مقتضيات التنافس: محددات الحضور الأمريكي في الساحة الليبية

مرت ليبيا منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011 بالعديد من التحولات الجيوسياسية والأمنية التي أدت إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة وفي جوارها الإقليمي. فبدلًا من انتقال ديمقراطي مستقر، دخلت البلاد في مرحلة من الانقسام المؤسسي والنزاع المسلح، الأمر الذي مهد الطريق أمام تدخلات إقليمية ودولية متعددة سعت إلى حماية مصالحها وتعزيز نفوذها داخل الساحة الليبية. وفي هذا السياق برزت الولايات المتحدة باعتبارها أحد الفاعلين الدوليين المؤثرين في الأزمة الليبية، وإن كان حضورها خلال السنوات الأولى التالية للثورة أقل مباشرة مقارنة ببعض القوى الإقليمية الأخرى. غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا ملحوظًا في مستوى الاهتمام الأمريكي بليبيا، حيث توسع نطاق الانخراط السياسي والدبلوماسي والأمني الأمريكي بصورة واضحة، خاصة مع تزايد أهمية ليبيا في حسابات أمن المتوسط والطاقة والتنافس الدولي. كما تزامن ذلك مع انفتاح أمريكي أكبر على الفاعلين السياسيين والعسكريين في شرق ليبيا، في تحول يعكس إدراك واشنطن لأهمية المنطقة الشرقية في معادلة الاستقرار الليبي.

وتنطلق هذه الورقة من فرضية رئيسية مفادها أن اتساع الدور الأمريكي في ليبيا لم يعد مرتبطًا فقط بأهداف مكافحة الإرهاب كما كان الحال خلال السنوات التي أعقبت عام 2011، بل أصبح مرتبطًا بشكل متزايد باعتبارات المنافسة الجيوسياسية مع روسيا، والحفاظ على استقرار قطاع الطاقة، والتأثير في موازين القوى الداخلية، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى تكثيف انخراطها في شرق ليبيا بوصفه أحد المراكز الرئيسية للقوة السياسية والعسكرية داخل البلاد.

محددات اتساع الدور الأمريكي

يمكن الوقوف على المحددات الرئيسية لاتساع الدور الأمريكي في الملف الليبي على النحو التالي:

(*) الأهمية الجيوسياسية: تمثل ليبيا موقعًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية في منطقة شمال إفريقيا والبحر المتوسط. فهي تقع في نقطة وصل بين المشرق والمغرب العربيين والساحل الإفريقي، كما تمتلك حدودًا طويلة مع دول تعاني تحديات أمنية معقدة، مثل السودان وتشاد والنيجر. ويجعل هذا الموقع من ليبيا عنصرًا مؤثرًا في العديد من القضايا الأمنية والإقليمية التي تحظى باهتمام أمريكي متزايد. ومن منظور استراتيجي، تنظر الولايات المتحدة إلى استقرار ليبيا باعتباره عاملًا مهمًا في حماية الأمن الإقليمي ومنع انتقال التهديدات الأمنية عبر الحدود، فضلًا عن الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية التي تؤثر بصورة مباشرة في حلفاء واشنطن الأوروبيين. ولذلك أصبحت ليبيا جزءًا من شبكة أوسع من الاعتبارات الأمنية المرتبطة بالبحر المتوسط والساحل الإفريقي.

(*) مكافحة الإرهاب: مثلت مكافحة الإرهاب الدافع الأساسي للحضور الأمريكي في ليبيا خلال السنوات التي أعقبت سقوط القذافي. وقد تعزز هذا الاهتمام مع ظهور تنظيم “داعش” الإرهابي داخل الأراضي الليبية وتمكنه من توسيع نفوذه خلال الفترة الممتدة من أواخر عام 2014 وصولًا إلى سيطرته الفعلية على مدينة سرت في عام 2015، قبل أن يخسرها في نهاية عام 2016 نتيجة العمليات العسكرية التي دعمتها الولايات المتحدة جوًا. وأدركت واشنطن أن حالة الفراغ الأمني والانقسام المؤسسي توفر بيئة مواتية لانتشار التنظيمات الإرهابية، الأمر الذي جعلها حريصة على منع تحول ليبيا إلى قاعدة إقليمية للإرهاب. وعلى الرغم من تراجع تهديد “داعش” مقارنةً بما كان عليه في منتصف العقد الماضي، فإن الولايات المتحدة ما زالت تنظر إلى الملف الأمني الليبي باعتباره جزءًا من استراتيجيتها الأوسع لمكافحة الإرهاب في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.

(*) صعود الاعتبارات الجيوسياسية والتنافس مع روسيا: إذا كانت مكافحة الإرهاب قد شكلت المدخل الرئيسي للسياسة الأمريكية تجاه ليبيا خلال العقد الماضي، فإن المنافسة مع روسيا أصبحت عاملًا أكثر تأثيرًا خلال السنوات الأخيرة. فقد أدى تنامي الحضور الروسي في ليبيا إلى إثارة مخاوف أمريكية متزايدة من إمكانية تحول البلاد إلى منصة استراتيجية تسمح لموسكو بتوسيع نفوذها في البحر المتوسط وإفريقيا. وأصبحت واشنطن تنظر إلى الأزمة الليبية في إطار التنافس الدولي المتصاعد بين القوى الكبرى، وليس باعتبارها مجرد أزمة داخلية أو إقليمية. وقد اكتسب هذا العامل أهمية إضافية بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، حيث ازدادت حساسية الولايات المتحدة تجاه أي توسع روسي محتمل في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، بما في ذلك شرق ليبيا الذي يمثل نقطة ارتكاز رئيسية في الجغرافيا السياسية الليبية.

(*) أمن الطاقة واستقرار الأسواق: تمتلك ليبيا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في القارة الإفريقية، كما تعد من الدول المهمة في أسواق الطاقة العالمية. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ليست من كبار المستوردين للنفط الليبي، فإنها تنظر إلى استقرار إنتاج النفط الليبي باعتباره عاملًا مؤثرًا في استقرار الأسواق الدولية. وقد زادت أهمية هذا الملف مع التغيرات التي شهدتها أسواق الطاقة العالمية خلال السنوات الأخيرة. ولذلك حرصت واشنطن على دعم الجهود الرامية إلى حماية البنية التحتية النفطية الليبية والحفاظ على استمرار عمليات الإنتاج والتصدير بعيدًا عن الصراعات السياسية والعسكرية.

تطور العلاقات مع شرق ليبيا

ارتبط تطور علاقات واشنطن مع الشرق الليبي في أعقاب الإطاحة بنظام القذافي وصولًا للاتصالات والتفاعلات القائمة، بعدة مراحل:

(-) مرحلة التواصل المحدود والحذر السياسي: أدى الانقسام السياسي الذي شهدته ليبيا منذ عام 2014 إلى ظهور سلطات ومؤسسات متنافسة بين الشرق والغرب. وفي هذه المرحلة ركزت الولايات المتحدة بصورة أساسية على دعم العملية السياسية التي قادتها الأمم المتحدة وانتهت إلى توقيع الاتفاق السياسي الليبي في الصخيرات بالمغرب ديسمبر 2015، والذي أسس لاحقًا لحكومة “الوفاق الوطني”. غير أن هذا التوجه لم يمنع واشنطن من الاحتفاظ بقنوات اتصال مع القوى الفاعلة في المنطقة الشرقية. فقد أدركت الإدارة الأمريكية مبكرًا أن الشرق الليبي وقوات الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر يمثلان طرفًا محوريًا في معادلة القوة داخل البلاد. وخلال هذه الفترة اتسمت العلاقة الأمريكية مع شرق ليبيا بالحذر، حيث سعت واشنطن إلى تحقيق توازن بين دعم المؤسسات المنبثقة عن العملية السياسية الأممية وبين الحفاظ على التواصل مع الأطراف المؤثرة على الأرض.

(-) الانتقال إلى سياسة الانخراط البراغماتي: مع استمرار الانقسام الليبي وفشل العديد من المبادرات السياسية في تحقيق تسوية نهائية، بدأت الولايات المتحدة في تبني مقاربة أكثر براغماتية تجاه الأزمة. وانطلقت هذه المقاربة من حقيقة مفادها أن أي حل سياسي مستدام لا يمكن أن يتحقق دون إشراك القوى الرئيسية الموجودة في شرق ليبيا. ونتيجة لذلك شهدت السنوات اللاحقة اتساع نطاق التواصل الأمريكي مع القيادات السياسية والعسكرية في بنغازي وطبرق، إلى جانب استمرار الاتصالات مع الفاعلين الموجودين في غرب البلاد. وكان الهدف الأساسي من هذا النهج هو تشجيع جميع الأطراف على الانخراط في العملية السياسية والحفاظ على وحدة المؤسسات السيادية للدولة الليبية، خصوصًا المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي.

(-) الشرق الليبي في سياق المنافسة الأمريكية الروسية: يعد العامل الروسي أحد أبرز الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى تكثيف اهتمامها بشرق ليبيا بصورة خاصة. فالمنطقة الشرقية تمثل مركز الثقل العسكري لقوات الجيش الوطني الليبي، كما ارتبطت خلال السنوات الأخيرة بقضايا ذات صلة بالنفوذ الروسي داخل ليبيا. ومن هذا المنطلق سعت واشنطن إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي واتصالاتها مع المسؤولين والقوى المؤثرة في شرق البلاد من أجل توسيع هامش تأثيرها السياسي وتقليص فرص انفراد أي قوة دولية أخرى بالتأثير في المنطقة. ويكشف هذا التطور عن انتقال السياسة الأمريكية من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة أكثر فاعلية تقوم على محاولة تشكيل البيئة السياسية والأمنية المحيطة بالأزمة الليبية.

(-) الانفتاح على الفاعلين المحليين والمؤسسات المدنية

لم يقتصر الحضور الأمريكي المتزايد في شرق ليبيا على الجوانب الأمنية والعسكرية، بل امتد كذلك إلى المجالات الاقتصادية والتنموية والمؤسسية. فمع تزايد القناعة الدولية بأن الاستقرار الدائم لا يتحقق عبر الترتيبات الأمنية وحدها، توسعت الاتصالات الأمريكية مع البلديات والفاعلين الاقتصاديين ومؤسسات المجتمع المحلي في المنطقة الشرقية. كما ركزت هذه الاتصالات على دعم الاستقرار الاقتصادي وتحسين الحوكمة المحلية وتعزيز دور المؤسسات المدنية. ويعكس هذا التوجه فهمًا أمريكيًا متزايدًا لطبيعة الأزمة الليبية باعتبارها أزمة دولة ومؤسسات، وليست مجرد صراع عسكري بين أطراف متنافسة.

دلالات الحضور في الشرق 

يحمل تزايد الانخراط الأمريكي في شرق ليبيا مجموعة من الدلالات المهمة. أولها أن الولايات المتحدة باتت تنظر إلى الشرق الليبي باعتباره شريكًا لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات سياسية مستقبلية. وثانيها أن ليبيا أصبحت جزءًا من معادلات التنافس الدولي الأوسع، لا سيما في ظل تنامي المنافسة الأمريكية الروسية في منطقة المتوسط وإفريقيا. أما الدلالة الثالثة فتتمثل في تحول السياسة الأمريكية من الاعتماد على مقاربة تركز بصورة أساسية على مكافحة الإرهاب إلى مقاربة أكثر شمولًا تجمع بين الاعتبارات الأمنية والسياسية والاقتصادية والجيوسياسية. في حين تتمثل الدلالة الرابعة في سعي واشنطن إلى الحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف القوى الليبية لتفادي الانحياز الكامل لأي طرف على حساب الأطراف الأخرى.

ختامًا؛ تكشف دراسة تطور الدور الأمريكي في ليبيا والذي شهد تحولًا نوعيًا خلال السنوات الأخيرة. فبعد أن انصب الاهتمام الأمريكي في البداية على مواجهة التنظيمات الإرهابية ومنع انهيار الدولة الليبية، توسعت الأهداف الأمريكية لتشمل الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة ومواجهة النفوذ الروسي وتعزيز الاستقرار الإقليمي. وفي إطار هذا التحول اكتسب شرق ليبيا أهمية متزايدة في الحسابات الأمريكية، الأمر الذي انعكس في اتساع نطاق التواصل والانخراط السياسي والدبلوماسي مع القوى الفاعلة في المنطقة. ولا يعبر هذا التوجه عن تغيير جذري في أهداف السياسة الأمريكية بقدر ما يعكس إعادة ترتيب الأولويات بما يتوافق مع التحولات التي يشهدها النظام الدولي والإقليم المحيط بليبيا. ومن المرجح أن يستمر هذا النمط من الانخراط الأمريكي خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل استمرار أهمية ليبيا كحلقة وصل بين شمال إفريقيا والبحر المتوسط ومنطقة الساحل، وكإحدى الساحات التي تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والطاقة والمنافسة بين القوى الكبرى.

دعاء الهواري

د. دعاء الهواري- رئيس برنامج الدراسات البرلمانية، مدرس العلوم السياسية جامعة الاسكندرية، الباحثة متخصصة في الدراسات البرلمانية والسياسات العامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى