“رع” يصدر “النشرة السياسية” الأولى
نشرة أسبوعية لقراءة أبرز الأحداث والتحولات في مصر والإقليم والعالم

شهدت الفترة من 5 إلى 15 أغسطس 2026، العديد من الأحداث والتطورات على الساحات المصرية والإقليمية والدولية، شملت مستجدات الأمن المعلوماتي في مصر، وتطورات المشهدين الميداني والسياسي الإقليمي وعدد من التطورات الدولية. وعليه، يتناول العدد الأول من نشرة رع الأسبوعية عددًا من أبرز الأحداث والتفاعلات، حيث استعرضت النشرة أزمة خطوط الهاتف المحمول، وما ترتب عليها من إحالة شركات المحمول الأربع إلى النيابة العامة، كما تناولت النشرة الاتصال الهاتفي بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الأواكراني فلودومير زيلنيسكي، والتأكيد على ضرورة الحل السلمي للأزمة الأوكرانية.
وعلى الصعيد الإقليمي، ناقشت النشرة التطورات المرتبطة باتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان وما تعكسه من تحولات في ترتيبات الأمن الإقليمي، كما تناولت رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الخطة الأمريكية الجديدة بشأن غزة وما يفرضه ذلك من تداعيات على مسار الحرب والمفاوضات، واستعرضت إعادة ترتيب الوجود الروسي في سوريا، إلى جانب تصاعد الوضع الأمني في ليبيا واستهداف مراكز القوة والمنشآت الحيوية، وتجدد ضربات الحوثيين لميناء المخا غربي اليمن وما تعكسه من تصاعد التهديدات المرتبطة بأمن البحر الأحمر والملاحة الإقليمية.
وعلى المستوى الدولي، تطرقت النشرة إلى أزمة سبتة وتداعياتها على العلاقة الإسبانية-المغربية واستقرار حكومة سانشيز، كما ناقشت تطورات الحرب الروسية-الأوكرانية وامتداد تداعياتها إلى دول الجناح الشرقي لحلف الناتو، وزيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لـ”جزر الكوريل” المتنازع عليها مع اليابان وما تعكسه من دلالات على التوازنات الأمنية في شرق آسيا.
أولاً: مصر
الرئيس السيسى يؤكد لزيلينسكي أهمية التسوية السلمية للحرب الأوكرانية

تلقى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي اتصالًا هاتفيًا من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في 14 أغسطس 2026 تناول سبل دفع العلاقات الثنائية واستعراض مستجدات الشرق الأوسط وجهود تسوية الحرب الروسية الأوكرانية.
يبرز هذا الاتصال أهمية المقاربة المصرية في التعامل مع الأزمات الأمنية الدولية في إعلاء الحلول السلمية ومعالجة آثار الصراعات على الأمن الدولي والإنساني لوقف تمدد تداعياتها على الأمن الغذائي والطاقة والتجارة، لذلك جاء تأكيد الرئيس السيسي على التسوية السياسية بالتوازي مع التشديد على آثار التصعيد الإقليمي في حركة التجارة الدولية، ليعكس إدراكًا استراتيجيًا بأن تراكم الأزمات في البحر الأسود والشرق الأوسط والبحر الأحمر يخلق بيئة ضغط واحدة على المصالح المصرية، فكلما اتسعت دائرة الصراع زادت مخاطر اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والطاقة.
ومن الناحية الأخرى، فإن يسعى الرئيس الأوكراني زيلينسكي في تعزيز سردية بلاده بشأن مستجدات الحرب مع روسيا مع تعزيز المبادلات التجارية مع الشركاء الدوليين خارج الإطار الغربي بالاستناد لمكانتها في سوق الحبوب باعتبارها من أكبر مصدري الحبوب عالميًا، إذ إن الحرب لم تعد تقتصر فقط على خطوط الجبهة، وإنما في كسب معركة المواقف الدولية أيضًا وتوسيع قاعدة الدول المؤيدة للمسار التفاوضي الأوكراني. وتأتي إشادة زيلينسكي بموقف مصر من الأزمة باعتبارها محاولة للحفاظ على القاهرة داخل دائرة الدول التي يمكن الاعتماد عليها سياسيًا في أي ترتيبات لاحقة، نظرًا لعلاقاتها مع روسيا والقوى الغربية وثقلها على الساحة الدولية وجهودها في الوساطة بالملف الفلسطيني، بما يؤهلها للعب دورًا في مرحلة التفاوض، أو على الأقل يوفر قناة اتصال مع فضاءات سياسية لا تقع بالكامل داخل المعسكر الغربي.
القاهرة تدرس.. “تحالف مكة” يتطلع لانضمام مصر

قال وزير الخارجية المصري د. بدر عبد العاطي في 13 أغسطس 2026 إن مصر تدرس بكل جدية مسألة الانضمام لاتفاقية مكة الدفاعية، من مختلف الجوانب لأن هناك اعتبارات دستورية وقانونية يجب دراستها بدقة. ووقع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الجمعة 7 أغسطس 2026 “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” في قصر الصفا بمكة المكرمة.
تكتسب تصريحات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره التركي هاكان فيدان، الخميس 13 أغسطس 2026، إن مصر تدرس بكل جدية مسألة الانضمام إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك من مختلف جوانبها، مع وجود اعتبارات دستورية وقانونية يجب دراستها بدقة، أهمية خاصة في ضوء ما أثير حول غياب القاهرة عن الاتفاق عند توقيعه ووجود خلافات بشأن انضمامها، إذ يؤكد الموقف المصري الرسمي أن عدم مشاركة مصر في التوقيع الأولي لا يعكس رفضًا للاتفاق أو ابتعادًا عنه، وإنما يرتبط باستكمال دراسة الأبعاد القانونية والدستورية للانضمام، بما يجعل عضوية القاهرة احتمالًا قائمًا وليس أمرًا مستبعدًا، وهو ما يعكسه اللقاء الأخوي بين وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية في مدينة العلمين، في مؤشر على متانة العلاقات بين الدول الثلاث الشريكة في اللجنة العربية الإسلامية بشأن غزة والملف الفلسطيني والآلية الرباعية بالتعاون مع باكستان والتي ترمي لإرساء الاستقرار الإقليمي وتهدئة المنطقة بتسوية حرب إيران.
وكان وزير الخارجية التركي قد أشار في تصريحات لمراسلي وكالة أنباء الأناضول 8 أغسطس أن الرئيس رجب طيب أردوغان يرغب بانضمام مصر، ومن المرجح أن القاهرة ستضيف عنصرًا مختلفًا، فهي قوة عسكرية عربية مركزية، ولديها موقعًا يتحكم في قناة السويس ويربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، فضلًا عن قدرتها على التأثير في الملفات العربية الرئيسية.
وبالتالي، فإن انضمام القاهرة سيمنح الترتيب قدرة أكبر على الانتقال من تحالف ثلاثي عابر للإقليم إلى بنية أمنية ذات مركز ثقل عربي–إسلامي أوسع. ولكن الإشارة التركية تحمل في الوقت نفسه دلالة أخرى، وهي أن أنقرة لا تتعامل مع اتفاق مكة باعتباره صيغة مغلقة، وإنما باعتباره نواة قابلة للتوسع. وتشير تقارير إلى اهتمام دول خليجية أخرى (الكويت والبحرين) بتوسيع تعاون مشابه مع باكستان وهو ما يفتح احتمال تطور الاتفاقية من إطار ثلاثي إلى نواة شبكة أمنية إقليمية أوسع، فيما يبقى اختبارها الحقيقي مرهونًا بمسار الحرب الإيرانية-الأمريكية.
وهذا يتوافق مع طبيعة الاتفاق نفسه، الذي نص على إنشاء لجنة وزارية وأمانة عامة في السعودية، على أن تُناقش التفاصيل التشغيلية لاحقا، بما يشير إلى أن البنية المؤسسية للترتيب لم تكتمل بعد. ومن هنا يمكن فهم طرح عضوية مصر باعتباره جزءا من عملية تصميم التحالف، وليس مجرد دعوة لاحقة لدولة لم تكن ضمن الحسابات الأصلية.
وتكشف هذه الاتفاقية عن تحول في نظرة دول المنطقة للأمن، والتحول من الاعتماد على الضمانات الخارجية إلى بناء ترتيبات أمنية متعددة الأطراف داخل الإقليم. كما أنها تمنح السعودية خيارات أوسع في مواجهة التهديدات، بينما تتيح لتركيا توسيع حضورها الأمني في الخليج، وتمنح باكستان فرصة لتعزيز موقعها الاستراتيجي وعلاقاتها مع دول المنطقة والاستفادة من الإنفاق العسكري السعودي المتزايد. ومن ناحية أخرى تضع هذه الاتفاقية إيران أمام ترتيبات أمنية جديدة قد تنظر إليها باعتبارها مصدر تهديدلبيئتها الإقليمية، كما تثير قلق إسرائيل من دخول البعد النووي الباكستاني بصورة غير مباشرة إلى الحسابات الأمنية في المنطقة، أما بالنسبة لواشنطن فيمثل التحالف فرصة لإعادة توزيع أعبائها الأمنية، إذا أثبتت الدول الثلاث قدرتها على تطوير آليات دفاع مشتركة. ومن ثم، قد تمثل الاتفاقية بداية لتشكيل شبكة أمنية إقليمية أوسع، خاصة مع الاهتمام الخليجي المحتمل بتطوير تعاون مماثل مع باكستان.
ثانيًا: الإقليم
خطة غزة.. الحسابات الانتخابية تدفع نتنياهو للصدام مع ترامب

رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 9 أغسطس 2026 خطة أمريكية جديدة من 15 نقطة بشأن غزة، رغم قبول حركة حماس بالإطار المقترح بشروط.
وفقًا لما نقلته وكالة رويترز فقد جدد رئيس الوزراء الإسرائيلي رفضه لخطة الرئيس ترامب بشأن قطاع غزة، وتمسك نتنياهو بأن أي انسحاب إسرائيلي يجب أن يسبقه نزع كامل لسلاح الحركة، في حين تواجه الخطة تحفظات داخل الحكومة الإسرائيلية خاصة من تيار اليمين الاستيطاني، إلا أن هذا الرفض لا يمكن قراءته بعيدًا عن الحسابات السياسية الداخلية لنتنياهو، فمن الواضح أن نتينياهو يوظف الرفض المعلن باعتباره أداة لكسب تأييد قاعدته اليمينية والحفاظ على تماسك ائتلافه الحاكم قبل الانتخابات، بينما يترك في المقابل مساحة للتفاوض مع الإدارة الأمريكية بشأن آليات تنفيذ الخطة وتوقيتاتها.
وترجع هذه الازدواجية إلى محاولة نتنياهو تحقيق توازن بين اتجاهين متعارضين، فمن ناحية لا يستطيع قبول خطة تتضمن وقف العمليات والانسحاب الإسرائيلي من غزة أمام قوى الائتلاف الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل والتي تربط إنهاء الحرب بتحقيق نزع كامل لسلاح حماس، ومن ناحية أخرى لا يستطيع الدخول في مواجهة مباشرة مع إدارة ترامب أو إغلاق مسار التفاوض، خاصة في ظل اعتماد إسرائيل على الدعم الأمريكي سياسيًا وعسكريًا، وهو ما يفسر ضرورة الفصل بين الخطاب العلني والمفاوضات غير المعلنة. ومن ثم، فإن توظيف نتنياهو للرفض لا يرتبط بموقفه من مضمون الخطة فقط، وإنما يمثل أيضا محاولة لإدارة التناقضات بين متطلبات السياسة الداخلية والتزامات العلاقة مع واشنطن.
وعليه، فإن مستقبل الخطة لا يرتبط فقط بموقف نتنياهو المعلن وإنما بقدرته على إعادة صياغة بنودها أو توقيت تنفيذها بما يسمح له بتقديم أي تنازل أمام الناخب الإسرائيلي باعتباره نتيجة تفاوضية وليس تراجعًا سياسيًا، وهو ما يجعل الانتخابات الإسرائيلية عاملًا حاسمًا في تحديد مسار المفاوضات، فإذا تمكن نتنياهو من الحصول على ضمانات أمريكية بشأن نزع سلاح حماس وآليات الانسحاب، فقد ينتقل الرفض العلني تدريجيًا إلى قبول مشروط، بينما قد يؤدي تصاعد الضغوط من اليمين إلى إطالة المفاوضات وبقاء الحرب كورقة سياسية حتى موعد الانتخابات، وبذلك، لا يعكس الرفض المعلن إغلاق مسار التسوية وإنما قد يمثل جزءًا من استراتيجية تفاوضية تهدف إلى إدارة الداخل الإسرائيلي وفي نفس الوقت الحفاظ على هامش المناورة مع واشنطن.
إعادة ترتيب الوجود الروسي في سوريا

توصلت سوريا وروسيا في 9 أغسطس 2026 إلى اتفاق جديد بشأن القواعد الروسية في الساحل السوري، يقضي باستعادة دمشق السيطرة على قاعدة حميميم الجوية وجزء من قاعدة طرطوس البحرية، مع تحويل المنشآت إلى مراكز تدريب مشتركة.
يكشف هذا الاتفاق مساعي روسيا لإعادة صياغة أدوات نفوذها بما يتلائم مع مستجدات البيئة السياسية، فعلى الرغم من فقدان موسكو جزء كبير من قدرتها على استخدام الأراضي السورية كقاعدة نفوذ في شرق المتوسط خاصةً بعد سقوط نظام الأسد، إلا أنها غير مستعدة للانسحاب بصورة كاملة، ولذلك فإن الاتفاق يسمح بإضفاء صورة إيجابية على الوجود الروسي في سوريا، وضمان الاحتفاظ بموطئ قدم عسكري وعلاقة مؤسسية مع الحكومة السورية الجديدة من ناحية. ومن ناحية أخرى يمنح هذا الاتفاق دمشق قدرة على استعادة السيادة الرمزية على منشآت كانت تمثل أحد أبرز مظاهر الهيمنة الروسية على الأراضي السورية، وهو ما يمكن دمشق من إدارة علاقاتها بتوازن مع الغرب. كما يكشف هذا الاتفاق عن تحول التنافس على سوريا من مرحلة الحرب بالوكالة إلى مرحلة التنافس على النفوذ وإعادة بناء الدولة، حيث ستصبح القواعد العسكرية والموانئ والطاقة والاستثمارات أدوات رئيسية في تحديد القوى الأكثر تأثيرًا على مستقبل سوريا.
تصعيد أمني في ليبيا إثر اغتيال “المنصوري” وسلسلة استهدافات طالت منشآت نفطية

شهدت ليبيا مساء الاثنين 10 أغسطس 2026 حادثتين منفصلتين عكستا تصعيدًا لافتًا في الوضع الأمني بالبلاد، تمثّلتا في اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية، فوزي المنصوري، بانفجار سيارة مفخخة أمام منزله في مدينة بنغازي شرقي ليبيا، تزامنًا مع هجمات طالتعلى مصفاة نفطية في الزاوية غرب البلاد.
كشفت التطورات الأمنية الأخيرة في ليبيا عن تحول في طبيعة الأزمة، حيث انتقل التوتر من مرحلة الصراع التقليدي على النفوذ السياسي والعسكري إلى استهداف مراكز القوة والمنشآت الحيوية داخل الدولة، فاغتيال اللواء فوزي المنصوري رئيس الاستخبارات العسكرية للجيش الوطني الليبي بعبوة ناسفة أمام منزله في بنغازي، بالتزامن مع هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت خزانات الوقود في مجمع الزاوية ومحطة الكهرباء بالمدينة، يطرح احتمالًا يتجاوز فكرة الحوادث الأمنية المنفصلة باتجاه محاولة إرباك مراكز النفوذ وتعطيل أدوات السيطرة والاستقرار.
وتتمثل خطورة هذه التطورات في أن اغتيال مسئول استخباراتي يعني الحاجة لإجراء ترتيبات أمنية جديدة، فالاغتيال قد طال الجهة المسئولة عن جمع المعلومات وكشف التهديدات، مما قد يزيد من صعوبة بناء ترتيبات أمنية مشتركة بين المعسكرين خاصة في ظل استمرار الانقسام المؤسسي. رغم تقدم المسار العسكري بين الجانبين.
وفي المقابل، تحمل هجمات الزاوية بعدًا استراتيجيًا أكثر تعقيدًا، فالهدف لم يكن منشأة اقتصادية عادية وإنما عقدة تجمع التكرير وتخزين الوقود والطاقة، وقد نتج عن تلك الهجمات المركبة تعطيل أكثر من 700 ميجاوات من القدرة الإنتاجية للكهرباء. ويستبعد محللون ليبيون أن تكون التطورات في الزاوية مرتبطة باغتيال المنصوري، نتيجة ارتباط حوادث استهداف منشآت النفط بالصراع على النفوذ في الغرب الليبي بين القوى الأمنية والعسكرية، والتي قد تكون على الورق تابعة لحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، بينما تتنافس فيما بينها للسيطرة غلى المؤسسات النفطية للاستحواذ على عمليات التهريب والتصدير للمشتقطات النفطية والسيطرة على معابر التهريب غير الشرعية خاصة في حالات عمليات تهريب الينزين لتحصل على أموال هائلة.
وعليه، فإن السيناريو الأخطر لا يتمثل في العودة الفورية إلى حرب شاملة، وإنما في نشوء نمط من الصراع منخفض الحدة يقوم على اغتيالات، واستهداف للبنية التحتية، بما يعطل مسار توحيد المؤسسات دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، وإذا استمر هذا النمط فقد تصبح حماية النفط واستعادة الأمن أولوية تتقدم على التسوية السياسية، وهو ما يطيل أمد الانقسام بدلًا من حله.
تصعيد متسارع على الساحل الغربي .. الحوثيون يجددون ضرب ميناء المخا

في 14 أغسطس أطلق الحوثيون 6 صواريخ باليستية على ميناء المخا اليمني المطل على البحر الأحمر، وفق تصريحات العقيد ماجد عبدالله النزيلي، المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، الذي قال إن: “استهداف الحوثيين للموانئ يرقى إلى مستوى حصار الشعب اليمني الحر وتجويعه”. بينما زعم الحوثيون أن الهجمات استهدفت “تجمعات عسكرية وأسلحة سعودية”، بالإضافة إلى زوارق عسكرية تابعة لقوات الشرعية.
لا يمثل قصف الحوثيين لميناء المخا بين 8 و14 أغسطس 2026 عودة إلى نمط المواجهة اليمنية التقليدية، وإنما يعكس تحولًا في طريقة إدارة الصراع من استهداف الخصوم داخل اليمن إلى الضغط على الشبكة التي تربط أمن اليمن بالأمن السعودي وحركة الملاحة في البحر الأحمر وتعزيز سردية الجماعة للصراع مع المملكة العربية السعودية وصرف الأنظار عن الحكومة الشرعية، فقد تزامن هجوم 9 أغسطس على المخا مع استهداف منشأة أرامكو في جازان، ثم تجدد قصف المخا ومأرب في 11 أغسطس، بالتزامن مع هجوم حوثي على سفينة في باب المندب، قبل أن تتعرض المخا مجددًا في 14 أغسطس لهجوم بستة صواريخ باليستية.
وتكشف هذه التطورات أن الهدف الحوثي يتجاوز إلحاق خسائر بالقوات الموجودة في المخا، فالجماعة تسعى إلى تشكيل معادلة ردع جديدة تربط بين تهديد الموانئ من الساحل وتهديد السفن من البحر وتهديد منشآت الطاقة من داخل السعودية، بحيث تتحول الجغرافيا اليمنية إلى أداة لرفع تكلفة أي ترتيبات إقليمية تستهدف احتواء الجماعة.
إيران تواصل استهداف الملاحة بهرمز وترامب يدعو لتحمل ارتفاع البنزين

وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران بأنها “شريرة للغاية” وحث الأمريكيين على الاستعداد لتحمل استمرار ارتفاع أسعار الوقود نتيجة للحرب. من جانبه، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن إيران لم تتخذ قرارًا بعد بشأن استئناف المحادثات مع الولايات المتحدة، وأضاف في مقابلة إعلامية في 15 أغسطس 2026 أن على واشنطن تلبية الشروط المتعلقة بالمضيق من أجل استئناف حركة الملاحة في الممر المائي الذي كان يمرعبره خُمس شحنات النفط العالمية قبل الحرب. وفي سياق متصل قال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي في منشور على إكس: “لن يفتح هذا المضيق (هرمز) أو يغلق إلا بأمر من إيران. ستواصل طهران فرض الحصار ما دام (الأمريكيون) يرفضون تقبل حقيقة الهزيمة ولا يكفون عن الانغماس في الأوهام”.
تعكس دعوة ترامب الأمريكيين لتحمل ارتفاع أسعار البنزين، بالتزامن مع إعلانه أن هرمز سيصبح “إقليمًا تابعًا للولايات المتحدة” بعد هزيمة إيران، محاولة لربط الكلفة الاقتصادية للحرب بهدف استراتيجي أوسع، يتمثل في التلويح بحرمان طهران من أهم أدوات نفوذها الجيوسياسي وتحويل التفوق العسكري الأمريكي إلى ترتيبات دائمة في الخليج. ومن ثم، فإن ارتفاع أسعار الطاقة بالنسبة لترامب ليس مجرد خسارة اقتصادية، بل تكلفة ينبغي للمجتمع الأمريكي قبولها مقابل منع إيران من امتلاك سلاح نووي ومنعها من التحكم في أحد أهم ممرات الطاقة العالمية.
ومن ناحية أخرى، تدرك طهران أن التخلي عن هرمز يعني خسارة ورقة التأثير في الاقتصاد العالمي وفي الحسابات السياسية لواشنطن، ولذلك تربط إعادة الملاحة بشروط تفاوضية كمحاولة لإبقاء قدرتها على التأثير، حتى مع تفوق الولايات المتحدة عسكريًا، وهنا تصبح أسعار البنزين امتدادًا للمعركة؛ فكل يوم يستمر تعطل الملاحة ترتفع الكلفة على المستهلك الأمريكي، لكنه في الوقت نفسه يضغط على الاقتصاد الإيراني ويزداد التضخم.
وبالتالي، فإن الطرفين يخوضان سباقًا حول من يستطيع تحمل كلفة الحرب دون أن تتحول هذه الكلفة إلى ضغط يجبره على التراجع. وعليه، فإن الإشكالية الأساسية في المرحلة المقبلة لن تكون في حسم السيطرة على المضيق بقدر ما تتعلق بمن سيملك القدرة على تحويل ذلك إلى مكسب سياسي في تسوية ما بعد الحرب.
ثالثًا: العالم
تصاعد الحرب بين روسيا وأوكرانيا يوسع الصراع لدول الناتو

أعلن رئيس الوزراء البلغاري دخول طائرة مسيّرة محملة بمتفجرات الأجواء البلغارية فجر السبت 8 أغسطس 2026 وانفجارها قرب الحدود مع رومانيا على مقربة من خط أنابيب الغاز الرابط بين تركيا وأوكرانيا، وأعلنت وزارة الدفاع الروسية سيطرة قواتها على عدد إضافي من البلدات في مقاطعات خاركيف وسومي وزابوروجيه، في إطار استمرار تقدمها الميداني على عدة جبهات.
لا تُعد حادثة بلغاريا معزولة بل تندرج ضمن نمط متصاعد من حوادث المسيّرات التي طالت مؤخرًا دول شرق أوروبا الأعضاء في الناتو ففي رومانيا (التي طردت دبلوماسيًا روسيًا على خلفية حادثة مشابهة) وألمانيا (اكتشاف مسيّرة مفخخة في مطار لايبزيغ)، هذا التكرار المتباعد جغرافيًا يطرح احتمالين: إما استهداف روسي متعمد ومحسوب لاختبار حدود الرد الأطلسي دون الوصول لعتبة “المادة الخامسة”، أو انحراف عرضي لمسيّرات ضمن عمليات أوسع في البحر الأسود، وما ينتج عنه من تآكل تدريجي للثقة الأمنية لدى دول الجناح الشرقي للناتو، وهو ما يفسر مساعي الاتحاد الأوروبي الحالية لبناء جدار مضاد للمسيّرات على حدوده الشرقية.
أما التقدم الروسي في خاركيف فيحمل دلالة مختلفة، فبعد أكثر من عامين من حرب استنزاف شبه جامدة على أغلب الجبهات، يبدو أن موسكو تراهن على فتح جبهات جديدة لتشتيت القدرة الدفاعية الأوكرانية المنهكة أصلًا من نقص الذخائر والقوى البشرية، وذلك بالتزامن مع التلويح بنقل الصراع لأراضي الناتو والذي يشير لوجود استراتيجية روسية مزدوجة تتمثل في تحقيق مكاسب ميدانية تعزز موقفها في أي مفاوضات مستقبلية، مع إبقاء الضغط النفسي على حلفاء كييف الأوروبيين، ومن ثم فإن أي حديث عن مفاوضات جدية قريبة يبدو سابقًا لأوانه طالما ترى موسكو أن الوضع الميداني لا يزال يعمل لصالحها.
اختبار الصمود الوطني في تايوان ومحاكاة الحرب الشاملة ضد الصين

أجرى الجيش التايواني يوم الاثنين 10 أغسطس 2026 محاكاة للتصدي لهجوم صيني بالإنزال الجوي على جزر بينجو ذات الأهمية الاستراتيجية، وفرض قيود على استخدام الإنترنت عبر الهواتف المحمولة للمرة الأولى خلال المناورات الحربية السنوية.
تعكس التدريبات العسكرية التي أجرتها تايوان لمحاكاة التصدي لهجوم صيني محتمل تحولًا في طبيعة الاستعداد لمواجهة بكين، بالتزامن مع تغير مفهوم الحرب الحديثة من الاعتماد على العمليات العسكرية المباشرة إلى توظيف مزيج من الأدوات التقليدية والهجينة التي تستهدف قدرة الدولة على الاستمرار في أداء وظائفها الأساسية، وهو ما يظهر في محاكاة تقييد الإنترنت وتعطيل الاتصالات بالتوازي مع العمليات القتالية.
ويكتسب ذلك أهمية بالنظر إلى أن أي مواجهة محتملة بين الصين وتايوان لن تقتصر تداعياتها على استهداف المنشآت والقواعد العسكرية، وإنما ستمتد إلى البنية التحتية الحيوية وشبكات الاتصالات ومراكز القيادة والسيطرة، فضلًا عن محاولات التأثير على وعي المجتمع وقدرته على التعايش مع الاضطرابات.
ويظهر المتغير الأهم في إدراك تايوان أن التفوق العسكري وحده لا يضمن القدرة على الصمود أمام عملية عسكرية صينية واسعة، في ظل امتلاك بكين قدرات صاروخية وسيبرانية وإلكترونية تمكنها من استهداف العمق التايواني. وعليه، تتجه تايبيه إلى توسيع مفهوم الدفاع ليشمل مرونة المجتمع والبنية التحتية وقدرة مؤسسات الدولة على استمرار العمل تحت ظروف الحرب، بما يعكس انتقال الردع من مجرد امتلاك القدرة على إلحاق خسائر بالخصم إلى رفع تكلفة الحرب عبر ضمان القدرة على الصمود أمام الضربة الأولى.
زيارة بوتين لـ”إيتوروب”.. رسالة مزدوجة لليابان والغرب

زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الخميس 13 أغسطس 2026، جزيرة “إيتوروب” التي تقع في نهاية سلسلة “جزر الكوريل” المتنازع عليها مع اليابان والتي تسميها “الأقاليم الشمالية”. وجاء ذلك بعد يوم واحد من إجراء كوريا الشمالية مناورات بحرية واسعة النطاق.
تحمل هذه الزيارة رسالة إلى اليابان أن روسيا لا تتعامل مع ملف جزر أراخبيل الكوريل كملف مؤجل، بل كأراضِ روسية وأن السيادة على هذه الجزر حُسمت بهزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية وبالتنازل عنها في مؤتمر سان فرانسسيكو 1951، وأن موسكو لن تتنازل عن أراضيها لدولة تدعم الغرب في فرض عقوبات على موسكو، وأن تلك الجزر ليست أراضٍ متنازل عليها وإنما تمثل درع روسيا في المحيط الهادي تجاه اليابان والقواعد الأمريكية، وأن التنازل عنها يفتح الباب أمام حضور عسكري أمريكي في أماكن انتشارها.
وتأتي الزيارة في أعقاب إطلاق كوريا الشمالية يوم الأربعاء 12 أغسطس 2026 صاروخًا باليستيًا باتجاه المياه الواقعة إلى الشرق من شبه الجزيرة الكورية. كما أن الأمر لا يتعلق بالزيارة فقط، بل بالتوقيت الذي تزامنت معه، فقد جاءت هذه الزيارة بالتزامن مع الذكرى 81 لاستسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية في 15 أغسطس1945.
أما فيما يتعلق بالغرب فإن هذه الزيارة تحمل رسالة مفادها أن روسيا موجودة في ممر الشمال الذي تراهن عليه، من أجل نقل البضائع من الصين إلى جنوب شرق آسيا، كما تأكد تصريحات بوتين أن روسيا قوة بحرية كبرى ولن تسمح للغرب بفرض سيطرته في مناطق نفوذها، كما توضح موسكو للغرب أنها سوف تحافظ على حضورها العسكري في آسيا.
ومن المحتملأن تدفع هذه الزيارة النزاع الروسي-الياباني إلى مرحلة جديدة، بحيث لا يقتصر على الخلاف الحدودي وإنما يرتبط بصورة أكبر بالتنافس الأمني في المحيط الهادئ، فمن المرجح أن ترد طوكيو بتكثيف تعاونها الدفاعي مع الولايات المتحدة وتعزيز حضورها العسكري في شمال اليابان، وهو ما قد تعتبره موسكو مبررًا إضافيًا لتوسيع انتشارها في الشرق الأقصى.
وعليه، فإن فاستمرار هذا المسار قد يحول الكوريل إلى نقطة تماس جديدة بين روسيا واليابان ضمن شبكة الاصطفافات الآسيوية، بما يعزز التقارب الروسي-الكوري الشمالي، ويدفع اليابان بصورة أكبر نحو التحالف الأمريكي ويضيف جبهة جديدة إلى عملية إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في شرق آسيا.