مجدي طنطاوي يكتب.. مشكلة المسلمين في المسلمين أنفسهم

لماذا نجلد أنفسنا ونمنح الآخرين صكوك البراءة؟ من أغرب ما ابتلينا به أن بعض المسلمين أصبحوا أشد قسوة على أنفسهم من خصومهم وأكثر استعدادا لإدانة أمتهم من إدانة من يعتدون عليها وكأنهم ينتظرون أي خطأ يقع فيه مسلم ليحولوه إلى قضية كبرى وأي كلمة تصدر عن أحد أبنائها ليجعلوا منها جريمة تاريخية بينما تمر أمام أعينهم جرائم ترتكب بحق الشعوب وأوطان تدمر وملايين البشر يدفعون أثمانا باهظة من دمائهم وأمنهم ومستقبلهم دون أن تتحرك في نفوسهم الغيرة ذاتها أو تشتعل في ضمائرهم نار الغضب نفسها المشكلة ليست في الإسلام بل فيمن لا يعرفون كيف ينصفونه الإسلام ليس مسؤولا عن كل مسلم أخطأ ولا يجوز أن نحاكم عقيدة بأفعال بعض المنتسبين إليها وإلا فبأي منطق نحاكم الأديان والأمم والشعوب؟ هل نحكم على عقيدة رئيس أمريكي أو قائد أوروبي أو مسؤول في الصين أو كوريا أو اليابان من خلال هويته الدينية أم من خلال قراراته وسياساته وما تتركه في حياة البشر من عدل أو ظلم وسلام أو دمار؟ ولماذا يصبح خطأ المسلم دليلا على فساد الإسلام بينما لا يصبح خطأ غيره دليلا على فساد معتقده؟ إنها ازدواجية في التفكير قبل أن تكون خللا في الموقف وهي ظلم للحقيقة قبل أن تكون إساءة للمسلمين حين يصبح المسلم خصما لنفسه ليس المطلوب أن نصمت عن أخطائنا أو أن نغطي على فساد أو انحراف بل المطلوب أن نمتلك عقولا عادلة لا تخلط بين الدين وأفعال أتباعه ولا تسمح لأحد أن يوظف أخطاء البشر لتشويه عقيدة كاملة لقد ارتكب بشر ينتسبون إلى الإسلام أخطاء وجرائم وهذا لا ينكره عاقل لكن التاريخ شهد أيضا حروبا استعمارية ومجازر واحتلالا وتدميرا لشعوب كاملة ارتكبتها قوى ودول رفعت شعارات الحرية والحضارة والإنسانية فهل توقف أصحاب جلد الذات عند هذه الوقائع بالقدر نفسه الذي يتوقفون به أمام أخطاء المسلمين؟ وهل امتلكوا الجرأة ذاتها في مساءلة أصحاب القوة والنفوذ أم أن سهامهم لا تعرف طريقها إلا إلى صدور أبناء أمتهم؟ لا تجعلوا من احتقار الذات دليلا على الوعي إن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة أن تفقد ثقتها بنفسها وأن يتحول بعض أبنائها إلى محكمة دائمة لا ترى إلا عيوبها ولا تتذكر إلا إخفاقاتها ولا تمنح تاريخها أو حاضرها أي فرصة للإنصاف فالنقد الحقيقي يبني ولا يهدم ويصحح ولا يشوه ويكشف الخطأ دون أن يحول الأمة كلها إلى متهم يقف في قفص الاتهام أمام العالم أما أن ننتقي أخطاءنا ونضخمها ونتجاهل أخطاء الآخرين ونبررها أو نصمت عنها فذلك ليس وعيا ولا شجاعة فكرية بل انحياز أعمى يرتدي ثوب النقد ويتخفى خلف شعارات التنوير الإسلام لا يحتاج إلى دفاع مرتبك الإسلام لا يستمد قيمته من تصفيق أحد ولا يفقد حقيقته بسبب إساءة أحد المنتسبين إليه والقرآن الكريم وضع ميزانا واضحا للعدل لا يتبدل بتبدل الأسماء والهويات فقال الله تعالى ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ المائدة 8 وقال سبحانه ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ المائدة 8 وهذا هو جوهر القضية أن يكون العدل مبدأ لا يتغير بحسب من نحب ومن نكره وأن تكون محاسبة الأفعال واحدة مهما اختلفت الأديان والأجناس والجنسيات لسنا مطالبين بتبرير أخطاء المسلمين ولسنا مطالبين أيضا بقبول تشويه الإسلام بسببها ولسنا ملزمين بأن نعتذر عن كل جريمة يرتكبها إنسان ينتسب إلى أمتنا بينما يعفى الآخرون من المساءلة عن جرائمهم كفى ظلما لأنفسنا باسم النقد أيها الذين لا ترون في أمتكم إلا العيوب ارفعوا أيديكم قليلا عن جلد الذات وانظروا إلى العالم بعيون مفتوحة لا بعيون تبحث عن إدانة المسلمين وحدهم حاسبوا المخطئ أيا كانت هويته وانتقدوا الانحراف أينما وجد ولا تسمحوا لأحد أن يجعل من الإسلام شماعة يعلق عليها إخفاقات السياسة وصراعات المصالح وجرائم الحروب فالمسلم الذي ينصف الآخرين ولا ينصف أمته لا يمارس فضيلة العدل بل ينتقص منها والذي يرى أخطاء قومه ولا يرى أخطاء غيرهم لم يبلغ قمة الوعي بل سقط في فخ الانتقائية إن الدفاع عن الإسلام لا يبدأ بتبرير أخطاء المسلمين ولا ينتهي بجلدهم وإنما يبدأ بالفهم الصحيح والميزان العادل ورفض الكيل بمكيالين ومن أراد إصلاح أمته فليبدأ بتصحيح أخطائها لا بتحقيرها ومن أراد إنصاف العالم فليكن عادلا مع الجميع لا قاسيا على المسلمين وحدهم فالأمم لا تنهض بكراهية ذواتها ولا تستعيد كرامتها باستجداء رضا الآخرين بل بالوعي والثقة والعدل والقدرة على التمييز بين حقيقة الدين وأخطاء البشر

مجدي طنطاوى

مجدي طنطاوى- رئيس الهيئة الاستشارية العليا لمركز رع للدراسات الاستراتيجية. الكاتب هو مدير تحرير جريدة الجمهوية، كمان أنه مذيع مصري عمل في العديد من المحطات الفضائية المصرية، وهو باحث مهتم بالفكر الديني والعلاقات بين الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى