 1973، ليس باعتبارها انتصارا عسكريا فحسب، وإنما باعتبارها نموذجا لقدرة الدولة والمجتمع على تجاوز الهزيمة، وإعادة بناء الثقة وتحويل الأزمات إلى فرص للصمود والانتصار.

زغلول.. عبقرية تجاوز الهزيمة:

في بداية المناقشات، أكد اللواء د. أحمد زغلول مهران أن مصر تواجه تحديات كبيرة في منطقة جغرافية شديدة التعقيد، الأمر الذي يستدعي استعادة الدروس التاريخية التي أثبتت قدرة الدولة المصرية على مواجهة الأزمات، وفي مقدمتها تجربة حرب أكتوبر 1973.

وأوضح أن الحديث عن أكتوبر لا ينبغي أن يقتصر على استعراض العمليات العسكرية، وإنما يجب أن يمتد إلى الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي سبقت الحرب، وكيف استطاعت مصر الانتقال من هزيمة يونيو 1967 إلى تحقيق الانتصار بعد ست سنوات فقط.

وأشار إلى أن الروح الوطنية التي ميزت تلك المرحلة لم تحصل على ما تستحقه من اهتمام ودراسة، رغم أنها شكلت أحد أهم عناصر الانتصار، حيث رفض المصريون الاستسلام للهزيمة أو القبول بالدخول في مرحلة من الانكسار وفقدان الثقة.

واستعاد زغلول الظروف التي مر بها الجيش المصري قبل الحرب، بداية من مشاركته في حرب اليمن منذ عام 1962 وما ترتب عليها من خسائر بشرية واستنزاف للموارد، وصولا إلى هزيمة يونيو 1967، وما فرضته من ضرورة إعادة بناء القوات المسلحة واستعادة ثقة الشعب في الدولة ومؤسساتها.

ولفت إلى أن الرئيس جمال عبد الناصر بدأ عقب الهزيمة عملية إعادة بناء الجيش المصري، بالتوازي مع مواجهة أوضاع اقتصادية ومعيشية شديدة الصعوبة، تحمل خلالها المواطن أعباء كبيرة، حتى إن الحصول على بعض السلع الأساسية، مثل السكر، كان يتطلب الوقوف في طوابير طويلة.

ورأى أن عبقرية التجربة المصرية تمثلت في أن الدولة لم تكن تواجه عدوا عسكريا فقط، وإنما كانت تواجه عدة جبهات في وقت واحد، شملت إعادة بناء القوات المسلحة، والتعامل مع تداعيات إغلاق قناة السويس، ومواجهة الأزمة المالية والاقتصادية، مع الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية.

ابتكار الحلول وقت الأزمات:

وتوقف زغلول أمام بعض التفاصيل العملية المرتبطة بالاستعداد لحرب أكتوبر، باعتبارها أمثلة على قدرة المصريين على ابتكار حلول تتناسب مع الإمكانيات المتاحة.

واستعرض تجربة استخدام مضخات المياه لفتح الثغرات في الساتر الترابي على الضفة الشرقية لقناة السويس، مشيرا إلى أن الفكرة عكست أهمية التفكير غير التقليدي والاستفادة من الخبرات الفنية والهندسية، والتعاون بين مؤسسات الدولة والقطاعات المختلفة في توفير الإمكانيات اللازمة لتنفيذها.

كما أشار إلى الاستعدادات التي اتخذتها الدولة تحسبا لاستهداف محطات الكهرباء، ومنها توفير وسائل إضاءة بديلة، بما يعكس إدراك القيادة المصرية لأهمية استعداد المجتمع لاحتمالات الحرب، وعدم قصر التخطيط على الجانب العسكري.

وأوضح أن القوات المسلحة واجهت خلال العبور قصفا ومعارك استمرت ساعات طويلة، مشيرا إلى ثماني ساعات من المواجهة في سياق حديثه عن صعوبة العمليات، وأن المقاتل المصري استطاع التعامل مع قوات إسرائيلية كانت تمتلك استعدادات وتسليحا متقدما، رغم ما أثير عن تسرب معلومات متعلقة بالتحضير للحرب.

واعتبر أن الدرس الأهم لا يتعلق بحجم الإمكانيات وحده، وإنما بقدرة الدولة على توظيف الموارد المتاحة، والاستفادة من أفكار أبنائها، وتحويل الإرادة إلى خطط قابلة للتنفيذ.

الوحدة العربية والانتصار:

وانتقل زغلول إلى دور الدول العربية في حرب أكتوبر، مؤكدا أن الانتصار لم يكن نتيجة الجهد المصري والسوري وحدهما، وإنما كان انعكاسا لحالة من التضامن العربي ظهرت في أشكال متعددة من الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي.

وأشار إلى المشاركة العراقية على الجبهة السورية، سواء من خلال الطائرات المقاتلة التي تحدث عن مشاركة عدد منها، بينها طائرات سوخوي، أو من خلال القوات البرية العراقية، كما تناول دور الفيلق الثالث العراقي في العمليات على الجبهة السورية.

وتطرق إلى مشاركة الكويت بقوات على الجبهتين المصرية والسورية، والدور المغربي الذي أشار إلى أنه شمل نحو ستة آلاف جندي على الجبهة السورية، فضلا عن المساندة الليبية لمصر، والموقف السوداني الداعم، والمشاركة الجزائرية التي لم تقتصر على الإسناد السياسي والعسكري، وإنما شملت أيضا اتصالات لتيسير الحصول على الأسلحة من الاتحاد السوفيتي.

كما تناول المواقف الإقليمية المحيطة بالحرب، بما فيها موقف شاه إيران آنذاك، باعتبار أن فهم انتصار أكتوبر يتطلب دراسة أدوار القوى الإقليمية والدولية، إلى جانب المشاركة العربية المباشرة.

وأكد أن استعادة هذه التفاصيل تستهدف توضيح كيف استطاعت الدول العربية، رغم اختلاف إمكانياتها ومواقعها، توظيف عناصر قوتها في مواجهة تحد مشترك، وهو ما يطرح تساؤلا بشأن إمكانية استعادة أشكال من التنسيق والتضامن في مواجهة الأزمات الحالية.

تحديات الوحدة والهوية:

وربط زغلول بين تجربة التضامن العربي في أكتوبر وما شهدته المنطقة لاحقا من انقسامات سياسية ومذهبية وصراعات داخلية، معتبرا أن إضعاف الروابط بين الشعوب العربية انعكس على قدرتها على مواجهة التحديات الخارجية.

وفي قراءته التاريخية، تحدث عن محاولات تفتيت المنطقة منذ عقود، وعن التحولات التي شهدتها البيئة الإقليمية، خاصة منذ مطلع التسعينيات وعام 1991، كما استعرض الدور الذي لعبته جماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها في عشرينيات القرن الماضي، وما وصفه بالتأثير السلبي لبعض التنظيمات الدينية والسياسية في تماسك المجتمعات العربية.

وتطرق إلى الصراعات المرتبطة بإيران وتاريخها السياسي، وما شهدته المنطقة من توظيف للانقسامات المذهبية والتنظيمات المتطرفة في الصراع على النفوذ، مستحضرا بعض التحولات خلال عهد الشاه وما تلاه، وكذلك تطورات التسعينيات.

وأشار إلى أن الانقسامات المذهبية والهويات الفرعية يمكن أن تتحول إلى أدوات لإضعاف الهوية الجامعة، كما تناول إشكالية تعدد دوائر الانتماء لدى بعض المجتمعات العربية، مستشهدا بعرب الداخل الفلسطيني، وما تفرضه أوضاعهم السياسية والاجتماعية من أسئلة معقدة بشأن الهوية والانتماء والعلاقة بالدولة التي يعيشون فيها.

ورأى أن الخطر لا يتوقف عند الانقسام السياسي أو المذهبي، وإنما يمتد إلى المجال الثقافي والاجتماعي، حين تتراجع المؤسسات التي تسهم في تشكيل الوعي وبناء الشخصية.

تفريغ المجتمع من القدوة:

وفي هذا السياق، انتقد زغلول ما وصفه بتراجع المكانة الاجتماعية لبعض الرموز والمؤسسات التي أدت تاريخيا دورا مهما في تربية الأجيال.

وأشار إلى أن بعض الأعمال الدرامية ساهمت، من وجهة نظره، في تقديم صورة سلبية عن الأب داخل الأسرة، والتقليل من أهمية أدواره التربوية، ثم امتد الأمر إلى التحقير من بعض المهن والوظائف الأساسية، مثل التمريض، وصولا إلى تراجع الصورة الذهنية للمعلم ومكانته باعتباره قدوة داخل المدرسة.

وأضاف أن تهميش الدور الإيجابي لرجل الدين، وإضعاف الثقة في المؤسسات التي كانت تضطلع بمسؤولية التربية والتوجيه، أسهما في حدوث خلل في منظومة القيم.

واعتبر أن تراكم هذه التحولات أوجد مشكلات في بناء الشخصية والوعي الاجتماعي، وأضعف قدرة بعض الأفراد على التمييز بين المعرفة الحقيقية والمعلومات المضللة.

ومن هنا، انتقل إلى طرح تصور يقوم على ثلاثة أضلاع رئيسية لإعادة بناء الإنسان المصري، هي الولاء والانتماء، واستعادة القدوة، وتعزيز القناعة والرضا.

مثلث بناء الإنسان:

أوضح زغلول أن الضلع الأول يتمثل في استعادة الولاء والانتماء، ليس باعتبارهما شعارات يتم ترديدها، وإنما قيما تتشكل من خلال الممارسات اليومية داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع.

واستعاد بعض مظاهر الحياة المدرسية في العقود السابقة، عندما كانت بداية العام الدراسي مناسبة ينتظرها الطلاب وأسرهم، وترتبط بشراء الملابس والأحذية الجديدة والاستعداد النفسي للدراسة، فضلا عن الأنشطة الرياضية والثقافية، ومنها الدوريات المدرسية، التي كانت تخلق ارتباطا وجدانيا بين الطالب ومدرسته.

وأشار إلى أن هذه التفاصيل أسهمت في تكوين مشاعر الانتماء، وأن تراجع الأنشطة المدرسية أفقد العملية التعليمية جانبا مهما من دورها الاجتماعي والتربوي.

أما الضلع الثاني، فيتعلق باستعادة القدوة القادرة على تقديم المعرفة بصورة صحيحة، في ظل التحول المتزايد نحو وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها مصدرا رئيسيا للمعلومات.

وحذر من أن قطاعات من المواطنين باتت تتلقى معلوماتها من أشخاص لا يمتلكون بالضرورة التأهيل أو المعرفة الكافية، الأمر الذي يزيد من احتمالات انتشار المعلومات غير الدقيقة والتفسيرات المضللة.

وأكد ضرورة تقديم نماذج تحظى بالثقة والمصداقية، وتستطيع مخاطبة المواطن بلغة واضحة، وتساعده على فهم الأحداث والتحديات بعيدا عن المبالغات أو التضليل.

وتناول الضلع الثالث، المتمثل في القناعة والرضا، موضحا أن الأسرة كانت تؤدي دورا مهما في تعليم الأبناء إدراك حدود الإمكانيات المادية، من خلال الحوار المستمر بين أفرادها بشأن احتياجاتهم وما يمكن توفيره.

ورأى أن مثل هذه الممارسات كانت تعزز شعور الفرد بالمسؤولية، وتساعده على فهم أولويات أسرته، وهو ما يمكن الاستفادة منه على المستوى الوطني، من خلال مصارحة المواطنين بحقيقة التحديات الاقتصادية والموارد المتاحة، بما يشجعهم على المشاركة في تحمل المسؤولية خلال فترات الأزمات.

وشدد على أن القناعة لا تعني تجاهل الاحتياجات الأساسية للمواطن أو التقليل من أهمية تحسين ظروفه المعيشية، وإنما ترتبط ببناء إدراك واقعي للظروف والقدرة على ترتيب الأولويات.

الإسناوي.. من دروس أكتوبر إلى بناء الإنسان:

وفي تعقيب على المحاور التي طرحها زغلول، أعاد الدكتور أبو الفضل الإسناوي توجيه النقاش إلى السؤال المتعلق بكيفية تحويل الدروس التاريخية إلى سياسات معاصرة.

وجاء تعقيبه في إطار الربط بين تجربة أكتوبر، التي اعتمدت على وحدة القيادة والمجتمع وقدرتهما على تحمل التضحيات، وبين الحاجة الحالية إلى إعادة بناء الثقة والهوية والانتماء في ظل ظروف اقتصادية وإقليمية مختلفة.

وانتقلت المناقشة من الحديث عن المسؤولية الفردية للمواطن إلى مسؤولية المؤسسات في تهيئة البيئة التي تسمح بنمو الوعي، وكذلك دور النخبة ومراكز الفكر في تقديم بدائل عملية تساعد الدولة على التعامل مع المشكلات.

ومن هذا المدخل، جاءت مداخلة اللواء د. محمد الدسوقي سيد، التي وسعت نطاق النقاش من الداخل المصري إلى التطورات التاريخية والاستراتيجية التي شكلت البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بمصر.

الدسوقي.. الجذور التاريخية للصراع:

بدأ اللواء د. محمد الدسوقي سيد مداخلته باستعراض بعض الرؤى التي تناولت علاقة القوى الكبرى بالمنطقة العربية منذ مطلع القرن العشرين.

وتناول ما يُعرف في بعض الكتابات السياسية برواية اجتماع كامبل بنرمان، المرتبطة بالفترة التي بدأت عام 1905، والتي تتحدث عن اجتماع ضم ممثلين لقوى أوروبية، من بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وبلجيكا، لبحث كيفية الحفاظ على تفوق الدول الأوروبية وتأخير صعود المناطق الأخرى.

وأوضح أن هذه الرواية تنطلق من تقسيم جغرافي بين دول شمال البحر المتوسط ودول جنوبه، باعتبار أن منطقة البحر المتوسط تمثل شريانا مهما للحياة والتجارة والحضارة، وأن الدول الواقعة على ضفتيه تمتلك مقومات حضارية وثقافية ودينية ولغوية تجعلها مؤثرة في التوازنات الدولية.

وأشار إلى أن بعض القراءات الاستراتيجية تربط بين هذه التصورات وفكرة إبقاء المنطقة في حالة صراعات مستمرة، وإقامة كيان سياسي في منطقة الاتصال بين آسيا وأفريقيا، بما يؤثر على التواصل الجغرافي والسياسي بين الدول العربية.

وتطرق إلى تصنيفات حضارية قسمت العالم إلى دول تنتمي إلى الحضارة الغربية ذات الخلفية المسيحية، مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية، ودول تمتلك أنظمة متقدمة خارج هذه الخلفية، مثل اليابان، ودول غير غربية ذات أغلبية إسلامية، مع اعتبار المنطقة العربية ذات أهمية خاصة في حسابات الصراع الدولي.

واستعرض في هذا السياق محطات تاريخية شملت وعد بلفور عام 1917، وإعلان قيام إسرائيل عام 1948، وحرب يونيو 1967، وما أعقبها من تحولات سياسية وعسكرية.

كما تناول أفكار تقسيم الدول العربية إلى كيانات أصغر على أسس إثنية ومذهبية، مستحضرا ما يُعرف بوثيقة عوديد ينون عام 1982، والتصورات المنسوبة إلى برنارد لويس بشأن إعادة تشكيل المنطقة، ومنها ما يُتداول عن مناقشات داخل المؤسسات الأمريكية.

ورأى الدسوقي أن دراسة هذه الأفكار تتيح فهم أهمية الحفاظ على تماسك الدول الوطنية، وضرورة التمييز بين الصراعات التي تنشأ نتيجة عوامل داخلية، وتلك التي تتأثر بتدخلات القوى الإقليمية والدولية.

أكتوبر واستعادة الإرادة:

وانتقل الدسوقي من استعراض التحديات التاريخية إلى التجربة المصرية بين عامي 1967 و1973، مؤكدا أن الشعب المصري يمتلك خصوصية ثقافية وحضارية ظهرت بوضوح في رفضه الاستسلام لهزيمة يونيو.

وأوضح أن تلك المرحلة شهدت إعادة تدريب وتأهيل القوات المسلحة، وإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة، إلى جانب توافر إرادة سياسية وشعبية مشتركة لإنجاز هدف التحرير.

وأشار إلى أن الهزيمة تحولت إلى دافع للتطوير والعمل، وأن التجربة كشفت عن أربعة عناصر رئيسية أسهمت في تحقيق الانتصار، تمثلت في التخطيط الاستراتيجي، والخداع الاستراتيجي، وكفاءة المقاتل المصري، ودور الشعب باعتباره شريكا في المعركة وليس مجرد متلق لنتائجها.

وأكد أن الهوية والولاء والانتماء كانت عناصر حاضرة في هذه التجربة، وأن نجاحها ارتبط بوجود إدراك صحيح لطبيعة التحديات.

وأوضح أن الإدراك لا يعني مجرد رؤية الأحداث أو سماع المعلومات عنها، وإنما القدرة على فهمها وتفسيرها في سياقها الحقيقي، وهو ما ينعكس على تشكيل الهوية الوطنية ومواقف الأفراد من القضايا العامة.

واعتبر أن التربية تمثل المدخل الأول لترسيخ هذا الإدراك، ومن خلالها تتشكل القناعة والقدرة على التمييز بين المصالح الحقيقية والمعلومات التي تستهدف التأثير في توجهات المجتمع.

الجغرافيا وموازين القوة:

وفي استعراضه للتحولات الدولية، تناول الدسوقي أبرز النظريات الجيوبوليتيكية التي فسرت مصادر القوة في النظام العالمي، ومنها نظرية هالفورد ماكندر المتعلقة بالقوة البرية والسيطرة على قلب الأرض، ونظرية ألفريد ماهان التي ركزت على القوة البحرية والتحكم في الموانئ والممرات المائية، إلى جانب نظريات القوة الجوية وأهميتها في حسم الصراعات الحديثة.

وأوضح أن نظرية ماكندر انطلقت من الأهمية الاستراتيجية للكتلة البرية الكبرى، وما يرتبط بها من مناطق مركزية وأطراف جغرافية، وأن السيطرة على المواقع الحيوية تمنح الدول قدرة أكبر على التأثير في النظام الدولي.

كما أشار إلى أن ماهان ربط بين امتلاك القوة البحرية والتحكم في خطوط التجارة والممرات والموانئ، باعتبارها أدوات رئيسية لبناء النفوذ الدولي.

وربط الدسوقي بين هذه النظريات والتحولات التي شهدها النظام العالمي، بداية من تعددية القوى الكبرى قبل الحرب العالمية الأولى، ثم ظهور نظام ثنائي القطبية بعد الحرب العالمية الثانية، وصولا إلى مرحلة الهيمنة الأمريكية عقب انتهاء الحرب الباردة.

وأضاف أن النظام الدولي يشهد حاليا صعود قوى مؤثرة، في مقدمتها الصين وروسيا، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، فضلا عن قوى إقليمية تسعى إلى توسيع أدوارها، ومنها مصر وإيران وتركيا.

ورأى أن هذا التغير في موازين القوة ساهم في زيادة التنافس الدولي، وظهور استراتيجيات تستهدف احتواء القوى الصاعدة وتحجيم نفوذها.

صراعات الشرق الجديد:

وتناول الدسوقي الحرب الروسية الأوكرانية باعتبارها إحدى ساحات استنزاف القوة الروسية، كما تطرق إلى التنافس الأمريكي الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وما يرتبط به من توترات حول تايوان ومناطق أخرى في شرق آسيا.

وأشار إلى محاولات إعادة تشكيل ترتيبات الأمن والتحالفات في منطقة الإندوباسيفيك، ودور نماذج مثل تايوان وكوريا الجنوبية في التوازنات المرتبطة بالصين.

وانتقل إلى تطورات الشرق الأوسط منذ أحداث 7 أكتوبر 2023، معتبرا أنها أدخلت المنطقة في مرحلة جديدة من التصعيد وإعادة تشكيل التحالفات، وطرحت مخاطر تتعلق بإمكانية اتساع الصراعات لتشمل أطرافا إقليمية متعددة.

وفي تقديره، فإن الصراع مع إيران وما صاحبه من تطورات لم يحقق جميع الأهداف التي سعت إليها الأطراف المنخرطة فيه، بينما انعكس على حركة الملاحة العالمية وأمن الممرات البحرية والطاقة.

كما تناول تصاعد التوترات في الخليج، واستهداف بعض الدول والمنشآت والقواعد العسكرية، وما يترتب على ذلك من استنزاف اقتصادي وعسكري.

وأشار في هذا السياق إلى تقديرات تحدثت عن تعرض السعودية لهجمات بنحو 1400 صاروخ وطائرة مسيرة، واستخدام أعداد كبيرة من صواريخ الاعتراض، وصلت في بعض التقديرات المطروحة إلى نحو 2800، معتبرا أن هذا النوع من المواجهات يفرض أعباء مالية وعسكرية ممتدة.

وتوقف أمام الخرائط والتصورات السياسية المرتبطة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وما تعكسه، بحسب قراءته، من محاولات لإعادة ترتيب التوازنات والتحالفات الإقليمية.

ورأى أن مصر تواجه بيئة إقليمية معقدة من اتجاهات متعددة، وهو ما يستدعي التعامل مع الأمن القومي باعتباره منظومة متكاملة تشمل القوة العسكرية والاقتصادية والثقافية والمجتمعية.

معركة الوعي والهوية:

وعاد الدسوقي إلى قضية بناء الإنسان، مؤكدا أن أحد أهم التحديات التي تواجه المنطقة العربية يتمثل في تراجع الاهتمام ببناء الشخصية والهوية والثقافة والإدراك.

وأوضح أن الحروب الحديثة لم تعد تعتمد على القوة العسكرية وحدها، وإنما تستخدم أدوات التأثير الناعم، وفي مقدمتها الإعلام والتعليم والثقافة ووسائل التواصل الاجتماعي، للتأثير في قناعات المجتمعات وتوجهاتها.

وأشار إلى ضرورة إعادة النظر في دور الإعلام، وتطوير قدرته على تشكيل الوعي وتقديم الحقائق، وكذلك استعادة الوظيفة التربوية للتعليم الأساسي، خاصة الأنشطة المدرسية التي كانت تعزز ارتباط الطلاب بالمدرسة والمجتمع.

واعتبر أن مواجهة التحديات الخارجية تبدأ ببناء جبهة داخلية تمتلك المعرفة والقدرة على فهم ما يحدث، وأن ضعف الإدراك يتيح مساحة أكبر لانتشار الشائعات والمعلومات المضللة.

علاقة الدولة والمواطن والخبراء:

وطرح الدسوقي تصورا يقوم على التكامل بين أطراف متعددة في عملية بناء الدولة. وأوضح أن المسؤول التنفيذي يمتلك معرفة بالخطط والإمكانيات والموارد المتاحة، بينما يمتلك المواطن خبرة مباشرة بالمشكلات التي يواجهها في حياته اليومية، وتأتي مسؤولية المتخصصين ومراكز الفكر ورجال العلم والمثقفين في تحليل هذه المشكلات وتقديم رؤى قابلة للتطبيق.

وأضاف أن القطاع الخاص يمكن أن يؤدي دورا مهما في هذه العلاقة، من خلال التعرف على احتياجات المواطنين والاستعانة بالمتخصصين لتطوير الحلول والمشروعات، خاصة عندما تتجاوز بعض المشكلات الإمكانيات التنفيذية المتاحة لدى المؤسسات الحكومية.

ورأى أن نجاح هذه العلاقة يتطلب وجود قنوات تواصل فعالة بين المواطن وصانع القرار والمتخصصين، بحيث لا تظل المعرفة حبيسة الدراسات، ولا تبقى الشكاوى اليومية منفصلة عن التخطيط العام.

ودعا إلى استعادة الذاكرة التاريخية الوطنية، بما يشمل حرب أكتوبر والانتصار على الإرهاب وتجربة إعادة بناء الدولة المصرية الحديثة، باعتبارها محطات يمكن الاستفادة منها في تعزيز الثقة والانتماء.

كما تناول جهود تطوير المناطق العشوائية وإعادة إسكان المواطنين في مناطق مخططة، مشيرا إلى ما كانت تشهده بعض المناطق من مشكلات اجتماعية وأمنية وجرائم، من بينها جرائم أسرية شديدة الخطورة، قبل تنفيذ مشروعات التطوير.

واستعرض تقديرات عن نسب استفادة المواطنين من بعض مشروعات الإسكان والتطوير، تضمنت نسبا بلغت 7% في مراحل سابقة، ثم نحو 14% بحلول عام 2025، وصولا إلى مستهدفات تقارب 17%، مؤكدا أهمية دراسة أثر هذه المشروعات على الاستقرار الاجتماعي وجودة الحياة.

من المنتدى إلى التنفيذ:

وفي ختام المحور المتعلق بصناعة السياسات، شدد الدسوقي على أن المنتديات والمؤتمرات الوطنية لا ينبغي أن تنتهي بإعلان توصيات عامة، وإنما يجب أن تتضمن آليات واضحة للتنفيذ والمتابعة والتقييم.

واستشهد بمنتدى مصر، مؤكدا ضرورة أن تتبلور في نهايته مجموعة محددة من التوصيات، تجيب عن أسئلة تتعلق بالجهة المسؤولة عن التنفيذ، والوقت المطلوب، والموارد اللازمة، والمعوقات المحتملة.

واقترح تشكيل لجنة تتولى تقييم التوصيات ومتابعة تنفيذها وتصحيح مساراتها عند الحاجة، حتى تتحول مخرجات الحوار إلى نتائج ملموسة.

الإسناوي.. اختبار جدوى التوصيات:

وعقب مداخلة الدسوقي، أعاد الدكتور أبو الفضل الإسناوي ربط الرؤى الاستراتيجية المطروحة بالهدف الأساسي للحلقة، وهو البحث عن آليات عملية تساعد الدولة المصرية على مواجهة تحدياتها.

وتركز تعقيبه وإدارته للنقاش حول أهمية ألا يتوقف دور مراكز الفكر عند تحليل البيئة الدولية أو استعادة التجارب التاريخية، وإنما يمتد إلى تحديد مسؤوليات الأطراف المشاركة في عملية بناء الدولة.

كما فتح النقاش بشأن قدرة النخبة والمؤسسات البحثية على نقل مطالب المواطن إلى صانع القرار، ومدى إمكانية تحويل مخرجات المؤتمرات والحلقات النقاشية إلى سياسات قابلة للقياس والمتابعة.

ومن هذه النقطة، اتخذ الحوار اتجاها أكثر ارتباطا بمشكلات الإدارة المحلية والثقة العامة ومدى تنفيذ توصيات الحوارات الوطنية والاقتصادية، وهي القضايا التي تناولها الدكتور عبد الحميد كمال.

عبد الحميد كمال.. فجوة الثقة:

أعرب الدكتور عبد الحميد كمال، خبير شؤون المحليات وعضو مجلس النواب السابق، عن تقديره للدور البحثي الذي يؤديه مركز رع للدراسات الاستراتيجية، وما يقدمه من إنتاج فكري وتحليلي، مؤكدا أن توفير التمويل والإمكانيات المناسبة للمركز من شأنه تعزيز قدرته على تقديم دراسات وتوصيات تخدم صانع القرار.

وانطلق كمال من أن الحديث عن مستقبل مصر يقتضي الاعتراف بوجود فجوة في الثقة بين قطاعات من المواطنين وبعض المؤسسات، معتبرا أن تجاهل هذه الفجوة يجعل كثيرا من الأفكار المطروحة بعيدة عن الواقع، مهما كانت أهميتها النظرية.

واستعاد تجربة ما بعد هزيمة يونيو 1967، مشيرا إلى أن أحد أهم أسباب نجاح مصر في تجاوزها تمثل في دراسة الاحتياجات الحقيقية للدولة والجيش والمجتمع، واستخلاص الدروس من حرب الاستنزاف، ثم تحويل هذه الدروس إلى خطط جرى تنفيذها بالمثابرة والمتابعة.

وأشار إلى أن التجربة الناصرية لم تتوقف عند إعادة بناء الجيش، وإنما شملت مجالات التنمية والثقافة والبناء الاجتماعي، وأن الدراسات الاستراتيجية التي أُجريت بشأن حرب أكتوبر تضمنت أبعادا اجتماعية ونفسية إلى جانب الدروس العسكرية.

ولفت إلى أن وزارة الدفاع، بعد مرور نحو 53 عاما على نكسة يونيو، قدمت من خلال إحدى الندوات الاستراتيجية استخلاصات جرى تجميعها في خمسة كتب، تناولت محاور مختلفة، ومنها البعد الاجتماعي، وانتهت إلى توصيات تستحق الدراسة.

ورأى أن أهم ما يمكن استخلاصه من هذه التجارب هو ضرورة وجود جهة تتولى الإشراف على تنفيذ التوصيات، ومتابعة ما تحقق منها، بدلا من الاكتفاء بإعداد الدراسات أو عقد المؤتمرات.

واقترح أن تقدم الجهات المسؤولة تقارير دورية كل ستة أشهر، توضح ما تم إنجازه وما لم يتم تنفيذه وأسباب التعثر.

أزمة الإدارة المحلية:

وتوقف كمال عند ملف الإدارة المحلية، مؤكدا أن الدولة المركزية لا تستطيع إدارة جميع التفاصيل المرتبطة بحياة المواطنين، وأن نجاح السياسات العامة يتطلب وجود مؤسسات محلية فعالة وقادرة على الاستجابة للمشكلات اليومية.

وأشار إلى أن قانون الإدارة المحلية يرتبط باستكمال البناء الدستوري والمؤسسي، وأن تأخر تطوير المنظومة المحلية يؤثر على كفاءة الخدمات وقدرة المواطن على المشاركة والمساءلة.

وانتقد عدم تنفيذ عدد من التوصيات التي خرجت بها مؤتمرات اقتصادية وحوارات وطنية، بما فيها توصيات تتعلق بالدين الخارجي وترتيب الأولويات الاقتصادية، وكذلك بعض مخرجات الحوار الوطني، رغم الدعوة إلى الاهتمام بها.

واعتبر أن الفجوة بين إعلان التوصيات وتنفيذها تسهم في تراجع الثقة، وتجعل المواطن أقل اقتناعا بجدوى المشاركة في النقاشات العامة.

واستشهد بما وصفه باتساع حجم الشكاوى المرتبطة بالخدمات المحلية، مشيرا إلى تسجيل منظومة الشكاوى الحكومية نحو مليوني شكوى في إحدى الفترات التي تناولها، وأن نسبة كبيرة منها، قدرها بنحو 80%، ترتبط بمشكلات المحليات.

وأكد أن بناء قيم الانتماء والقبول والثقة لا ينفصل عن وجود مناخ سياسي واجتماعي جيد، وإعلام مسؤول، وتعليم فعال، ومؤسسات قادرة على الاستجابة للمواطن.

وخلص إلى أن قوة الجبهة الداخلية هي الأساس في مواجهة التحديات الخارجية، وأن تعزيز ثقة المواطنين يتطلب توفير مناخ أفضل يلمسون فيه نتائج السياسات الحكومية في حياتهم اليومية.

من المسؤول عن الجبهة الداخلية؟

أعادت مداخلة عبد الحميد كمال النقاش إلى العلاقة بين مسؤولية الدولة ومسؤولية المجتمع.

وفي هذا السياق، طرح اللواء أحمد زغلول سؤالا بشأن الجهة المسؤولة عن إدارة الجبهة الداخلية، موضحا أن وزارة الداخلية تضطلع بمسؤوليات أساسية في حفظ الأمن والنظام العام، لكن إدارة الحياة السياسية والاجتماعية تتطلب أدوارا متكاملة من مؤسسات الدولة.

وأشار إلى أهمية الدور التشريعي والرقابي لمجلس النواب، وضرورة توضيح أحكام الدستور للمواطنين، حتى تكون مناقشة الحقوق والواجبات قائمة على معرفة صحيحة بالإطار القانوني والدستوري.

كما شدد على أهمية قيام الجهات الرقابية بمتابعة حركة الأموال داخل المؤسسات، بما يضمن سلامة الممارسات والحد من أي مخالفات تؤثر على الثقة العامة.

وأكد أن تزايد الحديث في الشارع عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية يستدعي استجابة عملية، تبدأ بتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين، بالتوازي مع التوعية ووجود مسؤولين يتحلون بالكفاءة والضمير المهني.

وبذلك اتفقت المداخلتان على أهمية بناء الثقة، وإن اختلف مدخل كل منهما؛ إذ ركز كمال على فجوة التنفيذ والإدارة المحلية، بينما تناول زغلول مسؤولية المؤسسات في حماية الجبهة الداخلية وتلبية احتياجات المواطنين وتعزيز الوعي الدستوري.

نورهان العباسي.. لماذا الوعي الآن؟

وفي امتداد للنقاش بشأن علاقة المواطن بالدولة، طرحت الدكتورة نورهان العباسي، النائب الأول لمدير مركز رع للدراسات، تساؤلا حول أسباب تصاعد الاهتمام بقضية الوعي المجتمعي بعد نحو أربعة عشر عاما من التحولات السياسية التي شهدتها مصر، وما إذا كان هذا الاهتمام يعكس وجود أزمة في الثقة تستدعي المعالجة.

وأعادت العباسي النقاش إلى المراحل التي مرت بها الدولة المصرية منذ عام 2013، وما واجهته القيادة السياسية في السنوات الأولى من ضغوط ورفض دولي، في سياق ما وصفته بمحاولات لإضعاف مسار الدولة المصرية وإفشال توجهاتها، ومنها مواقف ارتبطت بالإدارة الأمريكية في عهد باراك أوباما.

وأشارت إلى أن تلك المرحلة أعقبتها تحديات أخرى، من بينها جائحة كورونا وتداعياتها الاقتصادية، ثم تصاعد الضغوط المعيشية وارتفاع الأسعار، الأمر الذي انعكس على اهتمامات المواطنين وطبيعة النقاش العام.

وجاء سؤالها ليطرح إشكالية أساسية تتعلق بالعلاقة بين الوعي والظروف الاقتصادية: هل يكفي تقديم المعلومات للمواطن، أم أن بناء الثقة يتطلب أولا معالجة الأعباء التي يشعر بها في حياته اليومية؟

زغلول.. الاحتياجات قبل الشعارات:

وفي سياق الرد على هذا المحور، أكد اللواء أحمد زغلول أهمية عدم الفصل بين التوعية وتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطن.

وأشار إلى دور المنافذ والجمعيات الاستهلاكية التي تتيح السلع بأسعار مخفضة، باعتبارها إحدى الأدوات العملية لتخفيف الأعباء، مع أهمية تطوير دور وزارة التموين والجهات المعنية في إتاحة السلع وضبط الأسواق.

وشدد على أن معالجة الأوضاع الاجتماعية لا يمكن أن تعتمد على الخطاب الإعلامي وحده، وإنما تحتاج إلى مسؤولين يمتلكون الضمير والكفاءة، ومؤسسات تستطيع التعامل مع احتياجات المواطنين بصورة مباشرة.

وعاد إلى التأكيد على أن استعادة الثقة تبدأ عندما يلمس المواطن استجابة لمشكلاته، بالتوازي مع حصوله على معلومات دقيقة تساعده على فهم التحديات التي تواجه الدولة.

البحث العلمي وصناعة القوة:

وفي محور آخر من المناقشات، طرح اللواء أحمد زغلول قضية البحث العلمي ودوره في بناء قوة الدولة، مؤكدا أن مصر تمتلك عقولًا وكفاءات قادرة على المنافسة، لكنها تحتاج إلى منظومة أكثر فاعلية لاكتشاف المبدعين ودعم المخترعين وربط نتائج الأبحاث باحتياجات الصناعة والاقتصاد.

واستشهد بالتجربة الإسرائيلية في الاهتمام بالبحث والتطوير، مشيرا خلال المداخلة إلى تقديرات بشأن حجم الإنفاق على البحث العلمي وصلت إلى نسبة 13% من الميزانية، في سياق تأكيده على أهمية إعطاء هذا القطاع أولوية وطنية.

كما أثار تساؤلات بشأن واقع مؤسسات دعم الابتكار وبراءات الاختراع في مصر، وأشار إلى ما ذكره عن دور ماجدة هارون، رئيسة الطائفة اليهودية في مصر، وعلاقتها بإحدى المؤسسات المعنية بالابتكار، في إطار حديثه عن ضرورة وضوح الأدوار والإشراف المؤسسي في هذا المجال.

ورأى أن تطوير البحث العلمي يمكن أن يمنح مصر موقعا أكثر تقدما على المستوى الدولي، شرط ربط المعرفة بالتطبيق والإنتاج، وعدم ترك الباحثين والمخترعين دون دعم.

وأكد أن تأصيل الهوية الوطنية يجب أن يسير بالتوازي مع تطوير التعليم والبحث العلمي، لأن قوة الدولة لا تقوم على الانتماء وحده، وإنما على امتلاك المعرفة والقدرة على تحويلها إلى إنجاز اقتصادي وتكنولوجي.

هند المحلي.. الدرس الصيني:

وانتقلت الدكتورة هند المحلي، نائب مدير مركز رع للبرامج البحثية، بالمناقشة إلى التجربة الصينية، باعتبارها نموذجا يمكن الاستفادة منه في دراسة العلاقة بين الهوية الوطنية والإصلاح الاقتصادي وبناء مؤسسات الدولة.

وأشارت إلى اهتمام الأكاديمية العسكرية المصرية بدراسة الصين، معتبرة أن التجربة الصينية تستحق التوقف عندها لفهم كيف استطاعت دولة يقودها حزب شيوعي ونظام سياسي مركزي أن تتحول إلى قوة اقتصادية ودولية كبرى.

وطرحت سؤالا حول العوامل التي أحدثت هذا التحول، خاصة خلال الفترة الممتدة من أواخر سبعينيات القرن الماضي حتى عام 2013.

واستعرضت مرحلة الإصلاح والانفتاح التي بدأت في عهد دنغ شياو بينغ، حين اتجهت القيادة الصينية إلى مراجعة أخطاء الماضي والاستفادة من التجارب الدولية، وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والاقتصاد، والانفتاح على الاستثمارات والتكنولوجيا والخبرات الخارجية.

وأوضحت أن تلك المرحلة شهدت تحولات اقتصادية وصناعية واسعة، لكنها طرحت في الوقت نفسه تحديات تتعلق بالحفاظ على ملامح الهوية الصينية في ظل الانفتاح على العالم.

وتناولت العلاقة بين التطوير الصناعي والمؤسسات التعليمية، وما أثارته بعض محاولات التأثير في التعليم من نقاش حول ضرورة الحفاظ على الدور السيادي والتربوي للدولة.

ثم انتقلت إلى عام 2013، مع صعود شي جين بينغ إلى رئاسة الدولة، معتبرة أن الصين دخلت مرحلة أكثر تركيزا على الهوية الوطنية وربط استقرار الدولة بدور الحزب الحاكم واستمرار النظام السياسي.

وأشارت إلى إعادة تأكيد مفهوم الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، وتطوير الخطاب السياسي والإعلامي، وفرض ضوابط على بعض أنشطة المؤسسات التعليمية والخبراء الأجانب ومراكز الفكر.

كما تناولت استراتيجيات مكافحة الفقر والفساد، مشيرة إلى أن القيادة الصينية بدأت بمواجهة شبكات الفساد الكبرى، بالتوازي مع بناء خطاب يؤكد الثقة في النموذج الصيني والقدرة على تحقيق التنمية.

وتوقفت أمام أهمية الأداء الإعلامي في التجربة الصينية، بما في ذلك الإعلان الدوري عن إنجازات الحكومة والحزب الحاكم، وتقديم ما تحقق من أعمال بصورة منظمة للمواطنين.

واعتبرت أن أحد الدروس المهمة يتمثل في الجمع بين العمل المؤسسي طويل المدى، وتطوير الاقتصاد، وتعزيز الهوية، وإدارة الصورة العامة للدولة.

نورهان.. الثقة في الذات الوطنية:

وتعقيبا على عرض التجربة الصينية، أكدت الدكتورة نورهان العباسي أن أحد أسباب نجاح الصين هو إيمانها بقدراتها الذاتية، واستثمارها في إمكانيات شعبها ومؤسساتها.

ورأت أن الشعب المصري يمتلك إمكانيات بشرية وعلمية وثقافية تؤهله لتحقيق تقدم مماثل في مجالات متعددة، بشرط توافر رؤية واضحة وآليات للاستفادة من تلك الإمكانيات.

وأعادت هذه المداخلة النقاش إلى الفكرة التي انطلقت منها الحلقة، وهي أن بناء المستقبل لا يتحقق بالاعتماد على المؤسسات وحدها أو على المواطن وحده، وإنما بتوافر ثقة متبادلة وقدرة على تحويل الإمكانيات إلى نتائج.

حازم جاد.. الوعي ومكافحة الإرهاب:

ومن زاوية قانونية ومجتمعية، أكد المستشار حازم جاد، خبير القانون الدولي والسياسات العامة، أن الوعي والثقافة والإدراك تمثل ركائز أساسية لأي نهضة وطنية، وأن الخلل في هذه العناصر ينعكس على قدرة المجتمع على مواجهة التطرف والإرهاب.

واعتبر أن مشكلة الوعي ليست طارئة، وإنما تمتد إلى أنماط من التفكير والتلقي يمكن استغلالها لتوجيه المواطنين نحو مواقف لا يدركون أبعادها الحقيقية.

واستعاد واقعة قال إنه عاصرها في إحدى محافظات الصعيد، عقب أحداث 3 يوليو 2013، عندما دعا أحد أئمة المساجد المصلين إلى التوجه لميدان رابعة العدوية بعد صلاة الفجر، مقدما المشاركة في الاعتصام باعتبارها عملا دينيا يستحق الأجر.

وأوضح أن هذه الواقعة تكشف خطورة استخدام الخطاب الديني في توجيه السلوك السياسي، عندما يعتمد المواطن على تفسيرات لا يمتلك أدوات التحقق منها.

وأشار إلى أن أعدادا من المشاركين في مثل هذه الأحداث ربما تحركت تحت تأثير خطاب ديني وسياسي غير دقيق، وهو ما يؤكد أن مكافحة الإرهاب لا تبدأ بالمواجهة الأمنية وحدها، وإنما تحتاج إلى بناء إدراك يحصن المواطن ضد التضليل والاستقطاب.

القانون الدولي وطبيعة النزاعات؛

وانتقل المستشار حازم جاد إلى البعد القانوني، موضحا أن الانتقادات الموجهة إلى تطبيق القانون الدولي وازدواجية المعايير لا تعني إمكانية تجاهل أحكامه، لأن الدول مطالبة بالتعامل مع التزاماتها القانونية بما يحمي مصالحها ويجنبها المسؤولية الدولية.

واستعرض التمييز بين النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، موضحا أن النزاع المسلح الدولي ينشأ، في صورته الأساسية، بين دولتين أو أكثر، بينما تنشأ النزاعات المسلحة غير الدولية بين القوات الحكومية وجماعات مسلحة منظمة، أو بين جماعات مسلحة تتوافر في مواجهاتها الشروط القانونية المطلوبة.

وأشار إلى أن بعض الجماعات المسلحة قد تسيطر على أجزاء من إقليم الدولة وتمارس عليها سيطرة فعلية، وهو ما يثير إشكاليات تتعلق بطبيعة النزاع والقواعد القانونية الواجبة التطبيق.

وربط ذلك بتجربة مكافحة الإرهاب في سيناء، وما صاحبها من محاولات لتغيير توصيف الصراع أو توظيفه في النقاشات القانونية والسياسية الدولية.

كما استحضر المثال الإثيوبي في سياق حديثه عن توظيف توصيف النزاعات المسلحة، وما قد يترتب عليه من تفاعلات مع المنظمات الإنسانية الدولية، ومنها الهيئات المعنية بالإغاثة مثل الهلال الأحمر.

وأكد أن الإحاطة بهذه التفاصيل القانونية تمثل جزءا من بناء الوعي الاستراتيجي، لأن سوء فهم طبيعة النزاعات أو الالتزامات القانونية قد يؤدي إلى تقديرات غير دقيقة للمواقف الدولية.

جيهان عبد الرحمن.. التاريخ بوابة الانتماء:

وفي مداخلتها، ركزت الدكتورة جيهان عبد الرحمن، مدير برنامج دراسات البحر الأحمر وأفريقيا بمركز رع، على دور التعليم والتاريخ والإعلام في ترسيخ الهوية الوطنية.

وأكدت أن هناك عناصر ثقافية وتربوية كثيرة يمكن أن تسهم في تعزيز الانتماء، وفي مقدمتها تدريس التاريخ باعتباره مادة أساسية في بناء وعي الأجيال.

ورأت أن الاهتمام بتاريخ مصر وملاحمها الوطنية يجب أن يبدأ في مراحل تعليمية مبكرة، لأن معرفة الطالب بتاريخ بلاده وما شهدته من تحديات وانتصارات تساهم في تكوين علاقته بالدولة والمجتمع.

واستشهدت بملحمة أكتوبر باعتبارها تجربة متكاملة يمكن من خلالها تعليم الأجيال معاني التضحية والتخطيط والعمل الجماعي والانتماء، بدلا من الاكتفاء بسرد الوقائع العسكرية.

كما أشارت إلى ما يمتلكه الإعلام المصري من تراث فني وثقافي كبير لم يُستثمر بالقدر الكافي في تشكيل الوعي، مؤكدة أن الأعمال الدرامية والوثائقية والإنتاج الثقافي يمكن أن تؤدي دورا مهما في نقل التاريخ والخبرات إلى الأجيال الجديدة.

وانتقدت الاعتماد المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها مصدرا رئيسيا لتكوين المواقف تجاه القضايا العامة، وما يترتب عليه أحيانا من اختزال تقييم الأداء الحكومي في مشكلة ارتفاع الأسعار وحدها، دون الإحاطة ببقية المؤشرات والسياسات.

وشددت على ضرورة الاهتمام باختيار الشخصيات المؤهلة لتقديم القضايا العامة في وسائل الإعلام، وتحسين الصورة والمضمون وطريقة عرض المعلومات، بما يضمن وصول خطاب يتمتع بالمصداقية والكفاءة.

تفاعل الضيفين.. التعليم والإعلام والقدوة:

وتقاطعت مداخلة جيهان عبد الرحمن مع ما طرحه اللواء أحمد زغلول بشأن تراجع دور المدرسة والقدوة، وكذلك مع رؤية اللواء محمد الدسوقي حول تأثير القوة الناعمة في تشكيل الإدراك.

فبينما انطلق زغلول من أهمية استعادة الأنشطة المدرسية ومكانة المعلم والأسرة، ركز الدسوقي على خطورة استخدام أدوات الإعلام والثقافة في التأثير على المجتمعات، وجاءت مداخلة جيهان لتطرح التاريخ والتراث الإعلامي باعتبارهما أدوات يمكن توظيفها بصورة إيجابية في مواجهة هذا التحدي.

كما اتصلت هذه الرؤى بما قدمته هند المحلي عن التجربة الصينية، خاصة فيما يتعلق بقدرة الدولة على تطوير خطاب إعلامي يربط المواطن بمشروعها الوطني، مع التأكيد على أن التجارب الدولية تحتاج إلى دراسة ظروفها قبل نقل أدواتها إلى الواقع المصري.

وأظهرت هذه المداخلات أن بناء الوعي لا يتعلق بمؤسسة واحدة، وإنما يحتاج إلى تكامل الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية ومراكز البحث.

زغلول.. الدبلوماسية وإدارة المصالح:

وفي سياق الحديث عن استعادة الخبرات الوطنية، استحضر اللواء أحمد زغلول جانبا من التجربة الدبلوماسية المصرية في عهد الرئيس أنور السادات.

وأشار إلى رواية تتعلق باستخدام الفنان المصري العالمي عمر الشريف في نقل رسالة من السادات إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجن بشأن توجهاته نحو السلام بين البلدين.

وجاء استحضار هذه الواقعة في إطار التأكيد على أهمية تعدد أدوات الدولة في إدارة علاقاتها الخارجية، وأن تحقيق الأهداف الوطنية قد يعتمد أحيانا على قنوات غير تقليدية، إلى جانب المؤسسات الدبلوماسية والرسمية.

وربط زغلول ذلك بضرورة دراسة التجارب المصرية في إدارة الأزمات وصناعة القرار، والاستفادة من الخبرات العسكرية والسياسية والدبلوماسية في التعامل مع التطورات الحالية.

الإسناوي.. أين دور مراكز الفكر؟

وفي ختام المناقشات، أعاد الدكتور أبو الفضل الإسناوي توجيه الحوار إلى موقع مراكز الفكر في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وما يمكن أن تقدمه من إسهامات تساعد على تحويل النقاشات العامة إلى رؤى وسياسات.

وأبرزت إدارة الحلقة أهمية الجمع بين المسارات التي تناولها المشاركون، بداية من استعادة الذاكرة التاريخية والدروس الاستراتيجية لحرب أكتوبر، مرورا ببناء الإنسان والهوية والقدوة، وصولا إلى تطوير التعليم والإعلام والبحث العلمي، وتحسين كفاءة الإدارة المحلية، واستعادة ثقة المواطن في المؤسسات.

واتصل هذا المحور بما طرحه عبد الحميد كمال بشأن عدم تنفيذ بعض توصيات المؤتمرات والحوار الوطني، وما قدمه محمد الدسوقي من تصور للعلاقة بين المسؤول والمواطن والمتخصص والقطاع الخاص.

وبناء على ذلك، اتجهت المناقشة إلى ضرورة أن تضطلع مراكز الدراسات بدور يتجاوز إعداد الأوراق البحثية، من خلال الاقتراب من المشكلات الحقيقية للمواطنين، وتحليلها، واقتراح سياسات عملية تتضمن تحديد الجهات المعنية وآليات التنفيذ ومؤشرات قياس النتائج.

كما برزت أهمية تطوير آليات التواصل بين المؤسسات البحثية وصناع القرار، بما يسمح بالاستفادة من الخبرات المتخصصة، وعدم بقاء التوصيات منفصلة عن الواقع التنفيذي.

خلاصات النقاش.. من المسؤول عن المستقبل؟

كشفت المناقشات عن اتفاق عام بين المشاركين على أن مستقبل مصر يرتبط بقدرة الدولة والمجتمع على العمل في مسارات متوازية، وأن مواجهة التحديات الخارجية تستلزم وجود جبهة داخلية قوية، تتمتع بالوعي والثقة والانتماء.

وفي المقابل، أظهرت المداخلات اختلافا في تحديد نقطة البداية؛ إذ ركز اللواء أحمد زغلول على استعادة القيم الاجتماعية والقدوة والقناعة، بينما أعطى اللواء محمد الدسوقي أولوية لبناء الإدراك الاستراتيجي وتعزيز العلاقة بين المواطن والمسؤول والمتخصص.

أما الدكتور عبد الحميد كمال، فرأى أن معالجة فجوة الثقة تبدأ من التنفيذ الفعلي للتوصيات وتحسين الخدمات والإدارة المحلية، في حين أثارت الدكتورة نورهان العباسي قضية العلاقة بين الأوضاع الاقتصادية واهتمام الدولة ببناء الوعي.

وقدمت الدكتورة هند المحلي التجربة الصينية باعتبارها نموذجا لدراسة العلاقة بين الهوية والتنمية والقدرة المؤسسية، بينما ركز المستشار حازم جاد على خطورة الوعي المغلوط في توفير بيئة قابلة للتطرف والاستقطاب، وطرحت الدكتورة جيهان عبد الرحمن أهمية التعليم والتاريخ والتراث الإعلامي في بناء الانتماء.

وأعادت هذه الرؤى مجتمعة التأكيد على أن نجاح أي مشروع وطني لا يرتبط بمجرد توافر الخطط، وإنما بوجود مؤسسات قادرة على تنفيذها، ومواطن يثق في جدواها، ونخبة تقدم المعرفة وتتحمل مسؤوليتها تجاه المجتمع.

توجهات عملية:

في ضوء المناقشات، يمكن بلورة عدد من المسارات التي تستحق أن تكون محل دراسة أكثر تفصيلا من جانب مركز رع ومؤسسات الدولة المعنية.

يأتي في مقدمتها إعادة الاعتبار لدور المدرسة في بناء الشخصية، من خلال تطوير الأنشطة الرياضية والثقافية وإحياء الممارسات التي تعزز الانتماء، بالتوازي مع تحسين مكانة المعلم وتأهيله لأداء دوره التربوي.

كما تبرز الحاجة إلى تطوير سياسات إعلامية تقوم على المصداقية وتقديم المعلومات بصورة واضحة، والاستفادة من التراث التاريخي والفني المصري، وإتاحة مساحة أكبر للمتخصصين والخبراء في مناقشة القضايا العامة.

ويمثل تحسين جودة الخدمات المحلية أحد المسارات الضرورية لاستعادة الثقة، خاصة من خلال تطوير آليات متابعة الشكاوى وربطها بمؤشرات زمنية لقياس سرعة الاستجابة، وتفعيل الدور الرقابي والتشريعي للمؤسسات المختصة.

وفي ملف البحث العلمي، تبرز أهمية بناء علاقة مباشرة بين الجامعات والمراكز البحثية والقطاع الصناعي، وتطوير منظومة دعم المخترعين وتحويل نتائج الأبحاث إلى مشروعات ومنتجات ذات قيمة اقتصادية.

كذلك تحتاج العلاقة بين المواطن ومراكز الفكر والقطاع الخاص ومؤسسات الدولة إلى أطر تعاون واضحة، تسمح بالتعرف على المشكلات المجتمعية بصورة مبكرة، وتقديم حلول قابلة للتطبيق.

وفيما يتعلق بمخرجات المؤتمرات والمنتديات، أظهرت المناقشات أهمية تشكيل آليات دورية للتقييم والمتابعة، تتضمن تحديد مسؤوليات التنفيذ، والجداول الزمنية، والموارد المطلوبة، وإعلان ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك.

خاتمة.. الدولة التي تبني إنسانها:

انتهت المناقشات إلى أن استعادة تجربة أكتوبر لا تعني استحضار الماضي لمجرد الاعتزاز به، وإنما الاستفادة من الطريقة التي استطاعت بها مصر إعادة بناء الثقة والإرادة والمؤسسات بعد الهزيمة.

ففي عام 1973 لم يكن الانتصار نتاج القوة العسكرية وحدها، بل جاء نتيجة تفاعل الإرادة السياسية مع قدرة المؤسسة العسكرية، وتحمل المجتمع للأعباء، وتوظيف المعرفة والابتكار والتضامن العربي في خدمة هدف وطني واضح.

وبعد أكثر من خمسة عقود، تغيرت طبيعة التحديات، وأصبحت مصر تواجه أزمات اقتصادية وتحولات إقليمية ودولية وحروبا في مجالات الإعلام والمعلومات والثقافة والتكنولوجيا، بما يجعل بناء الإنسان قضية تتجاوز حدود التعليم أو التوعية التقليدية.

ومن هنا، لم يكن السؤال الذي طرحته الحلقة عن مسؤولية بناء المستقبل سؤالا نظريا، بل مدخلا لمناقشة كيفية توزيع هذه المسؤولية بين مؤسسات الدولة والمواطن والنخبة والقطاع الخاص.

وتبقى القيمة الحقيقية لهذه المناقشات مرتبطة بقدرتها على الانتقال من توصيف الأزمات إلى تقديم سياسات يمكن تنفيذها وقياس أثرها، وهو الدور الذي يسعى مركز رع للدراسات الاستراتيجية إلى تعزيزه من خلال لقاءاته وأنشطته البحثية.

فالدولة القادرة على حماية مستقبلها ليست فقط الدولة التي تمتلك أدوات القوة، وإنما تلك التي تستطيع بناء إنسان يمتلك المعرفة والإدراك والانتماء، ويثق في مؤسساته، ويشارك بفاعلية في صناعة المستقبل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى