تأصيل أيديولوجي.. لماذا هاجمت جماعة الإخوان تفويض الرئيس السيسي لدعم السعودية؟

في ظل المستجدات الأمنية والتصعيد المتزايد في الملاحة بالبحر الأحمر ومحيط مضيق باب المندب، جدد مجلس الدفاع الوطني المصري التزامه الصارم بدعم المملكة العربية السعودية، ومساندتها في حماية أراضيها واستقرارها ضد تهديدات ميليشيا الحوثي، مؤكدًا أن أمن الخليج العربي يمثل خطًا أحمر وعمقًا استراتيجيًا لا يتجزأ عن الأمن القومي المصري.
قوبل هذا القرار الرسمي بحملات تشكيك وانتقادات واسعة عبر القنوات والمنصات الإعلامية التابعة للإخوان في الخارج، حيث سعت إلى تصوير هذا الدعم على أنه “مغامرة خارجية” أو “استنزاف للموارد”، متماهية بشكل مباشر وغير مباشر مع الخطابات الحوثية الداعية لضرب منظومة التضامن العربي وتقويض التحالفات السيادية.
من هذا المنطلق؛ يسلط التحليل الضوء على المنطلقات الفكرية والسياسية والتاريخية التي تحكم موقف تنظيم الإخوان المسلمين والمنصات التابعة له تجاه الدعم المصري للمملكة العربية السعودية في مواجهة الحوثي، من خلال محاولة الإجابة عن الأسئلة البحثية الآتية:
(*) كيف مثلت الانتقادات الإخوانية لموقف مصر تجسيدًا لأدبيات سيد قطب وحسن البنا حول الأممية والحاكمية لمحاولة إسقاط مفهوم الدولة الوطنية؟
(*) ما أبعاد التقاطع والتلاقي التكتيكي بين خطاب الإخوان وحركة الحوثي، وكيف تفسر الشواهد التاريخية هذا السلوك الانتهازي؟
(*) كيف يسهم التنسيق المزدوج لحزب الإصلاح باليمن والخطاب الإعلامي الإخواني في تزييف مفهوم الأمن القومي، وتوفير بيئة خصبة للتطرف الهجين في المنطقة؟
التأصيل الأيديولوجي:
تستند أدبيات الإخوان المسلمين إلى ركائز فكرية صلبة تقدم مصلحة التنظيم والتمكين على وجود وسلامة الدولة الوطنية. فينطلق التنظيم من أطروحات “الحاكمية” كما نظّر لها سيد قطب في “معالم في الطريق”، حيث اعتبر قطب مؤسسات الدولة واعتباراتها السيادية فاقدة للمشروعية ما لم تخدم أجندة الجماعة، مما يسقط تمامًا سيادة الدول الوطنية والحدود الجغرافية وفق رؤيته. كما صاغ حسن البنا مفهوم الأممية الإسلامية بأسلوب يلغي الخصوصية القومية والوطنية للدول.
وبناءً عليه؛ تتعاطى الجماعة مع التحالفات العربية كتكتلات وظيفية مؤقتة يجب تفكيكها لضمان إضعاف مفهوم الدولة الوطنية الحديثة لصالح كيان التنظيم العابر للحدود، ويرى التنظيم أن أي تقارب أو تحالف استراتيجي ناجح بين القاهرة والرياض يشكل تهديدًا كبيرًا لمشروعه، لأنه يعزز نموذج الدولة القوية القادرة على حماية حدودها وتصفية بؤر الإرهاب.
وهو ما يفسر الهجوم المنهجي الذي تشنه المنصات الإخوانية ضد الموقف المصري الداعم للسعودية ضد الحوثيين، فالتنظيم لا يهاجم هذا التنسيق الاستراتيجي حرصًا على مقدرات الجيوش كما يدعي في خطابه، بل انطلاقًا من عقيدة تنظيمية متأصلة تعتبر نجاح الدولة الوطنية في حماية أمنها القومي واستقرار جوارها بمثابة تهديد مباشر لمشروعهم، مما دفعهم إلى التماهي مع سرديات الفوضى والميليشيات لتقويض أي تضامن عربي مشترك.
تظهر جماعة الإخوان مرونة انتهازية تبرر بها التقارب غير المباشر مع حركة الحوثيين، متجاوزة الخلافات المذهبية والعقائدية. يوظف التنظيم كذلك مفهوم الولاء والبراء سياسيًا عبر إعادة تعريف الموالي والعدو وفقًا للمصلحة التنظيمية المباشرة؛ مما يشرعن للجماعة التلاقي التكتيكي مع خطاب وأهداف ميليشيا طائفية مثل حركة “أنصار الله”، لمجرد التقاء المصالح في هدف إضعاف المؤسسات النظامية والتحالفات السيادية والدفاعية للدول العربية.
في الأدبيات الحركية للتنظيمات الإسلامية الحركية ـ خاصة الإخوان ـ يتم إخضاع المفهوم العقائدي لـ”الولاء والبراء” لعملية برجماتية نفعية من خلال إدماجه بمفهوم “التقية” وإعادة توصيف المعايير؛ المعيار التقليدي للعقيدة لدى الإخوان يقوم على الولاء لأهل السنة والبراء من المخالفين في العقيدة والمذهب. أما المعيار التنظيمي المستحدث فهو نموذج هجين من مفهومي الولاء والبراء والتقية، وفيه يتم إسقاط المعايير العقدية لصالح المصلحة التنظيمية للتمكين. فالعدو الحقيقي في أدبيات التنظيم هنا ليس من يخالفهم في العقيدة والمذهب كالحوثيين، بل هو النظام السياسي والدولة الوطنية التي تحظر نشاطهم وتقوض مشروعهم، والموالي لا يُشترط انتماؤه لعقيدة أهل السنة، بل لعقيدة التنظيم ومصالحه.
بناءً على هذا التأصيل البرجماتي؛ يصبح الحوثي (رغم اختلافه المذهبي والعقائدي الجذري) صديقًا تكتيكيًا أو حليفًا موضوعيًا في معركة إسقاط التحالفات العربية والدول الوطنية، بينما تتحول الدول العربية السنية (كمصر والسعودية) إلى خصوم رئيسيين تستهدف الجماعة تشويه سياساتها ومهاجمة تحالفاتها العسكرية، لأن استقرار هذه الدول يجهض مشروعهم العابر للحدود.
شواهد تاريخية:
من الشواهد التاريخية على البرجماتية التكتيكية للتنظيم؛ أزمة غزو الكويت عام ١٩٩٠، على الرغم من الخلاف العقائدي والسياسي الجذري بين جماعة الإخوان والنظام العراقي الحاكم وقتها ـ حزب البعث القومي العلماني ـ إلا أن القيادات الدولية للتنظيم اختارت الانحياز ضد استقرار الخليج ومعارضة التحالف العربي والدولي لتحرير الكويت. ويتطابق هذا السلوك تاريخيًا مع تباكيهم ورفضهم الراهن لدعم مصر للسعودية ضد الحوثيين، حيث يتجاوز الإخوان مجددًا أي اعتبارات عقدية، ليثبتوا أن بوصلتهم قائمة على البرجماتية التنظيمية التي تستهدف تقويض استقرار الدول ومؤسساتها الوطنية.
كما شهدت فترة ٢٠١٢ انفتاحًا غير مسبوق وتفاهمات استراتيجية بين جماعة الإخوان وبين النظام الإيراني وأذرعه الإقليمية، متجاهلين المخاطر الأمنية الجيوسياسية المباشرة على أمن الخليج العربي والأمن القومي المصري بالبحر الأحمر. يثبت هذا السلوك أن الجماعة مستعدة دائمًا لتجاوز كل الخطوط الحمراء والتحالف مع خصوم مذهبيين، طالما أن ذلك يخدم بقاء تنظيمهم ويضمن لهم غطاءً إقليميًا.
في ذات السياق؛ اعتمد حزب الإصلاح ـ الفرع اليمني للإخوان ـ سياسة مسك العصا من المنتصف، فتارة ينخرط شكليًا ضمن مظلة الحكومة الشرعية، وتارة أخرى يعقد تفاهمات ميدانية أو يسلم مواقع استراتيجية للحوثيين في بعض الجبهات لضمان الحفاظ على مكاسبه الحزبية الخاصة. يعكس هذا الأداء ذات البرجماتية، حيث تتناقض شعارات الحزب الوطنية مع الهجمات الضارية التي تشنها المنصات الإعلامية الإخوانية ضد الدور المصري والخليجي، بهدف ابتزاز التحالف وتعطيل أي جهود تنهي حالة الفوضى التي تستفيد منها التنظيمات المسلحة.
خلاصة القول؛ إن تتبع الخيوط الأيديولوجية والسياسية والتاريخية لخطاب جماعة الإخوان المسلمين تجاه التحالفات العسكرية والأمنية العربية لا يكشف فقط عن ممارسات انتهازية للجماعة، بل يبرهن أيضًا أن الخطاب الإخواني من أخطر روافد التهديد الاستراتيجي للأمن القومي العربي، حيث يسعى إلى تغذية محورين؛ هما:
(-) تغرير الرأي العام وشرعنة التطرف الهجين: يعتمد الخطاب الإعلامي للإخوان على تكتيكات الحرب النفسية والتشكيك المنهجي الموجه للجمهور، عبر تصوير الجيوش الوطنية ومؤسسات الدفاع العربية على أنها أداة استنزاف أو طرف في صراعات غير معنية بأمن الشعوب.
تهدف الجماعة من خلال ذلك إلى إحداث تآكل تدريجي في المناعة الفكرية للشباب والمجتمعات العربية، مما يسهل عملية الاستقطاب الفكري التي تمارسها التنظيمات المتطرفة، ويوفر غطاءً أيديولوجيًا ناعمًا يدمج بين السرديات التنظيمية والنزعات التكفيرية لتوليد تطرف هجين عابر للحدود.
(-) توفير غطاء إعلامي للتنظيمات الإرهابية: يظهر جليًا تقاطع الأطروحات الإخوانية بشكل موضوعي ووظيفي مع خطابات وممارسات الميليشيات الإرهابية، حيث تتبنى المنصات الإخوانية ذات المفردات والذرائع التي تخدم مصالح تلك الميليشيات في زعزعة الاستقرار. يؤكد هذا التقاطع المعادي على مدى خطورة الشراكة الأمنية والدفاعية بين القاهرة والرياض، إذ تمثل هذه الشراكة الخط الدفاعي الأول الذي يمنع انهيار المنظومة الأمنية العربية ويضمن صمودها في وجه مشاريع الفوضى والميليشيات المسلحة.
مرتكزات برغماتية:
تبرر الجماعات ذات الطابع العقائدي والسياسي مثل الإخوان دعمها أو تحالفها مع أطراف مخالفة لها في العقيدة من خلال اعتماد منظومة من المفاهيم الفقهية والسياسية تقدمها لعناصرها. تستند هذه التبريرات إلى عدة مرتكزات أساسية:
١. فقه الموازنات والمصالح المرسلة (دفع المفاسد وجلب المصالح): ترتكز الأدبيات السياسية لجماعة الإخوان وأخواتها على القاعدة الفقهية القائلة بأن “ارتكاب أخف الضررين” أو “تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام” أمر جائز عند تعارض المصالح. من هنا تعتبر الجماعة دعم ميليشيا طائفية أخف ضررًا من القعود عن محاولة هدم الأنظمة العربية.
عليه؛ يتم توصيف التحالف للأتباع بأنه خطوة تكتيكية أو مرحلية تفرضها ضرورات الصراع السياسي والعسكري القائم. لذلك؛ فإن تفعيل خطاب تأجيل الخلافات العقائدية أو الفكرية لحين تحقيق الهدف الأكبر المشترك يعد تطبيقًا حرفيًا لما أسس له حسن البنا في رسائله التي تُحفظ داخل الأسر الإخوانية.
٢. التمييز بين “التحالف الاستراتيجي” و”التعاون التكتيكي”: تحرص جماعة الإخوان عند تسويق هذه التحالفات لقواعدها على التمييز دائمًا بين؛ (الولاء العقدي) وهو محظور فيه اتباع غير الجماعة، لأنه يضمن التبعية المطلقة، وهو مرتبط بركن من أركان البيعة الإخوانية ـ ركن الفهم ـ أن تفهم الإسلام كما تفهمه الجماعة. (التنسيق العملياتي) وتصوره الجماعة لأتباعها بأنه مجرد تقاطع مصالح أو تعاون ميداني في ملفات معينة تقتضيه ضرورة الحرب مثل إدارة المعارك أو توزيع الأدوار، دون أن يعني ذلك بالضرورة إقرارًا بصحة عقيدة الطرف الآخر أو تبنيًا لأفكاره.
٣. الاستشهاد بالسيرة النبوية والنماذج التاريخية: تلجأ الجماعة لدعم توجهاتها باستدعاء شواهد تاريخية لتأصيل موقفها، مثل؛ (حلف الفضل): الذي شهده النبي (ص) قبل البعثة مع مشركي مكة، و(وثيقة المدينة) التي عقدها النبي مع اليهود ومشركي المدينة.
٤. جواز التحالفات ضد الخصم الأكبر: تبرر الجماعة هذا النوع من التحالفات تحت ضغط الواقع الميداني أو الأمني، باعتبار أن الخصم الرئيسي المشترك يمثل خطرًا استئصاليًا وجوديًا يهدد الطرفين معًا، مما يبرر للأتباع أن التقارب مع المخالف العقدي ضرورة حتمية لتشتيت جهود الخصم أو تقليل الخسائر.
في المحصلة؛ فإن التحالفات الميدانية والإعلامية التي ينسجها التنظيم مع الميليشيات والمشاريع التخريبية في المنطقة ليست عارضًا أو مرونة طارئة، بل هي تطبيق عملي لبرغماتية نفعية تسقط المعايير العقائدية بغطاء فقهي لصالح التمكين التنظيمي، مما يجعل خطورة هذا الخطاب لا تقف عند حدود التنظير، بل تمتد خطورتها كغطاءٍ ناعمٍ يشرعن الفوضى ويهدد الأمن القومي العربي.