استعادة الردع: خيارات الرياض لمواجهة اعتداءات “الحوثي” على أراضيها

تشهد الساحة اليمنية تصعيدًا عسكريًا متواصلًا، بين ميليشيا “الحوثي” وقوات الحكومة الشرعية، ترَكَّز في ضربات جوية ومعارك برية واستهدافات مكثفة للأراضي السعودية، تعد الأعنف منذ اندلاع المواجهات العسكرية، ومع استمرار تلك الهجمات وتداعياتها الأمنية والإنسانية، تبقى السعودية بين نقيضين؛ فلا يمكنها الدخول في حرب شاملة قد تستنزف قدراتها العسكرية، ولا الوصول لهدنة تسمح لها بإعادة الاستقرار، فما هي خيارات الرياض أمام هذا المشهد المعقد؟
قيود بنيوية ضاغطة
مع تصاعد الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية، والتي طالت عدد من المطارات والمواقع النفطية، لم تلجأ الرياض إلى تصعيد مضاد، لوجود عدد من القيود البنيوية الضاغطة، والتي تحكم قرار التصعيد في الملف اليمني، تشمل ما يلي:
(*) تحول الأولويات: تعيد الرياض ترتيب أولوياتها الوطنية حول “رؤية 2030″، ومساعيها نحو التحول الاقتصادي وزيادة المشاريع الإنتاجية غير النفطية، إضافة إلى الـتأثير السلبي لطول أمد الحرب على مساعي جذب الاستثمار واستضافة المملكة للأحداث العالمية الكبرى.
(*) التكلفة العسكرية الباهظة، والاستنزاف الدائم للموارد؛ نتيجة للخسائر الناتجة عن المواجهات العسكرية، ونتيجة عدم التوازن في وسائل صد الهجمات الحوثية، طائرة مسيرة لا تتعدى تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات، أو صاروخ باليستي، قد يواجه بمليون دولار لكل صاروخ اعتراضي واحد.
(*) غياب الحسم العسكري إلى الآن: حيث تشير دروس المواجهات في 2015-2021، إلى تحصن “الحوثيين” في جبال صعدة وصنعاء، مما يجعل المواجهات العسكرية تكلف عشرات مليارات الدولارات دون نتيجة حاسمة.
(*) تغير خريطة علاقات الأطراف المؤثرة؛ فقد حدثت تهدئة سعودية-إيرانية في مارس 2023، برعاية صينية، وأحيانًا ما علاقات الرياض مع واشنطن توترًا على خلفية المواقف الأمريكية من ملفات المنطقة.
الدرس التاريخي الذي تقرأه الرياض هو أن أي انسحاب يُقرأ من “الحوثيين” على أنه فراغ يجب أن يُملأ، وأي تصعيد عسكري يجلب الحرب إلى العمق السعودي.
ولهذا نجد الاستراتيجية السعودية الراهنة مستندة إلى معادلة: “لا حرب شاملة، ولا تسليم، ولا اعتراف”، مقدمة الدعم لقوات الحكومة الشرعية للقيام بردّ يردع ويستنزف “الحوثيين”، مع تعزيز جبهة الساحل الغربي، والتحرك الصامت استخباراتيًا وتمويليًا؛ وفي الوقت ذاته تتحرك دبلوماسيًا وفق ثلاث مسارات متوازية؛ ضغط عبر واشنطن، وتسوية عبر طهران، وحوار عبر مسقط، في إطار مساعي إخراج اليمن من دائرة “الحرب الكبرى” إلى دائرة “إدارة مسار التسوية”؛ أو الدفع باتجاه انهيار “المشروع الحوثي” داخليًا.
حسابات الفاعلين
يشاهد المراقب للصراع في اليمن تناقضًا في الأجندات الإقليمية، فهو ليس صراعًا داخليًا قائمًا بذاته، وإنما وجه من وجوه صراع مركب متعدد الأطراف، تتداخل فيه المصالح الإيرانية والأمريكية والسعودية والخليجية وغيرها، وتتداخل معها أيضًا عوامل طائفية وثقافية وسياسية وجهوية، مما يجعل الحلول الدبلوماسية التقليدية عاجزة عن معالجته من ناحية، وافتراض دائرة مصالح تبقي جذوته مشتعلة من ناحية أخرى، وذلك استنادًا إلى الطرح التالي:
- إسرائيل: تضغط تل أبيب باتجاه رفع حاجة الرياض للمظلة الإسرائيلية-الأمريكية، وخفض كلفة التطبيع، فبقاء الرياض عالقة في اليمن، يرفع من سقف تنازلاتها المطلوبة، أو يرفع عائد واشنطن وتل أبيب من “حل الملف” بدلاً منها، في الوقت ذاته يمثل الصراع في اليمن حلقة ضمن حلقات متعددة؛ تستهدف إضعاف القوى الإقليمية، حيث تفضل تل أبيب أن تبقى المنطقة مضطربة؛ لتحافظ على تفوقها وأمنها، مع إجهاض مساعي صعود أي قوة إقليمية أخرى موازية لها.
- الولايات المتحدة: تضغط واشنطن علنًا وبقوة باتجاه رفع حاجة الرياض للتنسيق الأمريكي، وبيع “حل اليمن” كتنازل ضمن صفقة التطبيع مع تل أبيب كشرط ضمني لحزمة “الصفقة الكبرى”: اتفاق دفاعي، نووي مدني، مصالح اقتصادية ضخمة، وربما مسار فلسطيني شكلي، استنادًا إلى منطق المفاوضات الاستراتيجية المعهودة بين الحلفاء الأكبر والأصغر- وهو سلوك رصدته أعمالُ التفاوض السعودية-الأمريكية منذ 2020 (مطالبة الرياض بحل “ملف الحوثيين” كضمانة قبل أي ترتيب دفاعي).
- إيران: يكشف لنا سلوك طهران مع الملف اليمني، حرصها على إبقاء “الحوثيين” كورقة ضغط نشطة في ملفاتها التفاوضية مع واشنطن، وتوريط الرياض في حرب استنزاف تُضعف تحالفها مع واشنطن، مع إبقاء خيار التقارب السعودي-الإيراني مطروحًا تحت أي مساعي تهدئة علنية، وإن ظل مرتبطًا بملفات أثقل منه، وهذا بالضبط ما يجعل أزمة اليمن ليست “ملفًا من الملفات”؛ بل المختبر الذي تُترجم فيه كل مسارات الحوار إلى أرض الواقع، فما يُقال في الرياض وطهران وواشنطن يُختبر في صنعاء ومأرب وعدن، ما يعني أن ساحة اليمن ليست ملفًا للتقارب؛ بل الملف الحاسم الذي يختبر التقارب بين طهران والرياض.
- “الحوثيون”: يرون أن استمرار الحرب يعفيهم من الاضطرار إلى التسوية، ويحفظ “مشروعهم”، ويمنحهم الاستمرار في المعادلة اليمنية، ويمكنهم من إنتاج شرعية داخلية، والتعبئة ضد “العدو السعودي” وفق تعبيرهم، وفي الوقت ذاته يوسع من دائرة سيطرتهم بمحاولة إطباق الحصار على تعز واقتحامها غربًا، وحتى يتمكنوا من الوصول إلى مأرب شرقًا، عندها يمكنهم القبول بالجلوس مع مكونات الجنوب والتفاوض في منحه حق تقرير المصير. إضافة لذلك، يمنح استمرار قصف الأراضي السعودية وتهديد الملاحة الدولية؛ امتلاك ورقة تفاوضية غاية في الأهمية؛ تكمن في إجبار الأطراف الدولية على القبول بـ”الحوثيين” شريكًا أساسيًا في المعادلة اليمنية؛ فكل هجوم حوثي يستنزف دفاعات السعودية متوسطة وبعيدة المدى (باتريوت/ثاد)، ويكشف مدى هشاشة الأمن البحري، ويرفع التكلفة الدفاعية على الغرب، وهو بمثابة ابتزاز للملاحة في البحر الأحمر والتجارة العالمية.
- السعودية: لدى الرياض رغبة في الحسم السريع لحرب اليمن، لكن ذلك يظل رهنًا بالكلفة العسكرية الكبيرة، وحسابات التسوية الداخلية بين الأطراف اليمنية، إضافة إلى نيتها الاحتفاظ بورقة الحسم التفاوضية مع واشنطن، متبعة أسلوب المماطلة المحسوبة؛ للحصول على تنازلات أمنية أمريكية كـ(اتفاق دفاعي ملزم، نقل تكنولوجيا، وحسم للملف النووي)، فالرياض لا تفضل حلًا بعيدًا عن حساباتها، لا بيد واشنطن ولا تل أبيب؛ بل تريد حسمًا عبر تسوية تُدرجها هي -لا غيرها- كرابحة لا خاسرة.
وبالرغم من أنه لا يوجد تنسيق إجرائي مُثبَت بين الأطراف سالفة الذكر، لكن يبدو أن هناك تحالف صامت يجمعهم –باستثناء الرياض- يتحرك في اتجاه واحد؛ ليُبقي الأخيرة عالقة في ملف اليمن، والمفارقة البنيوية؛ هي أن جميع الأطراف تبدو رابحة تقريبًا من استمرار الأزمة، والضحية الوحيدة هي اليمن، والخاسر الوحيد هو السعودية، والتي لا تملك خيار الانسحاب جغرافيًا، مع الكلفة العسكرية الباهظة التي تتحملها نتيجة بقاء الصراع مشتعلًا.
استنادًا لما سبق، قد يبدو أن الرياض عالقة بالفعل في الملف اليمني، وفي دوامة لا مخرج منها؛ لكن لماذا لا يكون العكس هو الصحيح، فما يحدث هو أقرب إلى أن تكون مَن يحاول إدارة المشهد لا مَن يُدار بها؛ مخطئ من يظن أن الرياض لا تزال رهن الحماية الإجبارية.
فمنذ 2015، أدركت الرياض، “كيف تجعل كلفة تخلي واشنطن عنّها أعلى من كلفة بقائها معها؟” واتجهت إلى ممارسة هذه السياسة فعلًا؛ من خلال تعدد مصادر السلاح، وتعدد الشركاء الاستراتيجيين، مع الحرص على تسوية الملف بأيدي يمنية، وفي الوقت ذاته لم تفتح الباب أو تغلقه أمام التطبيع مع تل أبيب وفق سياسة “المماطلة المدارة” لخدمة مصالح المملكة.
خطر وجودي وإدارة محسوبة
قد يتردد كثيرًا أن استمرار الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية يشكل خطر وجودي على المملكة؛ لكن القراءة المتعمقة للمشهد، تعكس وجود خطر حقيقي، ولكنه يأتي من اتجاه آخر، يرتبط بالبنية الداخلية السعودية ومدى تماسكها، وقدرة الاقتصاد على الصمود، وقوة وكفاءة المؤسسات، مع إبقاء تأثير العوامل الخارجية داخل دائرة الاحتواء المحسوب، فلا مصلحة لطرف في إضعاف أو تقسيم السعودية، بل في وضعها تحت الضغط المدار بدقة.
ولعل استمرار استهداف السعودية بالصواريخ والمسيرات، ومساعي إحداث أكبر ضرر في منشآتها الحيوية يعكس هذا الضغط بوضوح، والمفارقة أن “الحوثيين” عندما أعلنوا السيطرة على مضيق باب المندب، منعوا مرور السفن السعودية مع السماح بل وحماية السفن الإسرائيلية والأمريكية؛ ما يشي بأنه عداء في العلن وتوافق في الخفاء.
وتدرك الرياض أن ملف اليمن هو ورقتها التفاوضية المضادة؛ فكلما تصاعد التهديد الحوثي للبحر الأحمر، ارتفعت قيمة “حسم الرياض للملف” أمام واشنطن، فالحسم بيد سعودية أرخص من الحسم بيد أمريكية، وهذا ما رصدته واشنطن بعد 2024، ودفعت بالعمليات الأمريكية-البريطانية التي لم تنجح في كسر “الحوثيين”، بل رفعت من قيمة “الحل السعودي للملف”.
لكن التصعيد الحوثي الأخير واستمرار الهجمات على الأراضي السعودية، يضع الرياض أمام أحد اختيارين في ضوء ما ناقشناه أعلاه، وهما:
- “الردع المحدود”: استمرار اعتراض الصواريخ والمسيّرات، وتنفيذ ضربات على منصات الإطلاق ومصانع المسيّرات ومستودعات السلاح والذخيرة دون دخول بري، والاعتماد على التحالف في الردود على الهجمات الحوثية؛ بما يحفظ الردع دون إعادة فتح جبهة شاملة.
ويتناسب هذا الخيار مع أولويات الرياض وسياسة “عدم التورط في حرب شاملة”، ولا يغير المعادلة؛ فقد اعتاد “الحوثيون” دورة “الهجوم الذي يعقبه رد؛ المفضي إلى هدنة”، مع استنزاف مالي مستمر لأنظمة الدفاع الجوي، ويحمل رسالة ضمنية أن رد الرياض “قابل للتنبؤ” وهو ما يقلل من قوة الردع.
- “الردع المتدرج نحو التصاعد”: في حال توسع الهجمات الحوثية العنيفة على الأراضي السعودية، قد تلجأ الرياض إلى توجيه ضربات جوية محكمة أعمق وأكثر تكرارًا على مناطق سيطرة الحوثيين (صنعاء، صعدة، الحديدة، مخازن الأسلحة)، مع استهداف القيادات الحوثية الوسطى، وضرب مصادر التمويل وخطوط الإمداد، مع الاستعانة بوحدات محلية من الجيش الوطني اليمني، وقوات الجنوب، في العمليات البرية بدل التدخل المباشر للجيش السعودي، وهو ما يرفع التكلفة على “الحوثيين” دون اللجوء إلى دخول بري شامل.
ويساعد هذا الاختيار حال اللجوء إليه في استعادة “قوة الردع” المفقودة، ويمكن تعبئته كـرد أخير قبل التفاوض، لكنه قد يجابه برد حوثي أقوى وتصعيد للهجمات على المطارات والمنشآت النفطية السعودية، مما يؤدي إلى وقوع المزيد من الضحايا المدنيين، وقد يستدعي ضغطًا دوليًا وإعلاميًا.
وقد نلاحظ تحرك الرياض في اتجاه تهدئة كافية لمنع الانفجار، باعتبار ملف اليمن بالنسبة لها “ملف وجود” لا يُترك؛ إذ يتضمن أمن الحدود والملاحة في باب المندب وهيبة الحليف، أما بالنسبة للأطراف الأخرى فهو “ملف حسابات” تمرر، مدركة في الوقت ذاته أنه كلما انشغلت المملكة، تباطأ تصعيدها في ملفات المنافسة الخليجية كلها.
والرهان على الوقت، الذي يعمل -في المدى المتوسط- ضد “المشروع الحوثي” متمثلًا في العزلة الدولية والاقتصاد المنهار وإضعاف المحور الإيراني، بشرط أن لا ينهار بديله -المتمثل في الحكومة الشرعية- قبل انهيار “الحوثيين” أنفسهم، وهنا يكمن التحدي الحقيقي؛ فالحرب الحاسمة ليست بين الرياض و”الحوثيين”، بل بين مشروع الدولة اليمنية مقابل “المشروع الحوثي”.
لا شك أننا أمام مشهد صراعي متطور يصعب التنبؤ بمآلاته، فحركته ليست عفوية، بل مُدارة ومموَّلة لأنها تخدم أجندات خارجية كبرى، أهدافها عميقة وكلفتها زهيدة مقارنة بالعائد، وستبقى المنطقة العربية ساحة للصراع ما دامت دُوَلها ميدانًا لمصالح غيرها أكثر من كونها مشروعًا لأجيالها.
إن علينا أن ندرك أن العدو الأكبر ليس الجار فقط – مع خطورته- والذي دائمًا ما يحدث الفتنة؛ بل علينا أن ندرك أن التنمية ليست ترفًا بل سلاح سيادي يمنع الحروب قبل وقوعها، فكل سنة من الحروب تعني عقدًا من التخلف، وكل سنة من السلم تعني فرصة تاريخية للبناء واستعادة مسار الرخاء.