لواء د. محمد الدسوقي يكتب.. حلف مكة وعرض نتنياهو للسعودية .. من يعيد رسم خريطة الأمن الإقليمي؟

قراءة استراتيجية في التحولات الدفاعية بالشرق الأوسط ومخاطر استنزاف القوى العربية
وإعادة تشكيل موازين النفوذ
يشهد الشرق الأوسط مرحلة بالغة الحساسية من التحولات الاستراتيجية، تتجاوز في أبعادها حدود المواجهات العسكرية الجارية، لتلامس مستقبل النظام الأمني الإقليمي وطبيعة التحالفات التي ستحدد موازين القوة والنفوذ خلال السنوات المقبلة. فلم تعد الصراعات الدائرة مجرد مواجهات بين دول أو قوى مسلحة، وإنما أصبحت جزءًا من عملية أوسع لإعادة ترتيب الأدوار الإقليمية، وإعادة تعريف مصادر التهديد، وتحديد الأطراف القادرة على التأثير في معادلات الأمن والاستقرار.
وفي قلب هذه التحولات، يبرز تطوران يستحقان التوقف أمامهما بالتحليل؛ أولهما: تفعيل “حلف مكة” الدفاعي بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، وثانيهما: ما كشفته تقارير إعلامية إسرائيلية عن مساعي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لعرض تعاون استخباراتي وأمني على السعودية في مواجهة التهديدات الحوثية، في سياق محاولاته إحياء مسار التطبيع بين البلدين.
ورغم اختلاف طبيعة التطورين، فإن تزامنهما يثير تساؤلات استراتيجية تتعلق بمستقبل الأمن الإقليمي: هل تتجه المنطقة نحو بناء منظومات ردع جديدة تقوم على شراكات بين قواها الرئيسية؟ أم أننا أمام مرحلة جديدة من تنافس التحالفات، قد تؤدي إلى استنزاف القدرات العربية وإعادة توزيع النفوذ لصالح أطراف إقليمية ودولية؟
والأهم من ذلك، هل تنجح الدول العربية في تحويل التحديات الراهنة إلى فرصة لبناء منظومة أمن جماعي تحمي مصالحها، أم تجد نفسها مجددًا منخرطة في صراعات تتجاوز أهدافها الوطنية وتخدم حسابات قوى أخرى؟
حلف مكة .. من التعاون الدفاعي إلى بناء منظومة ردع جديدة:
يمثل توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك في السابع من أغسطس 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان تطورًا مهمًا في بنية العلاقات الدفاعية الإقليمية، خاصة أن الاتفاقية تقوم على مبدأ اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على جميع الأطراف، بما يعكس توجهًا نحو الانتقال من التعاون العسكري الثنائي إلى صيغة أكثر تنظيمًا للردع الجماعي.
وقد اكتسب هذا التطور أهمية إضافية عقب اجتماع اللجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية للحلف في الرياض يوم الخامس من أكتوبر الجاري، والذي أسفر عن قرار الانتقال إلى التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع المشترك، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها ونشرها في السعودية، فضلًا عن تعيين الفريق المتقاعد “نعمان محمود” أول أمين عام للحلف.
ومن منظور استراتيجي، لا تقتصر أهمية الحلف على مبدأ الدفاع المشترك، وإنما تمتد إلى طبيعة القدرات التي تجمع أطرافه الثلاثة؛ فالسعودية تمتلك ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا وموقعًا جيوستراتيجيًا محوريًا في الخليج والعالمين العربي والإسلامي، بينما تتمتع تركيا بقدرات عسكرية وصناعات دفاعية متطورة وخبرات عملياتية متعددة، في حين تمثل باكستان قوة عسكرية كبرى تمتلك قدرات نووية وخبرات واسعة في مجالات التدريب والتسليح.
غير أن امتلاك باكستان للسلاح النووي لا يعني تلقائيًا امتداد مظلتها النووية إلى بقية أطراف الحلف؛ فمثل هذا الالتزام يتطلب ترتيبات سياسية وعسكرية واضحة لم يُعلن عنها ضمن النصوص المتاحة للاتفاقية.
ومن هنا، فإن القيمة الاستراتيجية للحلف ستتحدد بقدرته على تحقيق التكامل العملياتي والاستخباراتي والدفاع الجوي والصاروخي، وتوحيد آليات الاستجابة للتهديدات، وليس بمجرد جمع القدرات العسكرية للدول الثلاث.
لكن ثمة إشكالية لا ينبغي تجاهلها، تتمثل في اختلاف الحسابات الاستراتيجية للأطراف المشاركة؛ فالسعودية تنظر إلى أمنها الوطني واستقرار الخليج باعتبارهما أولوية مباشرة، بينما ترتبط تركيا بحسابات معقدة في سوريا وشرق المتوسط وحلف شمال الأطلسي، في حين تظل الاعتبارات المرتبطة بالهند وأفغانستان والتوازنات الداخلية مؤثرة في القرار الاستراتيجي الباكستاني.
وبالتالي، فإن نجاح الحلف يتوقف على قدرته على التوفيق بين هذه المصالح، ووضع حدود واضحة لالتزامات الدفاع المشترك، بما يحول دون انتقال الأزمات الخاصة بأي طرف إلى التزامات عسكرية مفتوحة على بقية الأطراف.
عرض نتنياهو للسعودية.. التعاون الأمني أم إعادة التموضع الإسرائيلي؟
في موازاة التحركات الدفاعية الجديدة، كشفت تقارير نشرها موقع “المونيتور” في سبتمبر 2026، نقلًا عن مصادر سياسية إسرائيلية، عن مساعٍ يقودها نتنياهو لإحياء مسار التطبيع مع السعودية، من خلال عرض تقديم مساعدات استخباراتية وربما مشاورات عسكرية لمواجهة التهديدات الحوثية.
ووفقًا لهذه المصادر، فإن العرض الإسرائيلي جاء عبر قنوات غير مباشرة، ولم يمثل اتفاقًا معلنًا أو قبولًا سعوديًا به، خاصة في ظل استمرار ربط الرياض مسار التطبيع بالتقدم نحو إقامة دولة فلسطينية.
وتكمن أهمية هذا التحرك في توقيته ودلالاته الاستراتيجية؛ إذ تسعى إسرائيل إلى توظيف التهديدات الأمنية المشتركة أو المتقاطعة لبناء ترتيبات إقليمية تتيح لها توسيع حضورها السياسي والأمني، وتحويل بعض الدول العربية من أطراف تتعامل معها ضمن إطار الصراع العربي – الإسرائيلي إلى شركاء محتملين في مواجهة تهديدات أخرى.
وهنا تبرز قضية شديدة الأهمية، تتعلق بالفارق بين التعاون الأمني المحدود لمواجهة تهديد معين، وبين الاندماج في منظومة إقليمية أوسع قد تمنح إسرائيل دورًا مؤثرًا في تحديد أولويات الأمن الإقليمي.
فإسرائيل تمتلك قدرات استخباراتية وتكنولوجية وعسكرية متقدمة، إلا أن امتلاك هذه القدرات لا يعني بالضرورة تطابق مصالحها الاستراتيجية مع مصالح الدول العربية، خاصة في ظل استمرار الخلافات الجوهرية حول القضية الفلسطينية ومستقبل الأراضي المحتلة والترتيبات الأمنية في المنطقة. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التحرك الإسرائيلي باعتباره محاولة لفتح نافذة سياسية وأمنية جديدة، في وقت تتجه فيه السعودية إلى توسيع خياراتها الدفاعية عبر شراكات مع قوى إقليمية وإسلامية.
كما يثير هذا التزامن تساؤلًا حول ما إذا كانت إسرائيل تسعى إلى الحفاظ على موقعها داخل أي ترتيبات أمنية إقليمية مستقبلية، خشية أن يؤدي توسع الشراكات الدفاعية بين دول المنطقة إلى تقليص قدرتها على التأثير في صياغة هذه الترتيبات.
غير أن هذا الاحتمال يظل تفسيرًا استراتيجيًا يحتاج إلى التمييز بينه وبين الوقائع المعلنة، ولا يمكن اعتباره دليلًا قاطعًا على دوافع القيادة الإسرائيلية.
السعودية بين متطلبات الردع ومخاطر الاستنزاف الاستراتيجي:
تواجه المملكة العربية السعودية معادلة أمنية معقدة، تتداخل فيها التهديدات العسكرية المباشرة مع اعتبارات التنمية الاقتصادية وحماية الاستثمارات والمشروعات الاستراتيجية، فضلًا عن مسؤولياتها السياسية والدينية وموقعها المحوري في أسواق الطاقة العالمية.
وقد أضاف التصعيد العسكري المرتبط بالحوثيين أعباء جديدة إلى هذه المعادلة، خاصة مع استهداف منشآت مدنية واقتصادية ومرافق للطيران، الأمر الذي دفع دول “حلف مكة” إلى إعلان تفعيل التزامات الدفاع المشترك.
ومن الناحية العسكرية، لا تُقاس تكلفة المواجهة بحجم الخسائر المباشرة وحدها، وإنما تشمل استهلاك منظومات الدفاع الجوي، واستنزاف المخزونات الصاروخية، وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، وتأثير التهديدات المستمرة على الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية.
وتزداد هذه الإشكالية عندما تكون تكلفة وسائل الهجوم، كالطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، أقل بكثير من تكلفة اعتراضها باستخدام منظومات دفاعية متقدمة، بما يخلق شكلًا من أشكال الاستنزاف غير المتكافئ. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام السعودية لا يتمثل فقط في قدرتها على التصدي للهجمات، وإنما في كيفية منع تحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة تستنزف الموارد وتؤثر في أولويات التنمية والتحول الاقتصادي.
وفي تقديري، فإن أحد أهم الاختبارات التي تواجه “حلف مكة” يتمثل في مدى قدرته على تعزيز الردع دون توسيع نطاق الحرب؛ لأن نجاح التحالفات الدفاعية لا يُقاس بعدد المواجهات التي تخوضها، وإنما بقدرتها على منع وقوع الاعتداءات وتقليل الحاجة إلى استخدام القوة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل العلاقات المعقدة بين الحوثيين وإيران؛ فرغم الدعم الإيراني المعروف للجماعة، فإن الحوثيين يمتلكون أيضًا حساباتهم المحلية المرتبطة بالسلطة والنفوذ داخل اليمن، الأمر الذي يجعل اختزال جميع قراراتهم في الإرادة الإيرانية وحدها قراءة غير مكتملة.
وعليه، فإن التعامل مع التهديد الحوثي يتطلب الجمع بين الردع العسكري، والضغط السياسي، والمسارات الدبلوماسية الرامية إلى تسوية الأزمة اليمنية، بما يمنع استمرارها مصدرًا لاستنزاف السعودية وتهديد أمن البحر الأحمر.
إسرائيل وإيران والحوثيون .. تشابك الصراعات وإعادة توزيع الأدوار:
لا يمكن فهم التحولات الدفاعية الحالية بمعزل عن المشهد الإقليمي الأوسع، الذي تتداخل فيه المواجهة بين إسرائيل وإيران، والتصعيد في اليمن، والتطورات العسكرية في غزة وجنوب لبنان وسوريا، إلى جانب استمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية.
ويكشف هذا التشابك عن مفارقة استراتيجية؛ ففي الوقت الذي تنشغل فيه قوى عربية رئيسية بمواجهة التهديدات القادمة من محيطها الإقليمي، تظل القضية الفلسطينية دون تسوية سياسية شاملة، بينما تستمر إسرائيل في محاولة ترسيخ ترتيبات أمنية وسياسية تتوافق مع مصالحها.
ومن المهم هنا التمييز بين التهديدات الحقيقية التي تواجه الدول العربية، وبين احتمالات توظيف هذه التهديدات لإعادة ترتيب أولويات المنطقة بصورة قد تدفع القضية الفلسطينية إلى مرتبة ثانوية.
فأمن السعودية والخليج لا يمكن فصله عن أمن البحر الأحمر واليمن، كما أن استقرار المشرق العربي يرتبط بتطورات غزة ولبنان وسوريا والعراق، لكن هذا الترابط لا يعني بالضرورة أن تكون جميع هذه الملفات جزءًا من مواجهة عسكرية واحدة.
بل إن دمج الصراعات المختلفة في إطار استقطاب إقليمي شامل قد يؤدي إلى توسيع دوائر المواجهة، ويضع الدول العربية أمام التزامات أمنية وعسكرية تتجاوز مصالحها المباشرة.
ومن ثم، فإن أحد المخاطر الاستراتيجية المحتملة يتمثل في تحول المنطقة إلى ساحة لاستنزاف متبادل بين القوى الإقليمية، بينما تحتفظ القوى الدولية الكبرى بقدرتها على إدارة التوازنات وتوجيه مسارات التسليح والتدخل السياسي.
وفي هذه الحالة، تصبح المشكلة أكبر من مجرد تحديد الطرف المنتصر في مواجهة بعينها؛ إذ تتعلق بالتكلفة الاستراتيجية التي تتحملها المنطقة نتيجة استمرار الصراعات، وما يترتب عليها من تعطيل التنمية وتآكل الموارد وإضعاف فرص التكامل الاقتصادي.
الولايات المتحدة وإعادة هندسة الأمن الإقليمي:
تحتفظ الولايات المتحدة بموقع محوري في منظومة الأمن الإقليمي، سواء من خلال وجودها العسكري في الخليج، أو علاقاتها الدفاعية مع الدول العربية، أو تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل.
غير أن التحولات الأخيرة تطرح تساؤلات حول طبيعة الدور الأمريكي مستقبلًا، ومدى استعداد واشنطن لقبول ترتيبات دفاعية إقليمية لا تكون هي الطرف المركزي فيها.
فمن ناحية، قد تساهم الشراكات الدفاعية الجديدة في تخفيف بعض الأعباء الأمنية عن الولايات المتحدة، من خلال تعزيز قدرة الدول الإقليمية على حماية نفسها.
ومن ناحية أخرى، قد تؤدي هذه الشراكات إلى توسيع هامش الاستقلال الاستراتيجي للدول المشاركة، بما يتيح لها تنويع مصادر التسليح والتكنولوجيا العسكرية وتطوير علاقاتها مع قوى دولية أخرى.
ولا يعني ذلك بالضرورة تراجع النفوذ الأمريكي، وإنما يشير إلى احتمال تطور العلاقة من الاعتماد الأمني الواسع إلى صيغ أكثر تنوعًا وتعددًا في الشراكات.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأهم: هل ستتجه واشنطن إلى دعم منظومات أمن إقليمية تقوم على التعاون بين الدول العربية والقوى الإسلامية الرئيسية، أم ستظل تفضل ترتيبات تضمن لإسرائيل موقعًا مركزيًا في معادلات الأمن الإقليمي؟
والإجابة عن هذا السؤال لا تتحدد بالتصريحات السياسية وحدها، وإنما بطبيعة الاتفاقيات العسكرية المستقبلية، ومستويات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتوجهات التسليح، وحدود استقلال القرار الأمني للدول الإقليمية.
مصر ومعادلة الأمن الإقليمي .. بين دعم الاستقرار والحفاظ على التوازن الاستراتيجي:
تكتسب هذه التحولات أهمية مباشرة للأمن القومي المصري، بالنظر إلى الموقع الجيوستراتيجي لمصر وارتباط مصالحها الحيوية بأمن البحر الأحمر وقناة السويس والخليج العربي والقرن الأفريقي وشرق المتوسط.
فأي تصعيد عسكري في البحر الأحمر أو باب المندب ينعكس على حركة الملاحة الدولية، ويؤثر في إيرادات قناة السويس، ويرفع تكاليف التجارة والتأمين والنقل، بما يجعل استقرار هذه المنطقة مصلحة مصرية وعربية ودولية مشتركة.
كما أن أمن السعودية ودول الخليج يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي المصري، في ضوء العلاقات الاستراتيجية والمصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية المتبادلة.
غير أن هذا الارتباط لا يستلزم بالضرورة الانخراط في جميع المواجهات العسكرية، بل يتطلب بناء رؤية تقوم على التمييز بين الدفاع عن المصالح الحيوية، ومنع اتساع الصراعات، والحفاظ على استقلال القرار الاستراتيجي.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الدور المصري في ثلاثة اتجاهات متكاملة: دعم أمن الدول العربية وسيادتها، والمساهمة في الجهود الدبلوماسية لاحتواء التصعيد، والعمل على تطوير صيغ للتعاون الأمني العربي تضمن عدم تهميش المؤسسات والأطر العربية القائمة.
وهنا تبرز مسألة تستحق الدراسة، تتعلق بموقع مصر من التحالفات الدفاعية الجديدة، ومدى إمكانية تطوير آليات للتنسيق بينها وبين منظومة الأمن القومي العربي، بما يمنع ظهور ترتيبات متنافسة أو متعارضة.
فمصر تمتلك ثقلًا عسكريًا وسياسيًا وجغرافيًا يجعلها طرفًا أساسيًا في أي تصور متكامل لأمن البحر الأحمر وشرق المتوسط والمشرق العربي، كما أن خبراتها التاريخية في إدارة الأزمات والصراعات الإقليمية تمنحها دورًا مهمًا في جهود منع التصعيد.
ومن ثم، فإن التحدي لا يتمثل في الانضمام إلى تحالف بعينه بقدر ما يتعلق بضمان أن تساهم التحالفات الجديدة في تعزيز الأمن العربي الجماعي، وألا تتحول إلى بدائل متنافسة تعمق الانقسامات أو تعيد إنتاج الاستقطابات الإقليمية.
مستقبل الأمن الإقليمي:
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لتطور منظومة الأمن الإقليمي في ضوء التحولات الجارية، كالتالي:
(*) المسار الأول: بناء منظومة ردع إقليمية متوازنة: يقوم على نجاح التحالفات الدفاعية الجديدة
في تعزيز القدرات العسكرية وتطوير التعاون الاستخباراتي والدفاعي، مع الاحتفاظ بطابعها الدفاعي، وعدم الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة. وفي هذا المسار، يمكن أن تتحول الشراكات الجديدة إلى عنصر استقرار إذا ارتبطت بجهود سياسية لتسوية الأزمات.
المسار الثاني: تصاعد تنافس التحالفات والمحاور: وفيه تتجه المنطقة نحو تشكيل ترتيبات أمنية متوازية، بعضها يرتبط بالولايات المتحدة وإسرائيل، وبعضها الآخر يقوم على شراكات إقليمية مختلفة، بما قد يؤدي إلى زيادة التسلح وتعميق الاستقطاب وارتفاع احتمالات الاحتكاك العسكري.
المسار الثالث: الاستنزاف الإقليمي الممتد: وهو المسار الذي تستمر فيه المواجهات منخفضة ومتوسطة الحدة دون حسم سياسي، مع تكرار الهجمات على المنشآت الحيوية والممرات البحرية، وارتفاع تكاليف الدفاع، وتراجع الموارد المتاحة للتنمية، بما يضعف قدرة الدول على تحقيق أهدافها الاقتصادية والاستراتيجية.
وفي تقديري لا يمكن الجزم بأي من هذه المسارات في المرحلة الحالية، إذ ستتوقف التطورات على طبيعة القرارات السياسية والعسكرية للدول المعنية، ومدى نجاح جهود التهدئة، وقدرة الأطراف الإقليمية على إدارة خلافاتها دون تحويلها إلى صراعات شاملة.
في النهاية، القول إن تفعيل “حلف مكة” بالتزامن مع المساعي الإسرائيلية لفتح قنوات تعاون أمني مع السعودية، يعكس مرحلة جديدة من التحولات التي تشهدها خريطة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، حيث تتداخل ضرورات الردع والدفاع عن السيادة الوطنية مع حسابات النفوذ والتحالفات والمصالح الدولية.
غير أن القضية الجوهرية لا تتعلق بمجرد ظهور تحالف دفاعي جديد أو عرض تعاون أمني من طرف إقليمي، وإنما بالسؤال الأكبر: من يمتلك حق تحديد أولويات الأمن الإقليمي؟
ومن يتحمل تكلفة الصراعات التي تنشأ نتيجة هذه الأولويات؟. فالدول العربية تواجه تهديدات أمنية حقيقية تستوجب امتلاك قدرات دفاعية فعالة، لكنها تواجه في الوقت نفسه خطر الانخراط في مواجهات ممتدة قد تستنزف مواردها وتؤثر في استقرارها الداخلي ومشروعاتها التنموية.
ومن هنا، فإن بناء منظومة أمن إقليمي مستقرة يتطلب الجمع بين قوة الردع والحكمة السياسية، وبين تطوير التحالفات الدفاعية والحفاظ على استقلال القرار الوطني، وبين مواجهة التهديدات المباشرة وعدم السماح بتحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات قوى إقليمية ودولية. كما يتطلب إدراك أن أمن الخليج والبحر الأحمر والمشرق العربي والقضية الفلسطينية ليست ملفات منفصلة، وإنما مكونات مترابطة في معادلة الأمن القومي العربي.
وفي تقديري، فإن الاختبار الحقيقي للقوى العربية خلال المرحلة المقبلة لن يكون في قدرتها على تشكيل التحالفات وحدها، وإنما في قدرتها على توظيف هذه التحالفات لحماية مصالحها، ومنع استنزاف مقدراتها، والحفاظ على تماسك دولها واستقلال قراراتها الاستراتيجية. فليس كل تحالف عسكري ضمانة للاستقرار، كما أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة استخدامها، بل قد تكون أعظم نتائج القوة هي القدرة على منع الحرب قبل اندلاعها.