تحولات مخيفة: ما هي تكلفة تهديد إيران بقطع كابلات الإنترنت؟

في الآونة الأخيرة تحاول إيران استخدام جميع السُبل؛ لتحقيق أهدافها ومطالبها، فلم تكتفي بخنق الملاحة في مضيق هرمز، بل هددت بقطع كابلات الإنترنت العالمية في المضيق، وهو التهديد الذي يحمل تكاليف اقتصادية كبيرة على العالم أجمع، فتوقف الإنترنت لفيمتو ثانية يُعطل الإنتاج بخسائر تُقدر بمليارات الدولارات، مما يُشير إلى الصعوبة الكبيرة لهذا التهديد الإيراني، إذ تُشير التقديرات أنه يمر نحو 99% من حركة مرور الإنترنت الدولية عبر الكابلات البحرية، وتنتشر حول العالم أكثر من 500 كابل بحري تجاري، لتربط بين القارات والأسواق والمنازل.

تأسيسًا على ما سبق يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على التوزيع الجغرافي لكابلات الإنترنت في العالم، بالإضافة إلى توضيح التكلفة الاقتصادية للتهديدات الإيراني بقطع كابلات مضيق هُرمز.

التوزيع الجغرافي:

يُمكن التعرف على الممرات المائية في العالم التي يوجد بها كابلات للإنترنت، على النحو التالي:

الخريطة(1): التوزيع الجغرافي العالمي للكابلات البحرية للإنترنت

(-) البحر الأحمر وقناة السويس: تُشكّل شبكة كابلات الإنترنت البحرية الممتدة عبر البحر الأحمر ومصر نقطة اختناق بالغة الأهمية في منظومة الاتصال العالمية؛ إذ تُنقل ما يقرُب من 17% من حركة مرور الإنترنت في العالم بين آسيا وإفريقيا وأوروبا. وتدعم هذه الكابلات المصنوعة من الألياف الضوئية -والتي لا تتجاوز سماكة الواحد منها في الغالب سماكة خرطوم مياه الحدائق- كل شيء، بدءاً من الخدمات السحابية ووصولاً إلى مكالمات الفيديو. ومن شأن تضرُر كابل واحد أن يؤدي إلى إبطاء السرعات أو انقطاع الاتصال عن ملايين المستخدمين، مما يكشف عن مدى هشاشة العمود الفقري لشبكة الإنترنت العالمية.

خريطة(2): الكابلات البحرية الرئيسية في البحر الأحمر وقناة السويس

ومن هنا يُعد البحر الأحمر أهم ممر للربط والاتصال على وجه الأرض. وتتمثل النقاط الاستراتيجية الحرجة التي تمر عبرها الكابلات البحرية في البحر الأحمر في مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي الفاصل بين البحر الأحمر وخليج عدن، وممر قناة السويس عند نقطة الاتصال الشمالية بالبحر الأبيض المتوسط. ويؤدي هذان الممران الضيقان معاً إلى تجميع مسارات العديد من أنظمة الكابلات البحرية الرئيسية في مسار بحري محدود يربط بين أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا؛ مما يجعلهما نقطتين بالغتَيْ الحساسية، إذ يمكن لأي اضطراب فيهما أن يؤثر بشكل كبير على تدفقات حركة الإنترنت العالمية، إذ يمر عبر مضيق باب المندب —الذي لا يتجاوز عرضه 26 كيلومتراً عند أضيق نقطة بين اليمن وجيبوتي— ما يقرُب من 12% من حركة التجارة البحرية العالمية، بالإضافة إلى 17 كابلًا بحريًا تنقل الغالبية العظمى من حركة البيانات بين أوروبا وآسيا وإفريقيا؛ وهو ما يُمثل نحو 17% من حركة الإنترنت العالمية وأكثر من 90% من الاتصالات بين أوروبا وآسيا.

(-) الخليج العربي: يضم الخليج العربي أنظمة حيوية وفعالة للكابلات البحرية – مثل نظامي “فالكون”( (FALCON و”جلف بريدج إنترناشيونال” (GBI) – التي تمُر عبر مضيق هرمز لربط شبكات البيانات الإقليمية والعالمية.

وفي عام 2025 وقعت مجموعة “أوريدو” ((Ooredoo اتفاقية تاريخية مع شركة “ألكاتيل للشبكات البحرية” (ASN) -الشركة الفرنسية الرائدة في مجال تصنيع وتركيب الكابلات البحرية- لإنشاء كابل بحري جديد يربط سبع دول في المنطقة، وهي: قطر، وعُمان، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والمملكة العربية السعودية، والكويت، والعراق.

(-) مضيق هرمز: تتمتع المنطقة بشبكة واسعة من كابلات الألياف الضوئية؛ إذ تمُر خمسة أنظمة تجارية للكابلات البحرية عبر مضيق هرمز. وتشمل هذه الأنظمة كلاً من نظام (AAE-1) الذي يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، ونظام (SEA-ME-WE 5) الذي يربط جنوب شرق آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا الغربية. كما يمر نظامان آخران عبر المياه الإقليمية الإيرانية، وهما نظام “فالكون” (FALCON) الذي يربط الهند وسريلانكا بدول الخليج والسودان ومصر، ونظام كابلات “جلف بريدج إنترناشيونال” (GBI) الذي يربط جميع دول الخليج. ورغم أن الكابلات المارة عبر المضيق تنقل 1% فقط من حركة الإنترنت العالمية، إلا أن ارتباطها بالممر الأوسع الذي يربط المنطقة بإفريقيا وأوروبا -عبر خليج عمان والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط- يجعل منها نقطة اختناق استراتيجية بالغة الأهمية.

(-) المحيط الأطلسي: دخل نظام الكابلات البحرية الأول العابر للمحيط الأطلسي، المعروف باسم TAT-1″ “، حيز التشغيل في 25 سبتمبر 1956. ومنذ ذلك الحين، توالت سلسلة أنظمة الكابلات البحرية TAT” ” وصولًا إلى أحدثها، وهو نظام”TAT-14″.

يُعد نظام الكابلات ” TAT-8″ ” أول كابل بحري للألياف الضوئية يعبر المحيط الأطلسي؛ إذ يمتد لمسافة تُقارب 6000 كيلومتر، رابطاً بين كل من “تاكرتون” في ولاية نيوجيرسي بالولايات المتحدة، و”وايدماوث باي” في إنجلترا، و”بينمارش” في فرنسا. وقد أُنشئ هذا النظام من قبل تحالف قادته شركات “AT&T “و”British Telecom “و”France Telecom “بتكلفة بلغت حوالي 335 مليون دولار أمريكي، ودخل الخدمة في 14 ديسمبر 1988 قبل أن يخرج منها نهائياً في عام 2002. تضمن نظام TAT-8” “زوجين من الألياف الضوئية قيد التشغيل وزوجاً ثالثاً مخصصاً كاحتياطي؛ حيث كانت الإشارة في كل ليف ضوئي تُعدَّل بمعدل نقل بيانات يبلغ 295.6 ميجابت في الثانية. وقد استُغلت سعة النطاق الترددي للكابل بالكامل في غضون 18 شهراً تقريباً، مما شكل مؤشراً مبكراً على أن الطلب العالمي على البيانات الرقمية كان ينمو بوتيرة أسرع مما توقعه مخططو البنية التحتية. أُخرج الكابل “TAT-8” من الخدمة عام 2002 بعد تعرُضه لعطل اعتُبر إصلاحه غير مجدٍ اقتصادياً، وظل منذ ذلك الحين مستقراً في قاع المحيط لأكثر من عقدين من الزمن. وفي مطلع عام 2026، انتُشل الكابل المتقاعد “TAT-8” من قاع المحيط بهدف إعادة تدويره.

(-) المحيط الهندي: تتمثل المصلحة الاستراتيجية للهند في أن تصبح رائدة في مجال الربط الموثوق لتدفقات البيانات عبر المحيط الهندي، إذ تنقل نحو 500 كابل بحري بحوالي 97 في المائة من حركة الإنترنت العالمية، بينما تتولى الأقمار الصناعية نقل النسبة المتبقية البالغة 3 في المائة. وتتميز الكابلات البحرية بقدرة نقل هائلة تُقاس بـ “التيرابت”مع زمن انتقال منخفض (تأخير أقل)، في حين تبلغ قدرة الأقمار الصناعية 1000 ميجابت مع زمن انتقال أعلى (تأخير أكبر).

في الوقت الراهن، تمتلك الهند نحو 17 كابلاً بحرياً تنتهي عند 14 محطة إنزال متميزة موزعة على خمس مدن، وهي: مومباي، وتشيناي، وكوتشين، وتوتيكورين، وتريفاندروم. وفي عام 2021، بلغت السعة المتاحة والمستخدمة لهذه الكابلات 124 و84 تيرابايت في الثانية على التوالي، وبحلول أواخر عام 2025، وُجد 122 كابلاً بحرياً قائمًا تتبع مسارات تقليدية عبر منطقة المحيطين الهندي والهادئ الأوسع، مع وجود 70 كابلاً إضافياً تم إنجازها أو التخطيط لها في الفترة ما بين عامي 2022 و2030، مما يرفع إجمالي عدد الكابلات -سواء القائمة حالياً أو المرتقبة- إلى 170 كابلاً.

تكلفة التهديد:

مع تزايد دور الكابلات كركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، فإن أي اضطراب في تدفق البيانات يصبح ملحوظاً على الفور، مما يؤثر على الأنشطة الاقتصادية، وخدمات الطوارئ والخدمات التقنية، وأنظمة الأمن، وإمكانية الوصول إلى الإنترنت بالنسبة للمليارات حول العالم، وذلك كما يتبين على النحو التالي: –

الجدول(1): تقدير الخسائر المالية إذا نُفذ تهديد قطع كابلات الإنترنت البحرية لمدة يوم واحد

(-) ارتفاع الخسائر المالية: يُشير الجدول (1) إلى أن انقطاع الكابلات البحرية في منطقة الشرق الأوسط، يتسبب في خسائر مالية ضخمة للقطاعات الاقتصادية على مستوى العالم، ففي عام 2025 أدت حالات قطع الكابلات في البحر الأحمر إلى تراجع كفاءة الاتصال بالإنترنت في منطقة الخليج لعدة أيام، مما تسبب في خسائر قُدِّرت بنحو 3.5 مليار دولار نتيجة توقف الخدمات.

وفي مارس 2024، تضررت أربعة كابلات بحرية تخدم ساحل غرب أفريقيا (وهي: نظام كابلات غرب أفريقيا، وكابل “أفريقيا كوست تو يوروب”، وكابل “مين وان”، وكابل “سات-3”) جراء انهيار أرضي تحت الماء قبالة سواحل كوت ديفوار. وقد أدى ذلك إلى انقطاع الاتصال في ثلاث عشرة دولة، حيث عانت بعضها من انقطاع شبه كامل للخدمة. وكانت التكلفة باهظة على مستوى المنطقة؛ ففي نيجيريا وحدها، قُدِّرت الخسائر بنحو 590 مليون دولار خلال أربعة أيام. ومما زاد من تفاقم الوضع نقصُ سفن الإصلاح في المنطقة؛ إذ لم تصل السفينة الأولى -وهي “ليون تيفينين”، السفينة الوحيدة المخصصة لأعمال الإصلاح والموجودة بصفة دائمة في أفريقيا- إلا بعد مرور أسابيع على الحادث.

وبالتالي فالجدول (1) يعمل على وضع تقديرات نسبية لحجم الخسائر المالية التي ستتحملها القطاعات الإنتاجية نتيجة تضرُر شبكة الإنترنت الناتج عن تلف الكابلات البحرية، وقُدرت هذه التكاليف وفقًا لمدى اعتماد القطاع على الإنترنت والبيانات، ففي القطاع الصناعي تُقدر التكاليف من 80 إلى 180 مليون دولار، بينما في القطاع التكنولوجي، ترتفع الخسائر إلى نحو من 200 إلى 400 مليون دولار، و تنخفض نسبيًا في القطاع التجاري إلى مدى يتراوح من 150 إلى 300 مليون دولار، بينما في القطاع المصرفي والمالي تتراوح من 100 إلى 250 مليون دولار، ولكن تنخفض في قطاعات النقل والطيران والموانئ، بالإضافة إلى السياحة والخدمات.

(-) تراجع نمو الاقتصادات: تُشير التقديرات إلى أن الاقتصادات عالية الاتصال يُمكن أن تخسر نحو 1.9% من الناتج اليومي لكل يوم من الانقطاع الكامل للإنترنت، وهو الأمر الذي يؤكد أن تهديد قطع كابلات الإنترنت يعمل على تراجع النمو الاقتصادي داخل معظم دول العالم، وتُظهر أمثلة حديثة مدى الاعتماد الدولي وحجم المخاطر التي تهدد نظام الكابلات المار عبر هذه المياه. ففي مارس 2024، قُطعت أربعة كابلات بحرية في البحر الأحمر، مما أدى إلى تعطيل ما يقدر بنحو 25% من حركة الاتصالات بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتسبب في أزمة كبيرة في الاتصال. وفي سبتمبر 2025، قُطعت عدة كابلات بحرية للألياف الضوئية في البحر الأحمر، مما أدى إلى تراجع كفاءة الاتصال بالإنترنت في أنحاء الشرق الأوسط وآسيا.

(-) تضرُر الاقتصاد الرقمي: يُذكر أن مصر تعرضت لمحاولة قطع كابلات بحرية في البحر الأبيض المتوسط عام 2016، وهو الأمر الذي تداركته الدولة المصرية، إذ أن هذه المحاولات كادت أن تتسبب في اضطراب خدمة الإنترنت في مصر، وتعطيل إجراءات التحول الرقمي التي تقوم عليها الدولة، فالرقمنة والحوكمة الرقمية لا يُمكن لها أن تُنفذ بدون شبكة إنترنت قوية تُغذيها الكابلات البحرية المستقرة والتي يتم توسيعها بشكل مستدام، وهو الأمر الذي دفع الشركات التقنية العملاقة (التي تقدم خدمات سحابية واسعة النطاق) أن تستثمر بشكل متزايد ومباشر في أنظمة الكابلات، مدفوعةً بالنمو المتسارع في متطلبات النطاق الترددي اللازم للبيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

في النهاية، يُمكن القول إن أي تهديد بقطع الكابلات البحرية له تأثير اقتصادي كبير على العالم أجمع بشكل عام، ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، فالأنشطة الإنتاجية المختلفة أصبحت تعتمد بشكل كبير على البيانات وشبكة الإنترنت، وهو الأمر الذي يرفع الخسائر الاقتصادية داخل الدول، ومع ذلك فالتهديد الإيراني المُتكرر حول هذه الذريعة لا يُمكن وصفه إلا تهديد صريح؛ لتنفيذ المطالب في أسرع وقت، فالعالم أصبح لا يحتمل مزيد من الضغوط والأزمات من جراء توترات الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي يستلزم تحكيم مسارات التفاوض السياسي في كثير من أمور المنطقة التي تشتعل أحداثها يومًا تلو الآخر.

رضوى محمد سعيد

رضوى محمد- باحث أول بالمركز، ورئيس وحدة الدراسات المصرية، ومدير برنامج الدراسات المصرفية بالمركز. حاصلة على ماجستير اقتصاد في موضوع قنوات انتقال السياسة النقدية وتأثيرها على الاقتصاد الحقيقي في مصر، كلية اقتصاد وعلوم سياسية جامعة القاهرة، وحاصلة على بكالوريوس اقتصاد من جامعة القاهرة، حاليا في مرحلة تمهيدي دكتوراة في جامعة القاهرة. الباحثة مهتمة بتحليل القضايا الاقتصادية الكلية، عملت كباحثة متخصصة في تحليل السياسات العامة المصرية بالعديد من الشركات المتخصصة ومراكز الفكر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى