حسابات الدولة.. معادلة الأمن والوعي في رسائل السيسي خلال “وطن الأبطال”

جاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة، بعنوان «وطن الأبطال»، بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، محملة برسائل سياسية واستراتيجية تتجاوز الاحتفاء بالانتصار العسكري إلى قراءة طبيعة التحديات التي تواجه الدولة المصرية، وتحديد أولويات التعامل معها في ظل تحولات داخلية وإقليمية متسارعة. واستند الرئيس إلى استحضار محطات مفصلية من التاريخ المصري، رابطًا بين معركة استعادة الأرض عام 1973 وتحديات الحفاظ على الدولة عام 2013، قبل الانتقال إلى قضايا الوعي الوطني، والإصلاح الاقتصادي، واستقرار المؤسسات، ومكافحة الإرهاب، وثوابت السياسة الخارجية المصرية. ويكشف هذا التسلسل عن خطاب يجعل الحفاظ على الدولة محورًا جامعًا لمختلف الملفات، ويربط بين قوة المؤسسات ووعي المجتمع والقدرة على مواجهة الضغوط وصون المصالح الوطنية.

من نصر أكتوبر إلى أحداث 2013.. الحفاظ على الدولة باعتباره أولوية وطنية:

استهل الرئيس السيسي رسائله باستدعاء المقارنة بين عامي 1973 و2013، موضحًا اختلاف طبيعة التحديات التي واجهت مصر في المرحلتين، مع اشتراكهما في أهمية حماية الوطن، ففي أكتوبر خاضت الدولة معركة استعادة الأرض والكرامة الوطنية، بينما قدم الرئيس أحداث 2013 باعتبارها محطة لاستعادة الدولة والحفاظ على هويتها ومؤسساتها. ويعكس هذا الربط رؤية تعتبر أن مفهوم الأمن القومي لا يتوقف عند حماية الحدود، بل يمتد إلى صيانة كيان الدولة وقدرتها على الاستمرار. كما يوظف الذاكرة الوطنية لتأكيد أن التحديات قد تتغير أدواتها ومظاهرها، لكن بقاء الدولة يظل شرطًا أساسيًا لحماية مصالح المواطنين ومواصلة التنمية.

معركة الوعي.. حماية الذاكرة الوطنية من التضليل والتزييف:

احتل الوعي الوطني موقعًا مركزيًا في الكلمة، إذ حذر الرئيس السيسي من محاولات التشكيك في انتصار أكتوبر أو التقليل من أهميته، ومن توظيف وسائل التواصل الاجتماعي في نشر المعلومات المضللة والتأثير في إدراك المواطنين. وتكمن أهمية هذه الرسالة في اعتبار الذاكرة الجمعية أحد مقومات تماسك المجتمع، وأن تشويه الحقائق التاريخية قد ينعكس على قدرة الأجيال الجديدة على فهم ماضيها وتقدير التحديات التي واجهتها الدولة. وفي ظل بيئة رقمية تتسم بسرعة تداول المعلومات وصعوبة التحقق من بعضها، يطرح الخطاب الوعي باعتباره جزءًا من منظومة الأمن القومي، بما يستدعي دورًا مسؤولًا من الإعلام والمؤسسات التعليمية والثقافية، إلى جانب تعزيز قدرة المواطنين على التمييز بين الحقائق والشائعات.

استقرار الدولة ومرجعية الدستور.. رسائل في مواجهة الاضطراب الداخلي:

جاء تأكيد الرئيس السيسي أن للدولة دستورًا وافق عليه المصريون، وأن أحدًا لن يمسه أو يعبث بعقولهم، في سياق تحذيره من حملات الشائعات ومحاولات زعزعة الاستقرار، ليقطع بذلك الطريق على المغرضين الذين يروجون لاعتزام الدولة تعديل الدستور. وربط الرئيس بين حماية مؤسسات الدولة ومواجهة التضليل، مستحضرًا تداعيات أحداث عام 2011 ومحذرًا من مخاطر تكرار اضطرابات مماثلة. وتعكس هذه الرسالة أولوية استمرارية المؤسسات في الرؤية التي طرحها، مع التأكيد على أن استقرار الدولة يتأثر بطبيعة الخطاب العام وقدرة المجتمع على التعامل الواعي مع الأحداث.

الإصلاح الاقتصادي والعمل.. دروس الماضي ومتطلبات البناء:

استعاد الرئيس السيسي تجربة الإصلاح الاقتصادي في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، مشيرًا إلى أن بعض الإجراءات التي اتُخذت آنذاك واجهت اعتراضات ومظاهرات أدت إلى التراجع عن استكمال المسار المطروح. وربط هذه التجربة ببرنامج الإصلاح الاقتصادي الحالي، مؤكدًا أن بناء الدولة عملية ممتدة تتطلب العمل والصبر والاستمرارية. وتحمل الرسالة تأكيدًا على أن التنمية لا تتحقق بقرارات منفردة أو في فترات زمنية قصيرة، بل تحتاج إلى جهد متواصل وقدرة على التعامل مع التحديات. وفي هذا السياق، استحضر الرئيس الاستعدادات التي سبقت حرب أكتوبر، لينقل مفهوم الواجب الوطني من التعبئة العسكرية إلى العمل والإنتاج في المرحلة الراهنة.

مكافحة الإرهاب.. كلفة المواجهة وأهمية الحفاظ على الاستقرار:

أشار الرئيس السيسي إلى أن مصر خاضت حربًا شرسة ضد الإرهاب على مدار السنوات الأربع عشرة الماضية، تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه، إلى جانب التضحيات البشرية التي قدمها أبناء الوطن، مؤكدًا أن المواجهة انتهت إلى تحقيق الأمن والاستقرار. ويضع هذا الطرح تجربة مكافحة الإرهاب ضمن سياق أوسع يتعلق بكلفة حماية الدولة ومؤسساتها، وما تتطلبه مواجهة التهديدات من موارد وتضحيات. كما يربط بين الأمن ومواصلة التنمية، باعتبار أن الاستقرار يوفر أحد الشروط الأساسية لاستمرار النشاط الاقتصادي والاجتماعي. وتتمثل الرسالة هنا في أن الحفاظ على ما تحقق من استقرار يتطلب استمرار اليقظة والقدرة على التعامل مع المخاطر، بالتوازي مع معالجة التحديات التي تمس حياة المواطنين وتطلعاتهم.

تجربة ما قبل 2013.. إدارة الدولة تتجاوز حسابات الوصول إلى السلطة:

استعرض الرئيس السيسي جانبًا من تجربته خلال توليه مسؤولية إدارة المخابرات الحربية، مشيرًا إلى لقاءاته مع تيارات سياسية ومرشحين للرئاسة، وما طرحه عليهم من تساؤلات بشأن قدرتهم على إدارة الدولة والتعامل مع تحدياتها. كما استعاد موقفه من إمكانية تسليم الحكم لجماعة الإخوان المسلمين، مؤكدًا أن إرادة الشعب كانت معيارًا في هذا الشأن، وأن الحفاظ على الدولة واستمرار مؤسساتها يمثل أولوية. وتقدم هذه الرواية قراءة سياسية لمرحلة الانتقال التي سبقت عام 2013، تركز على قدرة القوى السياسية على إدارة شؤون الدولة ومواجهة أزماتها، وليس فقط على الوصول إلى السلطة. كما ربط الرئيس بين الاضطرابات السياسية والتداعيات التي أشار إليها بشأن الاحتياطي النقدي والسياحة والاستثمار، في تأكيد على أن إدارة الدولة تتطلب رؤية شاملة تتجاوز الحسابات التنظيمية والحزبية الضيقة.

رسائل إلى إسرائيل.. السيادة المصرية والتمسك بالسلام:

في رده على تصريحات وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بشأن سيناء، أكد الرئيس السيسي أن مصر خاضت حربًا دفاعًا عن أرضها واستعادت كامل أراضيها، مشددًا على أن القاهرة لا تحمل مطامع تجاه أي طرف، وأن أولويتها حماية أمنها واستقرارها وصون مقدرات شعبها. وتحمل هذه الرسالة تأكيدًا واضحًا على السيادة المصرية، مع التمسك بمعاهدة السلام بوصفها الإطار الحاكم للعلاقات بين البلدين. ويجمع الموقف بين الحزم في الدفاع عن الحقوق الوطنية ورفض أي تصورات تتعارض مع حقيقة استعادة الأرض، وبين التأكيد على أن السياسة المصرية لا تستهدف التصعيد أو التوسع، بل حماية الأمن القومي والحفاظ على الاستقرار. وبذلك، يوجه الخطاب رسالة مفادها أن الالتزام بالسلام لا ينتقص من الثوابت الوطنية، وأن حماية السيادة تظل محددًا رئيسيًا للموقف المصري.

حل الدولتين وأمن الخليج.. ثوابت مصر في مواجهة اضطرابات الإقليم:

امتدت رسائل الرئيس إلى الأوضاع الإقليمية، حيث أكد تمسك مصر بحل الدولتين باعتباره المسار الواقعي لتحقيق سلام عادل ودائم، وإقامة دولة فلسطينية ودولة إسرائيلية تتمتع كل منهما بالاحترام. ويعكس هذا الموقف استمرار الرهان المصري على التسوية السياسية لمعالجة جذور الصراع، بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع تداعياته المتكررة على أمن المنطقة واستقرارها.

وفي السياق ذاته، شدد الرئيس على أن الأمن القومي لدول الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، مؤكدًا دعم مصر لأشقائها واستعدادها للمساهمة في خفض التصعيد وتأمين الملاحة واستعادة الاستقرار. وتكشف الرسالتان عن ترابط واضح بين أولويات السياسة الخارجية المصرية؛ فالقاهرة تتمسك بتسوية سياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتعتبر استقرار الخليج وحماية أمنه جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي التي تؤثر مباشرة في المصالح المصرية والعربية. ومن ثم، فإن الرسالة الخارجية للكلمة تجمع بين حماية المصالح الوطنية، ودعم الأشقاء، وتجنب اتساع دائرة المواجهات.

«حصنوا بلدكم».. مسؤولية وطنية تتجاوز مؤسسات الدولة:

جاءت دعوة الرئيس إلى تحصين مصر من محاولات الاستهداف والتضليل، وقوله «حصنوا بلدكم ضد هذه المؤامرة.. ولا أقول حصنوا الرئيس»، لتؤكد أن الحفاظ على الدولة مسؤولية تتجاوز مؤسسات الحكم لتشمل المجتمع بأكمله. فمواجهة الشائعات وتعزيز الوعي العام لا يتحققان بالإجراءات الرسمية وحدها، وإنما يحتاجان إلى مشاركة المواطنين والمؤسسات الإعلامية والتعليمية والثقافية في نشر المعلومات الموثوقة ورفع القدرة على التحقق من الوقائع. وتمنح هذه الدعوة البعد المجتمعي أهمية خاصة، إذ تربط الانتماء الوطني بالمسؤولية والوعي والعمل، وتجعل حماية الاستقرار مهمة مشتركة، مع أهمية أن تستند هذه الجهود إلى الشفافية وإتاحة المعلومات وتعزيز الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

وبناء على ما تم عرضه يمكن القول أن كلمة الرئيس السيسي خلال الندوة التثقيفية قدمت تصورًا مترابطًا للتحديات التي تواجه مصر، يبدأ من استدعاء دروس التاريخ، ويمر بحماية الوعي الوطني واستقرار المؤسسات ومواصلة الإصلاح الاقتصادي، وينتهي بتأكيد ثوابت السياسة الخارجية المصرية تجاه السيادة الوطنية والقضية الفلسطينية وأمن الخليج. ويجمع هذه المحاور خيط رئيسي يتمثل في أولوية الحفاظ على الدولة وقدرتها على الاستمرار في مواجهة التحديات المتغيرة.

وتظل ترجمة هذه الرؤية إلى نتائج مستدامة مرهونة بقدرة السياسات على تحقيق التنمية وتحسين حياة المواطنين وتعزيز الثقة العامة، إلى جانب حماية المصالح الوطنية والتعامل الفعال مع التحديات الداخلية والإقليمية.

د. نورهان العباسي

د. نورهان العباسي، نائب أول مدير المركز للدراسات و البحوث ورئيس برنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة أستاذ مساعد الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. حصلت على درجة الدكتوراه في الصحافة والإعلام من جامعة وستمنستر بالمملكة المتحدة. الباحثة عملت في العديد من مراكز الفكر العربية والدولية منها في مصر وقطر والمملكة المتحدة، وهي متخصصة في مجالات الاقتصاد السياسي للإعلام، وإدارة الأزمات الإعلامية، ودراسات التحولات المجتمعية في الدول العربية، هذا بالإضافة إلى قضايا المرأة والأقليات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى