معركة الوعي تبدأ من الثقة… من شرعية الإنجاز إلى مصداقية التواصل

ما الذي يأتي بعد الخطاب؟

لم يعد الحديث عن الوعي في الخطاب الرئاسي مجرد دعوة إلى إدراك التحديات التي تواجه الدولة، بل أصبح يرتبط بكيفية إدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ودور المؤسسات التنفيذية والإعلام في توضيح الحقائق، وتفسير القرارات، ومواجهة الشائعات، وفتح قنوات حقيقية للتواصل مع المواطنين.

والسؤال المحوري هنا إذا كانت القيادة السياسية تؤكد أهمية الوعي، فمتى تتحول هذه الرسالة إلى تحرك مؤسسي منظم، يشعر المواطن بأثره في المعلومات التي يتلقاها، وفي قدرته على فهم ما يدور حوله، وفي ثقته بما تقدمه مؤسسات الدولة من تفسيرات وبيانات؟

استعادة الثقة.. من الرسالة إلى الممارسة

عند قراءة الرسائل التي طرحها الرئيس عبد الفتاح السيسي في مناسبات متقاربة خلال شهر أكتوبر الجاري، تتضح مجموعة من المحاور المترابطة، أبرزها الوعي بالتحديات، والحفاظ على تماسك المجتمع، وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة، ومصارحة المواطنين والاستماع إلى آرائهم.

لكن استعادة الثقة لا تتحقق بالخطاب وحده، بل تتطلب أداءً مؤسسيًا واضحًا، يشرح أسباب القرارات وأهدافها، ويتيح المعلومات في توقيت مناسب، ويتابع النتائج بشفافية. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة ما تواجهه الدولة من تحديات، وإنما إلى فهم كيفية التعامل معها، وما تحقق من نتائج، وما لا يزال يحتاج إلى جهد.

ويمتد مفهوم الثقة إلى قدرة المواطن على الثقة بنفسه وبمجتمعه، والإيمان بإمكاناته في العمل والإنتاج والإنجاز. فكلما شعر بأن جهده مقدر، وصوته مسموع، ومشاركته مؤثرة، أصبح أكثر استعدادًا لتحويل التحديات إلى فرص، والانتماء إلى سلوك إيجابي ومسؤول.

الوعي المجتمعي والتلاحم الوطني والبناء الإنساني:

لا يقتصر الوعي على امتلاك المعلومات، بل يشمل إدراك المسؤولية المشتركة، واحترام الاختلاف، وتغليب المصلحة الوطنية، وتعزيز قدرة المجتمع على التماسك في مواجهة التحديات.

ومن هنا، تبرز أهمية البناء الإنساني باعتباره امتدادًا لبناء الدولة؛ فالتنمية لا تكتمل بالمشروعات والبنية التحتية وحدهما، وإنما تحتاج إلى الاستثمار في الإنسان من خلال التعليم والثقافة وتنمية المهارات وترسيخ قيم العمل والانضباط والمسؤولية.

وتزداد أهمية هذا المسار عندما يشعر المواطن بأنه جزء من عملية التنمية، وأن ما يتحقق من إنجازات ينعكس على حياته ويوسع فرصه. فالتلاحم الوطني لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالثقة المتبادلة، والشعور بالمسؤولية، وإتاحة فرص المشاركة، والقدرة على التعامل مع المشكلات بشفافية.

القدرة على الإنجاز.. أساس بناء الثقة:

يمثل الإنجاز الملموس أحد أهم العوامل المؤثرة في ثقة المواطنين بالمؤسسات؛ فالحكم على السياسات لا يتوقف عند حجم الإنفاق أو عدد المشروعات، بل يمتد إلى أثرها الفعلي في الخدمات وفرص العمل وجودة الحياة. لذلك، يحتاج التواصل الحكومي إلى توضيح أهداف المشروعات ونتائجها، ومصارحة المواطنين بما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك. فالاعتراف بالتحديات لا ينتقص من قيمة الإنجاز، بل يساعد على تصحيح المسار وتعزيز المصداقية.

كما أن بناء الثقة يرتبط باستعادة القدوة، بحيث تتجسد قيم النزاهة والإخلاص واحترام القانون وتحمل المسؤولية في السلوك العملي للمسؤولين والمؤسسات. فالقيم تصبح أكثر تأثيرًا عندما يجدها المواطن مطبقة أمامه، لا مجرد رسائل يسمعها.

وفي هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته بالمثلث الذهبي للمجتمع: الانتماء والولاء وحب الوطن. فالانتماء يعزز شعور المواطن بأنه جزء أصيل من وطنه، والولاء يرتبط بالمسؤولية تجاه المصلحة الوطنية، بينما يتجسد حب الوطن في العمل من أجل تقدمه والحفاظ على مقدراته.

ويكتمل هذا المثلث بتعزيز القناعة والرضا المجتمعي، دون أن يعني ذلك تجاهل المشكلات أو المطالب، وإنما من خلال المصارحة، وعدالة الفرص، والشعور بوجود مسار واضح للتحسن. فالرضا المستدام يرتبط بقدرة المواطن على رؤية نتائج ملموسة والمشاركة في تقييمها.

من العبور إلى البناء.. دروس في الإرادة الوطنية:

تقدم محطات التاريخ المصري مدخلًا مهماً لفهم العلاقة بين الوعي والإرادة والقدرة على الإنجاز. ففي عام 1973 ارتبط العبور باستعادة الثقة في القدرة على الفعل، بينما أعادت أحداث 2013 طرح قضية الحفاظ على الدولة ومؤسساتها، ثم تصاعد الاهتمام خلال السنوات التالية بالبناء والتنمية والرهان على قدرة المواطن على المشاركة.

ولا تكمن أهمية هذه المحطات في اختزال كل مرحلة في عنوان واحد، بل في استخلاص دلالة أوسع، وهي أن مواجهة التحديات تحتاج إلى تماسك المجتمع، ووضوح الهدف، والثقة في القدرة على الإنجاز، والاستعداد لتحمل المسؤولية.

ومن ثم، فإن استحضار الذاكرة الوطنية ينبغي أن يتجاوز الاحتفاء بالماضي إلى ربط دروسه بالحاضر والمستقبل، وتعزيز وعي الأجيال الجديدة بقيمة العمل الجماعي والحفاظ على مكتسبات الدولة واستكمال مسار التنمية.

الإعلام والتواصل الاستباقي.. من نقل المعلومات إلى بناء الوعي:

تتطلب مواجهة الشائعات الانتقال من التواصل الذي يأتي بعد تصاعد التساؤلات إلى نموذج استباقي يتيح المعلومات قبل اتساع مساحة التفسيرات المتباينة. ويشمل ذلك شرح القرارات، وتحديث المعلومات المتعلقة بتنفيذها، وفتح قنوات للاستماع إلى المواطنين والرد على تساؤلاتهم.

وفي هذا الإطار، يتحمل الإعلام مسؤولية تتجاوز إعادة نشر البيانات الرسمية، لتشمل تبسيط المعلومات، والتحقق من دقتها، وطرح الأسئلة التي تشغل المواطنين، ونقل مشكلاتهم إلى المسؤولين ومتابعة الاستجابة لها.

كما يمتد دوره إلى إبراز نماذج العمل والإنجاز والقدوة، وتسليط الضوء على المبادرات التي تعزز المشاركة المجتمعية. ويتطلب ذلك تحقيق التوازن بين عرض الإنجازات ومناقشة التحديات، بما يساعد المواطن على تكوين فهم قائم على المعرفة والحقائق، لا على الانطباعات أو الشعارات.

ولا يكتمل التواصل الفعال بمجرد أن تتحدث الدولة إلى المجتمع، بل يحتاج إلى الاستماع إلى آرائه والتعامل مع مقترحاته، مع توضيح ما تم الأخذ به وما تعذر تنفيذه وأسباب ذلك. فالحوار الذي لا يترتب عليه تفاعل واضح يفقد جانبًا مهمًا من قدرته على بناء الثقة.

ختاماً.. فإن أهمية الوعي تتجاوز مواجهة الشائعات إلى تعزيز تماسك المجتمع، ودعم قدرة المواطنين على فهم القرارات، وترسيخ الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.

ويظل التحدي الأساسي هو تحويل الوعي إلى ممارسة، والثقة إلى مشاركة، والانتماء إلى عمل وإنجاز. ويتطلب ذلك مؤسسات تتسم بالشفافية والاستجابة، وإعلامًا يفسر ويتحقق، ومواطنًا يمتلك المعرفة والإحساس بالمسؤولية

د. نورهان العباسي

د. نورهان العباسي، نائب أول مدير المركز للدراسات و البحوث ورئيس برنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة أستاذ مساعد الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. حصلت على درجة الدكتوراه في الصحافة والإعلام من جامعة وستمنستر بالمملكة المتحدة. الباحثة عملت في العديد من مراكز الفكر العربية والدولية منها في مصر وقطر والمملكة المتحدة، وهي متخصصة في مجالات الاقتصاد السياسي للإعلام، وإدارة الأزمات الإعلامية، ودراسات التحولات المجتمعية في الدول العربية، هذا بالإضافة إلى قضايا المرأة والأقليات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى