من التصريح إلى حسابات الأمن القومي .. ماذا يريد سموتريتش؟

سموتريتش يكرر تهديداته .. والسلام المصري لا يعني التنازل عن الحقوق أو السماح باختبار الإرادة الوطنية

هناك فارق كبير بين خلاف سياسي تديره الدول بحسابات المصالح، وخطاب يتجاوز حدود الخلاف ليصل إلى التهديد بأرض دولة أخرى، فالأول من طبيعة العلاقات الدولية، أما الثاني فيطرح أسئلة تتعلق بالمسؤولية السياسية واحترام السيادة وقواعد الاستقرار الإقليمي.

وعندما يكرر بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية الإسرائيلي، تهديداته بشأن سيناء، ويقول في تصريحات نُشرت في 20 أكتوبر الجاري إن مصر قد تفقدها إذا هاجمت إسرائيل، بعد تصريحات مماثلة في مطلع الشهر، فإن الأمر يستحق موقفًا واضحًا وتحليلًا يتجاوز مجرد الرد على صاحبه.

رسالتي واضحة .. سيناء ليست مجالًا للمساومة، ومصر التي اختارت السلام لا تقبل أن يتحول هذا الاختيار إلى ذريعة للتهديد أو الانتقاص من سيادتها.

سيناء .. أرض استعادتها مصر ولن تساوم عليها

سيناء ليست مساحة على الخريطة، ولا ورقة في حسابات الانتخابات الإسرائيلية، إنها أرض مصرية ارتبطت استعادتها بتضحيات الشعب والقوات المسلحة، وبمسار عسكري ودبلوماسي انتهى بمعاهدة السلام عام 1979، وانسحاب إسرائيل من شبه جزيرة سيناء التي ارتوت أرضها بدماء الشهداء.

ومن يلوّح بالاستيلاء على أرض استعادتها مصر بتضحيات أبنائها يتجاهل درسًا أساسيًا في تاريخ المنطقة، فالقوة لا تمنح حقًا في أرض الآخرين، والتهديد لا يغيّر حقيقة السيادة. لقد اختارت مصر السلام عن إدراك لمصالحها ومسؤولياتها، وليس عجزًا عن الدفاع عن نفسها، والخلط بين الأمرين خطأ في قراءة الدولة المصرية وتاريخها وقدراتها.

إن الحفاظ على الاستقرار لا يعني التنازل عن الحقوق، والحكمة في إدارة العلاقات لا تعني قبول الابتزاز، فسيناء جزء لا يتجزأ من الدولة المصرية، والسيادة عليها ليست موضوعًا للمزايدة السياسية.

ما وراء التصريحات .. كيف نقرأ المشهد؟

في التقدير العسكري والاستراتيجي، لا تُقرأ التصريحات بمعزل عن توقيتها وسياقها وتكرارها، لكن لا يجوز أيضًا تحويل الاحتمالات إلى حقائق من دون دليل. قد يرتبط هذا الخطاب بحسابات سياسية داخل إسرائيل، أو بمحاولة اختبار ردود الفعل، أو بتصورات متشددة للأمن والحدود، غير أن تحديد الدوافع النهائية يحتاج إلى شواهد تتجاوز التصريحات ذاتها.

وهنا أؤكد أن القراءة الاستراتيجية السليمة تقوم على الربط بين التصريح وتوقيته، وبين الخطاب والسلوك، وبين ما يقال وما تؤكده المؤشرات الفعلية، فلا نستهين بما يتكرر، ولا نبالغ في تفسيره، بل نضعه في سياقه، ونبني تقديرنا على معلومات موثوقة.

وتكرار التهديدات يثير تساؤلًا مشروعًا عن موقف الحكومة الإسرائيلية من تصريحات تصدر عن أحد وزرائها تجاه دولة تربطها بإسرائيل معاهدة سلام، ومن حق مصر أن تطالب بتوضيح رسمي، وأن تؤكد أن احترام سيادتها ليس مسألة تخضع لحسابات حزبية أو مزايدات انتخابية.

وقد أعلنت مصر في 7 أكتوبر رفضها القاطع الزج باسم سيناء في تصريحات سموتريتش آنذاك، ووصفتها بأنها تهديدات جوفاء مرتبطة بأهداف انتخابية، أما التصريحات التي عادت في 20 أكتوبر، فتستدعي متابعة مستقلة وموقفًا يتناسب مع مضمونها وسياقها.

فالتصريح لا يعني وحده أن المواجهة قادمة، لكنه إذا تكرر وأصبح جزءًا من خطاب سياسي، فإنه يستحق التقييم والمتابعة وعدم التعامل معه باعتباره أمرًا عاديًا.

غزة ليست طريقًا إلى سيناء

لا يمكن فصل الحديث عن سيناء عن الدعوات التي يطلقها سموتريتش للسيطرة على قطاع غزة وتشجيع الفلسطينيين على مغادرته، فالمسألة لا تتعلق بتهديد جغرافي فحسب، بل بمستقبل شعب وحقوقه، وبمخاطر قد تمتد آثارها إلى المنطقة بأكملها.

مصر ترفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم، ولن تقبل أن تتحول سيناء إلى بديل عن وطنهم، أو إلى ساحة تُنقل إليها نتائج الصراع، وهذا موقف يرتبط مباشرة بالأمن القومي المصري وحماية الحدود ورفض تصفية القضية الفلسطينية على حساب دول الجوار.

ولا يمكن صناعة السلام بنقل الأزمة من مكان إلى آخر، فالتهجير لا ينهي الصراع، والاستيلاء على الأراضي لا يؤسس للاستقرار، وفرض الأمر الواقع بالقوة يفتح أبوابًا لأزمات يصعب احتواء نتائجها.

إن الطريق إلى الاستقرار يبدأ بحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، وإعادة إعمار غزة، والحفاظ على حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم، والعمل من أجل تسوية سياسية عادلة، أما تحميل دول الجوار نتائج الصراع، فلن يحل الأزمة، بل سيضاعف مخاطرها.

إلى سموتريتش .. توقفوا عند حدودكم

الرسالة هنا حازمة ومحددة .. على سموتريتش أن يتوقف عن تكرار تصريحاته التي تمس سيناء والسيادة المصرية، وعلى الحكومة الإسرائيلية أن توضح موقفها الرسمي منها، وألا تترك العلاقات بين الدولتين عرضة لمزايدات سياسية تضر بالثقة والاستقرار.

إن استمرار هذا الخطاب يفرض على مصر تقييم ما يلزم من إجراءات سياسية ودبلوماسية وقانونية مشروعة لحماية مصالحها الوطنية، وفقًا لطبيعة التطورات وخطورتها، ولا يحتاج الموقف المصري إلى تهديدات مضادة أو انفعال لفظي، فالدولة الواثقة من حقوقها لا تحتاج إلى المبالغة كي تثبت موقفها، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بأن يُفسَّر ضبط النفس باعتباره قبولًا بالتهديد أو تراجعًا عن الثوابت.

أقولها بوضوح .. لا تخلطوا بين حرص مصر على السلام وقبولها بالتهديد، ولا تتعاملوا مع سيادتها باعتبارها مجالًا للمناورة السياسية.

من حزم الموقف إلى حماية المصالح

إن حماية السيادة لا تتحقق بالتصريحات وحدها، بل بعمل متكامل يجمع بين الدبلوماسية واليقظة الأمنية والتحرك الدولي وتماسك الجبهة الداخلية، وأرى أن التحرك المطلوب يرتكز على أربعة مسارات كالتالي:

١- تحرك دبلوماسي واضح: توثيق التصريحات المتكررة، والمطالبة بتوضيح رسمي مسؤول، والتأكيد أن احترام السيادة المصرية أساس لا يستقيم الاستقرار من دونه.

٢- تقدير مستمر للمخاطر: متابعة التطورات الفعلية، والتمييز بين المزايدات السياسية والمؤشرات الميدانية، ومراجعة السيناريوهات وفق معلومات موثوقة، مع استمرار الاستعداد اللازم لحماية الحدود والمصالح الوطنية.

٣- تنسيق دولي لحماية الحقوق الفلسطينية: مواصلة العمل مع الدول العربية والشركاء الدوليين لرفض التهجير القسري والاستيلاء على الأراضي بالقوة، ودعم بقاء الفلسطينيين على أرضهم، والتوصل إلى تسوية سياسية عادلة.

٤- حماية الجبهة الداخلية: تقديم المعلومات الموثوقة، ومواجهة الشائعات، وتجنب التهويل، وتعزيز وعي المواطنين بحقيقة المواقف وتطوراتها، فالجبهة الداخلية الواعية عنصر أساسي في مواجهة الضغوط، ومسؤولية حماية الوطن تتكامل فيها كفاءة المؤسسات مع وعي المواطن.

هذه المسارات لا ينفصل بعضها عن بعض، فالدبلوماسية تحتاج إلى تقدير دقيق، والاستعداد يحتاج إلى معلومات موثوقة، والموقف الوطني يحتاج إلى جبهة داخلية واعية، والهدف هو حماية الحقوق ومنع التصعيد غير المحسوب، لا الانجرار إليه.

في النهاية .. من واقع خبرتي العسكرية والأمنية، فإن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدول هو الاستهانة بمؤشر متكرر، أو المبالغة في تفسيره، أو السماح للانفعال بأن يحل محل التقدير، والمطلوب هو وضوح في الموقف، ويقظة في متابعة التطورات، وحزم في حماية الحقوق، وحكمة في اختيار أدوات الرد، فلا يُبنى القرار على تصريح منفرد، ولا تُهمل التصريحات المتكررة، وإنما يُحسم الأمر بتقدير شامل يجمع بين الكلام والسلوك والوقائع. لقد استعادت مصر سيناء بتضحيات أبنائها، وستظل حريصة على أرضها وأمنها وحقوقها، ولم يكن السلام يومًا تنازلًا عن هذه الحقوق، ولن يكون.

احترموا سيادة مصر وأوقفوا هذا الخطاب، فالسلام لا يستقيم بالتهديد، والاستقرار لا يُبنى بالابتزاز، وسيناء ليست ورقة انتخابية ولا مجالًا لاختبار الإرادة المصرية.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى