المتأثرون بالحروب.. كيف تعيد إيران وأوكرانيا تشكيل العقائد الدفاعية؟

ساهمت الصراعات الراهنة على الساحة الدولية في تجسيد حالة عدم اليقين الهيكلي في بنية النظام العالمي وعدم قدرته على معالجة الأزمات الكبرى ومحدودية معيار التفوق العسكري لحسم تلك الصراعات، وهو ما برز في تغير استراتيجيات الأمن القومي وأوراق السياسات الدفاعية للعديد من الدول في الفضائين الآسيوي والأوروبي عقب اندلاع حرب أوكرانيا 24 فبراير 2022، وصولًا إلى منطقة الشرق الأوسط التي أظهرت مركزية الخليج في استقرار أسواق الطاقة العالمية مع تحكم إيران ووكلائها في حركة المضائق الدولية بوسائل قتالية صغيرة قادرة على تعطيل الملاحة، فضلًا عن ممارسة نمط من الحروب الهجينة يعتمد على مزيج من العمليات النفسية والاستخباراتية والتضليل الإعلامي قبل وأثناء وبعد انتهاء العمليات القتالية.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي حدود تأثير حربي إيران وأوكرانيا على العقائد الدفاعية للدول المتأثرة بالصراعين وتلك التي تشهد تحولًا نتيجة تعزيز الضغوط الجيوسياسية وتغير البيئة الاستراتيجية الدولية.

محفزات متعددة

حفزت تحولات البيئة الاستراتيجية واضطرابات الإمدادات الحيوية، التغير في السياسات الدفاعية بمناطق الصراعات، وهو ما يمكن الإشارة إليه على النحو التالي:

(*) متغيرات البيئة الاستراتيجية: مثلت حرب أوكرانيا أهم تجليات ذلك التغير مع تصاعد التوتر الغربي الروسي منذ 2014 بوقف التنسيق والتعاون السياسي والأمني واتهام موسكو للدول الغربية بالإخلال بمنظومة الأمن والتعاون في أوروبا عبر استمرار مساعي تمدد حلف الناتو، بالتوازي مع التوترات السياسية والتجارية بين الولايات المتحدة والصين والتي أفرزت حربًا للرسوم الجمركية وتقييد الوصول إلى المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة مقابل حرمان الأخيرة من الرقائق الأمريكية المتطورة، واتهامات حلفاء واشنطن لبكين باتباع سياسات الإكراه الاقتصادي وبناء شبكات تبعية من خلال خلق نقاط اختناق في سلاسل التوريد الحيوية للخصوم، إلى جانب تعزيز الضغوط العسكرية من خلال تكثيف مناورات جيش التحرير الشعبي حول جزيرة تايوان واختراق أجواء ومياه تايبيه. ويظهر المتغير الأهم في فشل الاعتماد الاقتصادي المتبادل في تحييد خطر النزاع المسلح مع بين روسيا من جهة وأوروبا واليابان من جهة أخرى، وعدم اليقين بشأن مستقبل المواجهة حول تايوان بين الصين وسلسلة الجزر الأولى التي تشمل اليابان والفلبين، خاصة مع خطط إعادة تموضع القوات الأمريكية في المنطقة خلال حرب إيران، ومخاوف حلفاء واشنطن من توفير قدرات ردع موثوقة لاحتواء الصين في ظل إدارة ترامب.

(*) تحولات الحرب الحديثة: ترتبط الحروب الحديثة بنمط هجين يجمع بين الوسائل القتالية التقليدية المعتمدة بدرجات مختلفة على توظيف الحشد الواسع من الأنظمة المستقلة الدقيقة (أسراب الطائرات المسيرة) في المجهود العملياتي من جهة، ومزيج من العمليات النفسية والإعلامية والاستخباراتية والضغط الاقتصادي/الطاقي التي تستهدف المجتمعات المحلية في مناطق النزاع انطلاقًا من نموذج شبه حزيرة القرم في 2014 وصولًا لدول الحافة الشرقية لحلف الناتو، وانتهاءًا بالداخل الإيراني ومحاولات الأخيرة لاختراق المجتمعات الخليجية لتنفيذ أنشطة جمع المعلومات الاستخباراتية وتوجيه هجمات للبنية التحتية الحيوية واستهداف رموز ومؤسسات دول المنطقة.

ورغم إثبات محدودية القوة الجوية في تحقيق أهداف عسكرية واسعة تشمل التدمير الكامل للبنية التحتية العسكرية وشل قدرات القيادة والسيطرة للخصم دون تدخل بري، إلا أن دروس الحرب الإيرانية أثبتت الأهمية المركزية لقدرة سلاح المسيرات خصيصًا على تعطيل البنية التحتية الحيوية وبالتبعية التأثير الممتد على استقرار المجتمعات وإمدادات الطاقة وبالتالي شل قدرة الخصم على التحرك وتعطيل الحياة في الداخل.

(*) اضطراب الإمدادات: واجه العالم على مدار 6 سنوات (منذ تفشي جائحة كوفيد-19) سلسلة من الاضطرابات في سلاسل الإمداد الناتجة عن بيئة الصراع ومساعي أطرافه لاستغلال الإمدادات الضغط على المجتمع الدولي عبر منع وإعادة توجيه الإمدادات عبر العقوبات وعمليات القصف للمنشآت والسفن التجارية وتعطيل حركة الملاحة في نقاط الاختناق البحرية على غرار إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب للتأثير على الأطراف الدولية لمنع انخراطها في النزاع وتحويل جهودها من أجل الضغط لوقف القتال.

(*) اقتصاديات الصناعات الدفاعية: مثلت الصراعات الممتدة استنزافًا للذخائر التقليدية عالية الدقة نظرًا لتكلفتها الباهظة وصعوبة تعويضها خلال المواجهات العسكرية واسعة النطاق، في مواجهة أسراب من الطائرات المسيرة منخفض التكلفة وسهلة التعويض مع قابلية إطلاقها من مسافات بعيدة. هذا التحول التكتيكي كان بالغ الأثر في تنفيذ عمليات استخباراتية داخل عمق العدو على غرار عملية “شبكة العنكبوت” الأوكرانية بنحو 117 مسيرة ضد 4 قواعد جوية على امتداد الجغرافيا الروسية ساهمت تدمير نحو 41 قاذفة استراتيجية بقيمة خسائر إجمالية تراوحت بين 6 و7 مليارات دولار.

هذه المسيرات سيبرز دورها الذي لا يلغي دور القاذفات والطائرات المقاتلة متعددة المهام وإنما قد يسهل مهام تلك القوة الضاربة في تدمير أهداف معادية عالية القيمة عبر جمع المعلومات الاستخباراتية، بيد أنها على الجانب الآخر تمثل تهديدًا هائلًا بالقابلية لتعطيل وإعاقة عمل تلك المنصات القتالية الجوية للعدو بما تمتلكه من قدرة على المناورة العملياتية والتكلفة التشغيلية الرخيصة وهو ما اتضح مؤخرًا في المواجهات بين مجموعات حاملات الطائرات الأمريكية والحوثيين في مارس 2025 من جهة وإيران وحزب الله في 2026 من جهة أخرى، وهو ما امتد تأثيره إلى النزيف الحاد في مخزون الذخائر الصاروخية الدفاعية والهجومية الأمريكية خلال نحو شهر من المواجهات أسفر عن فقدان نحو ربع مخزون صواريخ “توماهوك” و”بريزم” و”جاسم” و”باتريوت” و”ثاد” و”إس إم-3″ و”إس إم-6″.

تراجع مخزون الصواريخ الأمريكية خلال حرب إيران- مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية

وعلى هذا المنوال، دقت العديد من مراكز الفكر الدولية ناقوس الخطر إزاء بنية الصناعات الدفاعية الوطنية في مختلف مراحل مشروعات تطوير الأسلحة والمعدات القتالية على صعيد مخاطر سلاسل الإمداد المرتبطة بتلك الصناعات والتي تعتمد على أطراف منخرطة في صراعات وببيئة البحث والتطوير وبطء تحويل تلك المشروعات من النماذج الأولية إلى الإنتاج الكمي، فضلًا عن مدى مرونة القطاع الدفاعي اقتصاديًا للتعامل مع أنظمة مستقلة رخيصة التكلفة بقدرات تقنية متوسطة وفق معادلة استراتيجية تشمل تطوير أسلحة مضادة فائقة التكنولوجيا بتكلفة تشغيلية أقل على غرار ابتكار صواريخ صغيرة مضادة للمسيرات أو مسيرات اعتراضية أو تسريع برامج تطوير أسلحة الليزر.

حدود التغيير

ساعدت حربا أوكرانيا وإيران الجيوش على استقاء الدروس وتغيير العقائد الدفاعية لتظهر هشاشة الحد الفاصل بين الدفاع ومجالات الاقتصاد والطاقة وأمن المنشآت الحيوية وحتى وعي المجتمعات بطبيعة التهديدات والجاهزية للتصدي لها.

(&) توسيع مجالات الدفاع: عززت الحروب الهجينة الحاجة لتحصين المجتمعات أمام محاولات الاختراق وعمليات التخريب المنظمة للبنية التحتية الحيوية عبر تعزيز مرونتها وصمودها في مواجهة عدوان خارجي، وهو ما يظهر في خطة الإنفاق الدفاعي لدول حلف الناتو التي تسعى لبلوغ مستوى 5% من الناتج المحلي الإجمالي للدول الأعضاء، من بينها نحو 1.5% على مخصصات مرتبطة بالدفاع والأمن تشمل حماية البنية التحتية الحيوية وتعزيز الجاهزية والصمود المدني ودعم مرونة الصناعات الدفاعية.

(&) بروز الردع النشط: انتقلت العديد من الدول في مناطق الصراعات الجيوسياسية من مرحلة الدفاع السلبي إلى تبني عقائد دفاعية تقوم على الردع النشط؛ إذ لم يعد الدفاع السلبي مجديًا في مواجهة بيئة إقليمية عدائية، وهو ما أدى باليابان بالتحول من الدفاع السلبي إلى تبني سياسة الردع النشط بامتلاك قدرات صاروخية هجومية تمكنها من الهجوم المضاد على أي هجوم محتمل. وتعتمد الاستراتيجية اليابانية على تنشيط قطاع الصناعات الدفاعية بتوسيع قاعدته الإنتاجية لتطوير المزيد من الأسلحة والصواريخ المحلية والسماح بتصدير أسلحة فتاكة. وتبرز الحاجة لتبني الردع النشط بالنظر لطبيعة التحول الذي خلقته المسيرات من فرض حالة تهديد دائم للمنشآت الحيوية وصعوبة تحصينها من تلك الهجمات باستثناء امتلاك قدرة موازية على التحول للردع واستهدف البنية التحتية الحيوية للعدو. ففي الخليج سعت دول المنطقة لاحتواء التصعيد الناجم عن حرب إيران 2026 وانتقل بعضها من الدفاع السلبي إلى محاولة فرض معادلة ردع دون المخاطرة بالانخراط في الصراع الأوسع، من خلال تنفيذ ضربات للداخل الإيراني وللميليشيات الموالية للأخيرة في المنطقة ردًا على استهداف المنشآت الحيوية والمدنية في الخليج وهو ما ساهم في الانحسار التدريجي لنطاق الاعتداءات الإيرانية. وفي أوروبا غيرت روسيا من عقيدتها النووية لردع أي محاولات تهديد العمق الروسي بهجوم تقليدي من دولة غير نووية مدعومة من قوة نووية أو قصف جوي مكثف على الأراضي الروسية. كما امتدت مظلة الحماية النووية إلى بيلاروسيا حال تعرضها لأي هجوم.

وإجمالًا؛ خلقت الصراعات الدولية بيئة استراتيجية مقعدة عززت من تغيير العقائد الدفاعية للدول من الدفاع السلبي إلى الردع والردع النشط، إلا أن تلك المعادلة لم تثبت نجاعتها سوى في حالات التوازن النووي عبر التهديد بالتدمير المؤكد المتبادل، وهو ما يفسر تحول الصراعات بين القوى المتوسطة غير المسلحة نوويًا مع القوى الكبرى والصراعات الإقليمية الأخرى إلى حروب استنزافية تستغل قدرات قتالية منخفضة التكلفة وفعالة في استهدف البنية التحتية الحيوية من أجل تعميق خسائر الخصوم وجرهم إلى صراع طويل مرتفع التكلفة يختبر مدى قدرة الاقتصادات على الصمود ومدى فاعلية وديناميكية قطاع الصناعات الدفاعية على المستوى الوطني في التكيف مع التهديدات.

ضياء نوح

ضياء نوح- باحث أول بمركز رع للدراسات الاستراتيجية وهو المنسق الأكاديمي للمركز. الباحث خبير بوحدة الدراسات الاستراتيجية بقطاع القنوات الإخبارية بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وهو حاصل علي بكالوريوس العلوم السياسية، وباحث ماجستير في ذات التخصص، له العديد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مراكز الفكر والمجلات العلمية، متخصص في شئون الخليج وإيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى