البوصلة شرقًا.. لماذا توسع مصر شراكاتها الآسيوية؟

تحمل الجولة الآسيوية للرئيس عبد الفتاح السيسي، التي تشمل إندونيسيا وكوريا الجنوبية وماليزيا، دلالات تتجاوز كونها جولة خارجية تستهدف تعزيز العلاقات الثنائية، إذ تأتي في توقيت تتحرك فيه مصر نحو توسيع دوائر شراكاتها الدولية، وتنويع أسواقها، وجذب مزيد من الاستثمارات، والاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا الآسيوية في دعم مسار التنمية.

وتكتسب الجولة أهميتها من طبيعة الدول الثلاث التي تمثل نماذج وتجارب اقتصادية مختلفة، لكنها تلتقي مع المصالح المصرية في عدد من الملفات؛ فإندونيسيا تمثل سوقًا آسيوية ضخمة وبوابة مهمة إلى جنوب شرق آسيا والعالم الإسلامي، بينما تمتلك ماليزيا خبرات واسعة في الصناعة والخدمات والتكنولوجيا والاقتصاد الحلال، في حين تمثل كوريا الجنوبية نموذجًا متقدمًا في التصنيع والتكنولوجيا والابتكار ونقل الخبرات.

كما تأتي الجولة في توقيت يشهد فيه الاقتصاد العالمي تحولات كبيرة، مع إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتصاعد المنافسة على جذب الاستثمارات، كما أن التوترات الجيوسياسية واضطرابات حركة التجارة والملاحة الدولية جعلت قضايا أمن الممرات البحرية وسلاسل الإمداد جزءًا أساسيًا من الحسابات الاقتصادية والسياسية للدول. وفي هذا السياق، تمتلك مصر مصلحة مباشرة في تعزيز الحوار مع القوى الآسيوية الكبرى، ليس فقط بسبب حجم التجارة والاستثمارات، وإنما أيضًا بسبب الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الدول في القضايا الدولية والإقليمية.

ومن هنا، فإن السؤال الأهم في قراءة الجولة لا يتعلق فقط بوجهات الزيارة، وإنما بما تبحث عنه القاهرة من هذه الشراكات، وما يمكن أن تحققه من عوائد اقتصادية وسياسية خلال المرحلة المقبلة.

مصر تعيد توسيع دوائر الحركة الدولية:

خلال السنوات الأخيرة، تحركت مصر في أكثر من اتجاه للحفاظ على شراكاتها التقليدية، بالتوازي مع فتح مساحات جديدة للتعاون مع قوى اقتصادية صاعدة ومؤثرة في النظام الدولي، وفي هذا السياق، أصبحت آسيا واحدة من أهم دوائر التحرك المصري، في ظل الوزن المتزايد لاقتصادات شرق وجنوب شرق القارة في التجارة العالمية والاستثمار والصناعة والتكنولوجيا.

ولا تبدو القاهرة معنية فقط بزيادة حجم التجارة مع هذه الدول، وإنما تسعى إلى الانتقال بالعلاقات إلى مستوى أكثر تركيبًا، يقوم على جذب الاستثمارات، وإقامة مشروعات مشتركة، وتوطين الصناعة، ونقل التكنولوجيا، والاستفادة من موقع مصر كبوابة للأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.

وبذلك، فإن التوجه المصري نحو آسيا يمكن قراءته باعتباره جزءًا من سياسة أوسع لتنويع الشركاء ومصادر الاستثمار والأسواق، بما يمنح الاقتصاد المصري مساحات أكبر للحركة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

إندونيسيا.. شراكة استراتيجية وسوق آسيوية ضخمة:

تمثل إندونيسيا واحدة من أهم محطات التحرك المصري في جنوب شرق آسيا، خاصة بعد رفع مستوى العلاقات بين البلدين إلى شراكة استراتيجية في أبريل 2025، بما يعكس رغبة مشتركة في الانتقال بالعلاقات إلى مستويات أكثر عمقًا في المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية.

وتكتسب العلاقة أهمية اقتصادية متزايدة مع ارتفاع حجم التجارة بين البلدين إلى نحو 2.38 مليار دولار خلال عام 2025، فيما سجلت التجارة نحو 1.74 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بما يعكس وجود قاعدة يمكن البناء عليها لزيادة التبادل التجاري خلال السنوات المقبلة.

وتسعى مصر من خلال هذه العلاقة إلى زيادة صادراتها إلى السوق الإندونيسية، وجذب الاستثمارات الإندونيسية، وفتح المجال أمام إقامة مشروعات مشتركة في عدد من القطاعات، بما يتيح تحويل العلاقة من مجرد تبادل تجاري إلى شراكة إنتاجية واستثمارية. ولا تتوقف أهمية إندونيسيا عند حجم سوقها الداخلي، وإنما تمتد إلى موقعها داخل منظومة جنوب شرق آسيا، وهو ما يجعلها شريكًا مهمًا لمصر في الوصول إلى أسواق أوسع، خصوصًا مع تنامي دور دول رابطة آسيان في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

ماليزيا.. شراكة اقتصادية تبحث عن مساحة أكبر:

تمثل ماليزيا محطة أخرى مهمة في التحرك المصري نحو آسيا، خاصة في ظل وجود علاقات سياسية جيدة بين البلدين ورغبة مشتركة في رفع مستوى التعاون الاقتصادي. وقد أعلن الجانب الماليزي أن الرئيس السيسي سيزور البلاد خلال أكتوبر، في خطوة تستهدف دفع العلاقات الثنائية إلى مستويات أكثر تقدمًا. ورغم وجود تعاون تجاري واستثماري بين البلدين، فإن حجم التبادل التجاري لا يزال يعكس مساحة واسعة يمكن استغلالها للنمو، وهو ما يجعل تعزيز العلاقات الاقتصادية أحد الملفات المهمة على أجندة التحرك المصري.

وتبرز أمام البلدين فرص متعددة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والخدمات والطاقة والسياحة والصناعات الدوائية والاقتصاد الحلال، إلى جانب إمكانية التعاون في المشروعات ذات القيمة المضافة وربط سلاسل الإنتاج بين الشركات المصرية والماليزية. وتستطيع مصر في هذا الإطار أن تقدم نفسها باعتبارها قاعدة إنتاج وتصدير إلى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، بينما يمكن لمصر الاستفادة من الخبرات الماليزية في قطاعات صناعية وخدمية وتكنولوجية متعددة.

كوريا الجنوبية.. التكنولوجيا والصناعة في قلب الشراكة:

إذا كانت إندونيسيا تمثل بالنسبة لمصر سوقًا آسيوية ضخمة وبوابة إلى جنوب شرق آسيا، وتمثل ماليزيا فرصة لتعزيز التعاون في الصناعة والخدمات والتكنولوجيا، فإن كوريا الجنوبية تكتسب أهمية خاصة باعتبارها شريكًا يمتلك خبرات متقدمة في التصنيع والتكنولوجيا والتحول الرقمي والبحث والتطوير. وقد شهدت العلاقات المصرية الكورية خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا، مع تعاون في مجالات النقل والتعليم والتدريب والطاقة والتحول الرقمي، وتجاوزت محفظة التعاون الإنمائي بين البلدين 1.3 مليار دولار.

كما تتحرك القاهرة وسول نحو تعميق التعاون التجاري والاستثماري، مع طرح مجالات مثل التكنولوجيا والصناعة والطاقة المتجددة والنقل والبنية التحتية والزراعة، بما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة لا تقتصر على استيراد المنتجات الكورية، وإنما تستهدف توطين جزء من هذه الصناعات داخل مصر. وهنا تظهر أهمية الشراكة مع كوريا بالنسبة للقاهرة؛ فالمطلوب هو الاستفادة من الخبرة الكورية في بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية، وتدريب الكوادر المصرية، وزيادة المكون المحلي، وتحويل مصر إلى مركز إنتاج وتصدير.

البعد الأفريقي.. مصر بوابة القارة:

من أهم نقاط القوة المصرية في الحوار مع الشركاء الآسيويين أن مصر لا تمثل سوقًا محلية فقط، وإنما يمكن أن تكون نقطة انطلاق إلى أسواق القارة الأفريقية. وتستطيع الشركات الإندونيسية والماليزية والكورية الاستفادة من الموقع المصري وشبكة الاتفاقيات التجارية للوصول إلى أسواق متعددة، بينما تستفيد مصر من ضخ استثمارات جديدة وتوطين صناعات وخلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد.

ومن هنا يصبح جذب الشركات الآسيوية إلى مصر جزءًا من استراتيجية أوسع لتعزيز موقع البلاد كمركز إقليمي للتصنيع والتصدير والخدمات اللوجستية.

السياسة حاضرة إلى جانب الاقتصاد:

رغم التركيز الواضح على الاقتصاد، فإن الجولة تحمل أيضًا أبعادًا سياسية ودبلوماسية مهمة، خاصة أن الدول الثلاث تمتلك حضورًا مؤثرًا في ملفات إقليمية ودولية متعددة. وتتقاطع مصر مع إندونيسيا وماليزيا في عدد من المواقف المرتبطة بالقضية الفلسطينية ورفض التصعيد ودعم الاستقرار، إلى جانب الاهتمام بأمن الملاحة والممرات البحرية. كما تمثل كوريا الجنوبية شريكًا مهمًا في عدد من الملفات الدولية، وتتيح العلاقات معها مساحة للحوار حول التطورات الإقليمية والدولية، إلى جانب التعاون الاقتصادي والتكنولوجي.

وبالتالي، فإن التحرك المصري نحو آسيا يجمع بين مسارين متوازيين؛ تعزيز المصالح الاقتصادية من جهة، وتوسيع دوائر التنسيق السياسي والدبلوماسي من جهة أخرى.

في النهاية، فإن القيمة الحقيقية للجولة لن تكون في عدد الاتفاقيات وحده، وإنما في قدرة هذه الشراكات على إنتاج عوائد ملموسة داخل الاقتصاد المصري. فمصر لا تتجه شرقًا بحثًا عن علاقات جديدة فقط، وإنما بحثًا عن شراكات تنتج استثمارًا وصناعة وتكنولوجيا وأسواقًا وفرصًا جديدة للنمو.

د. نورهان العباسي

د. نورهان العباسي، نائب أول مدير المركز للدراسات و البحوث ورئيس برنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة أستاذ مساعد الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. حصلت على درجة الدكتوراه في الصحافة والإعلام من جامعة وستمنستر بالمملكة المتحدة. الباحثة عملت في العديد من مراكز الفكر العربية والدولية منها في مصر وقطر والمملكة المتحدة، وهي متخصصة في مجالات الاقتصاد السياسي للإعلام، وإدارة الأزمات الإعلامية، ودراسات التحولات المجتمعية في الدول العربية، هذا بالإضافة إلى قضايا المرأة والأقليات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى