لواء د. محمد الدسوقي يكتب: رسائل السيسي من الأكاديمية العسكرية .. مصر ترتب بيتها من الداخل وترسم خطوطها الحمراء في الخارج

قراءة استراتيجية في مستقبل القيادة السياسية المصرية وتحولات الأمن القومي العربي

لم يكن حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال احتفالية الأكاديمية العسكرية المصرية مجرد كلمات تقليدية في مناسبة عسكرية أو تعليمية، وإنما حمل رسائل سياسية واستراتيجية متعددة الاتجاهات، بعضها موجه إلى الداخل المصري، وبعضها الآخر إلى الإقليم والعالم، في توقيت تتزايد فيه التحديات المحيطة بالدولة المصرية، وتتسارع فيه التحولات التي تعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية.

واللافت في هذا الخطاب أنه جمع بين ثلاث قضايا تبدو متباعدة في ظاهرها، لكنها شديدة الترابط من منظور الأمن القومي الشامل؛ وهي: مستقبل قيادة الدولة المصرية، ودور المؤسسات الوطنية في إعداد وتأهيل القيادات، وحدود الالتزام المصري بحماية الأمن القومي العربي خاصة أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

ومن هنا، فإن القراءة المتأنية للخطاب تكشف عن مجموعة من الدلالات التي تستحق الوقوف أمامها، ليس فقط لفهم ما قيل، وإنما لاستشراف ما قد تحمله المرحلة المقبلة من تحولات في الداخل المصري ومحيطه الإقليمي.

مصر ما بعد 2030:

ربما كانت أبرز الرسائل الداخلية التي حملها الخطاب هي تلك المتعلقة بالدستور ومستقبل القيادة السياسية للدولة المصرية، خاصة مع تأكيد الرئيس الالتزام بالأطر الدستورية، وحديثه عن انتهاء مدته الرئاسية عام 2030.

وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من كونها تفتح النقاش حول قضية تتجاوز الأشخاص إلى المؤسسات، وتتعلق بكيفية ضمان استمرارية الدولة واستقرار سياساتها وقدرتها على مواجهة التحديات، بصرف النظر عن التغيرات التي قد تطرأ على مواقع القيادة.

فالدول القادرة على الاستمرار ليست تلك التي ترتبط قوتها بشخص الحاكم، وإنما التي تنجح في بناء مؤسسات راسخة، وإعداد أجيال متعاقبة من القيادات المؤهلة، وترسيخ قواعد واضحة لانتقال المسؤولية وفقًا للدستور والقانون.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى حديث الرئيس باعتباره إشارة إلى أهمية الاستعداد المبكر للمستقبل، وعدم ترك عملية إعداد القيادات للظروف أو المصادفات، وإنما التعامل معها باعتبارها أحد المكونات الأساسية للأمن القومي للدولة.

غير أن نجاح هذا التوجه يرتبط بمدى وضوح الآليات المؤسسية التي تضمن أن يكون إعداد القيادات قائمًا على الكفاءة وتكافؤ الفرص، وأن يظل اختيار القيادة السياسية معبرًا عن الإرادة الشعبية وفق القواعد الدستورية.

من إدارة الدولة إلى صناعة القيادات:

حمل حديث الرئيس عن أهمية التأهيل والكفاءة والمعرفة رسالة أخرى تتعلق بإعادة النظر في المعايير التي ينبغي أن تحكم اختيار القيادات العليا بالدولة.

فقيادة الدول في عالم اليوم لم تعد مجرد قدرة على الخطابة أو الحضور الجماهيري، وإنما أصبحت عملية بالغة التعقيد، تتطلب فهمًا عميقًا للسياسة والاقتصاد والأمن القومي والعلاقات الدولية، إلى جانب القدرة على إدارة الأزمات واتخاذ القرارات في بيئات تتسم بالغموض وعدم اليقين.

ومن ثم، فإن إعداد القيادات العليا ينبغي أن يتحول إلى مشروع وطني مستدام، يبدأ بالاكتشاف المبكر للكفاءات، ويمر بالتأهيل العلمي والعملي، وينتهي بتقييم موضوعي للقدرات والمهارات والجدارة.

وهنا تبرز أهمية الاستفادة من التجارب الدولية في إعداد القيادات الحكومية. والنماذج كثيرة، أبرزها: المدرسة الوطنية للإدارة (ENA) بفرنسا، برنامج التأهيل التنفيذي والاستراتيجي بجامعة “هارفارد” بالولايات المتحدة الأمريكية، ومدارس الحزب وأكاديميات إعداد الكوادر بالصين، وبرنامج صقل قدرات القيادات القريبة من قمة الجهاز الحكومي بجامعة “أكسفورد” ببريطانيا، وبرنامج اكتشاف المواهب وإعدادها بصورة متدرجة لتطوير القيادات في الخدمة العامة بسنغافورة.

لكن من الضروري التمييز بين التأهيل لشغل المناصب التنفيذية والإدارية، وبين اختيار رئيس الدولة، الذي يظل منصبًا سياسيًا دستوريًا يرتبط بإرادة الناخبين، ولا يمكن اختزال مشروعيته في الحصول على برنامج تدريبي أو شهادة تأهيل.

الأكاديمية العسكرية .. من إعداد القادة العسكريين إلى المساهمة في بناء قيادات الدولة:

من أبرز دلالات الخطاب أيضًا ما يتعلق بالدور المنتظر للأكاديمية العسكرية المصرية في إعداد وتأهيل الكوادر المرشحة لتحمل مسؤوليات قيادية في مؤسسات الدولة.

وهذا التوجه يطرح تساؤلًا استراتيجيًا مهمًا: هل نحن أمام مرحلة جديدة تتوسع فيها وظيفة الأكاديمية لتصبح أحد المراكز الرئيسية لإعداد القيادات الوطنية في المجالات المدنية والإدارية والاستراتيجية؟. إن الاستفادة من الخبرات المتراكمة للمؤسسات العسكرية في مجالات التخطيط والانضباط وإدارة الموارد والأزمات يمكن أن تمثل إضافة لمنظومة التأهيل القيادي، خاصة إذا جرى دمجها مع الخبرات المدنية والأكاديمية في الاقتصاد والإدارة والقانون والسياسات العامة.

غير أن نجاح هذه التجربة يتطلب بناء منظومة متكاملة تقوم على التنوع المؤسسي، والانفتاح على الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات المدنية، ووضع معايير معلنة للاختيار والتقييم، بما يضمن تكافؤ الفرص ويحافظ على الطبيعة المدنية للمناصب العامة.

فالقضية ليست مجرد إعداد مسئول يستطيع إدارة مؤسسة، وإنما إعداد قائد يمتلك رؤية استراتيجية، ويفهم طبيعة المجتمع، ويستطيع إدارة الاختلاف، وتحقيق التوازن بين متطلبات الأمن والتنمية وحقوق المواطنين.

رسالة إلى الداخل .. الدولة القوية لا تقوم على المؤسسات وحدها بل على ثقة المجتمع:

جاء حديث الرئيس عن أهمية حماية الدولة ومؤسساتها في سياق إقليمي ودولي يشهد تصاعدًا في الصراعات وحروب المعلومات ومحاولات التأثير في المجتمعات من الداخل.

ومن منظور الأمن القومي، فإن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدراتها العسكرية أو الاقتصادية، وإنما كذلك بدرجة تماسك مجتمعها، وثقة المواطنين في مؤسساتها، وقدرتها على التعامل مع الأزمات دون فقدان الاستقرار.

لكن هذه الثقة لا تتحقق بمجرد الدعوة إليها، وإنما تُبنى من خلال الأداء المؤسسي الفعال، والشفافية، والمساءلة، والاستجابة للاحتياجات المجتمعية، وفتح المجال أمام النقد الموضوعي والمشاركة السياسية.

وهنا تكمن أهمية الربط بين بناء الوعي الوطني وتعزيز الثقة المجتمعية؛ لأن المواطن الواعي لا يكتفي بالدفاع عن دولته أمام التهديدات الخارجية، وإنما يسهم أيضًا في تطوير مؤسساتها وتصحيح مساراتها.

أمن السعودية والخليج .. رسالة ردع تتجاوز حدود التضامن السياسي:

على المستوى الخارجي، حمل الخطاب رسالة واضحة بشأن ارتباط الأمن القومي المصري بأمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج، خاصة مع تأكيد استعداد مصر لمساندة المملكة في حماية أمنها وسيادتها إذا طلبت ذلك، وفقًا للأطر والإجراءات الدستورية.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل الاضطرابات التي تشهدها المنطقة، وتصاعد التوترات المرتبطة بإيران والحوثيين، وامتداد تداعيات الصراعات إلى أمن البحر الأحمر والممرات البحرية وإمدادات الطاقة والتجارة الدولية.

ومن الناحية الاستراتيجية، فإن الحديث المصري لا ينبغي تفسيره باعتباره إعلانًا عن توجه نحو الحرب، وإنما يمكن قراءته باعتباره رسالة ردع سياسي، تؤكد أن أمن الخليج ليس شأنًا منفصلًا عن المصالح الاستراتيجية المصرية.

فأي تهديد متنامى وواسع لأمن السعودية أو الملاحة في البحر الأحمر ستكون له انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد المصري، وأمن قناة السويس، واستقرار المنطقة العربية.

والأهمية هنا لا تكمن في إظهار الاستعداد العسكري وحده، وإنما في توظيف هذا الاستعداد لدعم الدبلوماسية ومنع التصعيد، بما يحول دون انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع يصعب التحكم في نتائجها.

إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي العربي:

تفتح تصريحات الرئيس بشأن أمن السعودية الباب أمام تساؤل أوسع يتعلق بمستقبل ترتيبات الأمن الجماعي العربي.

فالتجارب التي مرت بها المنطقة خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن التهديدات لم تعد محصورة داخل حدود الدول، وإنما أصبحت عابرة للحدود، وتشمل الهجمات غير التقليدية، والطائرات المسيرة، والتهديدات السيبرانية، وأمن الطاقة، والممرات البحرية، والصراعات بالوكالة.

ومن ثم، فإن تطوير منظومة للأمن القومي العربي يتطلب تجاوز الاكتفاء بإعلانات التضامن السياسي إلى بناء آليات مؤسسية للتشاور والتنسيق وتبادل المعلومات وإدارة الأزمات.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين التضامن العربي المشروع وبين الانخراط غير المحسوب في صراعات إقليمية قد تتحول إلى حروب استنزاف طويلة، تستفيد منها أطراف أخرى على حساب الموارد والقدرات العربية.

فالمصلحة الاستراتيجية المصرية والعربية تقتضي الجمع بين القدرة على الردع، ومرونة التحرك الدبلوماسي، والاستقلالية في اتخاذ القرار، وعدم السماح بتحويل الدول العربية إلى ساحات لتصفية حسابات القوى الإقليمية والدولية.

رسائل إلى القوى الدولية:

لا يمكن فصل الرسائل الخارجية للخطاب عن طبيعة البيئة الدولية الراهنة، التي تتسم بتزايد التنافس بين القوى الكبرى، وتراجع اليقين بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط.

فالتأكيد على حماية المصالح المصرية، والتضامن مع الشركاء العرب، والاستعداد لمواجهة التهديدات، يعكس إدراكًا لأهمية امتلاك الدولة خيارات متعددة للتحرك في مواجهة الأزمات.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن تقرأ القوى الدولية الخطاب باعتباره تأكيدًا على أن مصر ترى لنفسها دورًا في معادلات الأمن الإقليمي، وأن استقرار الخليج والبحر الأحمر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمصالحها الوطنية.

لكن الحفاظ على هذا الدور يتطلب استمرار التوازن في العلاقات الدولية، وتجنب الانحياز غير المحسوب إلى محاور الصراع، وتوظيف المكانة المصرية في دعم التسويات السياسية ومنع اتساع نطاق المواجهات.

في ضوء ما سبق، يمكن القول أنه من منظور التحليل الاستراتيجي، فإن الأهمية الحقيقية للخطاب لا تتوقف عند دلالاته السياسية المباشرة، وإنما تمتد إلى ما يمكن أن يترتب عليه من خطوات عملية خلال المرحلة المقبلة.

فعلى المستوى الداخلي، سيكون من المهم متابعة ما إذا كانت الدولة ستتجه إلى تطوير منظومة وطنية شاملة لإعداد القيادات العليا، وما إذا كانت ستظهر معايير جديدة وشفافة للتأهيل والاختيار، وكيف ستُحدد العلاقة بين الأكاديمية العسكرية والمؤسسات المدنية والأكاديمية.

أما على المستوى الخارجي، فستظل طبيعة التنسيق المصري – السعودي، ومستقبل الترتيبات الأمنية العربية، وحدود التعامل مع التهديدات الإقليمية، من أهم المؤشرات التي تكشف عن مدى تحول الرسائل المعلنة إلى سياسات فعلية.

دكتور محمد الدسوقي سيد الأهل

اللواء د. محمد الدسوقي سيد الأهل، كبير الهيئة الاستشارية العليا لمركز رع للدراسات الاستراتيجية وأحد خبراء المركز في الشؤون الاستراتيجية والأمنية. شغل منصب رئيس جهاز الأمن الحربي، ومدير كلية الدفاع الوطني بأكاديمية ناصر العسكرية، ومدير الكلية العسكرية لعلوم الإدارة. حصل على دكتوراه إدارة الأعمال من جامعة حلوان، ودكتوراه العلوم السياسية والأمنية بجامعة القاهرة، وزمالة كلية الدفاع الوطني. خبير في الأمن القومي والدراسات الاستراتيجية وإدارة الأزمات، ومن مؤلفاته "الأمن القومي للدولة" و"هدم الأوطان" و"الإدارة الاستراتيجية لمنظمات الأعمال المعاصرة".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى