حسابات أنقرة.. كيف تتعامل تركيا مع المقاربة الأمريكية لسوريا؟

في ظل التقارب الكبير بين واشنطن ودمشق عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، عززت إدارة ترامب من اعتمادها على سوريا في إعادة رسم ملامح المنظومة الإقليمية بالمشرق العربي إبان الحرب على إيران التي انطلقت في 28 فبراير 2026 والتي كان من أبرز نتائجها تعزيز انكشاف حزب الله اللبناني ودخول الفصائل العراقية الموالية لإيران في مواجهة مع واشنطن ودول المنطقة خلال الحرب. وعلى الرغم من الدعم الذي أبدته تركيا للقيادة السورية الجديدة في فتح قنوات اتصال مباشرة مع واشنطن إلا أن مقاربة الرئيس ترامب للدور السوري في المنطقة انطلاقًا من المساهمة في التصدي لـ”حزب الله” تثير قلق أنقرة التي تتخوف بدورها من استمرار السلوك الإسرائيلي العدواني تجاه حضورها العسكري في سوريا وسط مساعٍ أمريكية لإعادة إحياء مسار التطبيع بين إسرائيل ودول الجوار في سوريا ولبنان دون التزام واضح وفوري بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها في أعقاب جولات التصعيد المتتالية.
أهمية جيوسياسية
قدمت الولايات المتحدة العديد من الحوافز لسوريا، في ضوء الانفتاح عليها عقب وساطات تركية-سعودية، إلا أن الصراع مع إيران أضفى أهمية متزايدة للجغرافيا السورية، وهو ما يتمثل في الخطوات التالية:
(*) مسار طاقة بديل: تعاظمت الجهود الأمريكية والإقليمية المشتركة في الاتكاء على الجغرافيا السورية ضمن محاور متعددة لبناء شبكات لنقل النفط والغاز إلى سوريا لتلبية احتياجاتها المحلية وكمقدمة لتعزيز الربط الطاقي بين دمشق ودول الجوار. واكتسب هذا الحراك بعده الاستراتيجي على هامش زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن منتصف يوليو 2026 مع توقيع اتفاقية لمد أنبوب نفطي عراقي إلى الأراضي السورية كنقطة انطلاق إلى الأسواق الأروربية عبر الساحل السوري، في إحياء لخط كركوك-بانياس.وتصل الطاقة الاستيعابية للخط المزمع تنفيذ خلال 30 شهرًا من توقيع الاتفاق النهائي إلى مليوني برميل يوميًا حسب الحكومة السورية.
وجاء إعلان الاتفاق بالتزامن مع إعلان السفير الأمريكي في تركيا والمبعوث الرئاسي لسوريا والعراق توم برّاك العمل على مشروع لمسارات الطاقة تتخذ من مسارات النقل البري لإمدادات الطاقة وسيلة بديلة عن مضيق هرمز والممرات البحرية في المنطقة بالتعاون مع سوريا وعدد دول المنطقة. الإعلان عن المشروع يأتي متسقًا مع دراسات سابقة حول نقل الغاز القطري بريًا إلى المشترين الأوروبيين عبر الأراضي السعودية والأردنية مرورًا برأس الجسر البري في سوريا، مما يمنح الأخيرة أهمية متزايدة لتحرير النفط والغاز الخليجي من السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، خاصة مع دراسة مؤسسة النفط الكويتية نقل نفطها بريًا عبر سوريا.
(*) جسر بري موازي: في خلاف للموقف التركي الراغب في تجنيب المنطقة مزيد من الصراعات تحت عباءة النفوذين الإيراني والإسرائيلي، تدفع الولايات المتحدة سوريا للعب دور أمني أوسع نطاقًا في المشرق العربي تجاه وكلاء إيران، استنادًا للفهم السوري للتركيبة اللبنانية بحكم الوصاية السابقة على لبنان في عهدي حافظ وبشار الأسد، إلى جانب التاريخ القريب للنزاع بين الفواعل المسلحة إبان الأزمة السورية من جهة والميليشيات الموالية لإيران وعلى رأسها حزب الله من جهة أخرى، والذي كان يستخدم الأراضي السورية كرأس جسر نقل الإمدادات العسكرية من إيران. ومن الجدير بالذكر أن القيادة السورية الحالية عبرت على عدة مستويات عن رفضها الانخراط السلبي في الشأن الداخلي اللبناني وكل ما من شأنه أن يعيد ممارسات نظام الأسد إلى الحياة مرة أخرى، وحتى في عرض التواصل مع حزب الله ولمنع تدخله في الشأن السوري ووقف دعمه للعناصر الموالية للنظام السابق، فضلًا عن نشاط شبكات التهريب.
وتتمثل الرغبة الأمريكية في تغيير موقع سوريا على خارطة التوازنات الإقليمية باتجاه موجهة نفوذ إيران عبر المشرق العربي من خلال الدعم الأمني لعمليات ضبط شبكات التهريب من الصحراء العراقية السورية وصولًا للمعابر مع لبنان، ولعب دور عسكري أكثر تطورًا في مناطق التماس مع شمال وشرق لبنان، والإسناد لجهود مواجهة الفصائل العراقية خلال أي مواجهة مقبلة.
إدارة التناقضات
على غرار الولايات المتحدة، تنظر تركيا باعتبارها عقدة حيوية في الخريطة الجيوسياسية الإقليمية، مما يؤهلها لأن تكون محور قوة يعزز من فاعلية نفوذها الذي سعت لترسيخه عبر البوابة السورية منذ 2011، إلا أنها قد تمثل بؤرة تهديد متصاعد لأنقرة إذا ما نجحت الجهود الأمريكية الإسرائيلية في فرض صيغة سلام قائمة على التنازلات بجانب انهيار التوازن القائم في الحالة اللبنانية إذا ما أدى التصعيد لانخراط دمشق في مواجهة حزب الله بما يخدم في المقام الأول إسرائيل ويغرق الدولة الوليدة في سوريا بصراع داخلي لبناني قد يمتد لسنوات.
وفي هذا السياق يمكن قراءة الموقف التركي للرؤية الأمريكية في ضوء تحركاتها بالمنطقة على النحو التالي:
(&) الانخراط في لبنان: في موازاة تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش أعمال قمة السبع في فرنسا منتصف يونيو 2026 بأن سوريا قادرة على لعب دور أكثر فاعلية في تقويض حزب الله من إسرائيل، يأتي تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام نواب حزبه بالبرلمان التركي في 10 يونيو بأن أمن تركيا “لا يبدأ من (ولاية) هاتاي، بل من حلب ودمشق وبيروت”، قبيل شهر من استقبال أردوغان لرئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في 10 يوليو 2026 في مؤشر على رغبة متبادلة للعب دور تركي موازن للنفوذ الإسرائيلي وبديلًا عن النفوذ الإيراني، وهو ما يشمل تهدئة المخاوف الداخلية من تغول إسرائيل وتدعيم مسار الوساطة الإقليمية الرامية للضغط على الجانب الأمريكي وبالتبعية كبح مخاطر الانخراط السوري في لبنان على وقع الاستفزازات الإيرانية والتي تخدم في هذه الحالة إسرئيل من خلال إعادة تحريك ذراعها الموالي للنظام السوري السابق وهي ميليشيا “أولي البأس” والتي سبق أن دعمها علنًا الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم.
ويبدو من مصلحة تركيا ألا يثدفع أي من الجيشين السوري أو اللبناني في مواجهة مباشرة مع حزب الله بغرض فرض عملية نزع السلاح بالقوة، وبالتالي أن يصبح الحزب مهددًا رمزيًا لإسرائيل بعدما فقد جانب كبير من رصيده في التأثير على قرار الحكومة اللبنانية، بالتوازي مع تشديد الخناق على موارده المالية وسلاسل إمداده، وفي المقابل ممارسة درجة من التأثير في المشهد اللبناني داخليًا من خلال تعزيز التواصل مع القوى السنية والثنائي الشيعي إلى جانب القوى المسيحية ومختلف الفاعلين السياسيين في لبنان بغرض استعادة التقارب مع المكون السني أولًا والتوافق على صيغة وطنية لنزع السلاح وفق أطر داخلية ومنع انفجار نزاع أهلي جديد في البلاد.
(&) فض الاشتباك: قد تعرض تركيا فرصًا للوساطة بين دمشق وحزب الله لنزع فتيل التوتر ونقل رسائل طمأنة بين الجانبين، بعدما تسببت الحربين الأخيرتين في تقويض نفوذه الإقليمي وقدرته على التدخل في الشأن السوري، وقد يكون المدخل الأبرز لأنقرة التركيز على مكاسب إسرائيل من أي تصعيد محتمل بين الجانبين في ترسيخ الاضطرابات والقلاقل عبر التدخل في الجنوب السوري وتعطيل مشروعات نقل الطاقة عبر سوريا من خلال دخولها على خط المواجهة مع إيران وإضعاف المفاوض اللبناني أمام الاحتلال الإسرائيلي بما يبرر التباطؤ في الانسحاب من مناطق الجنوب.
وإجمالًا؛ على الرغم من الترحيب الضمني لتركيا بانفتاح سوريا الجديدة على التفاوض مع إسرائيل كبادرة لانفتاح أمريكي وغربي على القيادة الانتقالية، إلا أن تحركات إسرائيل لتقويض استفادة أنقرة من تحول البيئة الاستراتيجية بالمشرق وسعي تل أبيب لتقويض الوحدة الإقليمية لسوريا عززت من تحركات الجانب التركي لإعادة ترتيب التوازنات في المنطقة، مستندة للإقرار الأمريكي بدورها في إسقاط الأسد وتعيين سفير واشنطن لدى أنقرة مبعوثًا خاصًا لسوريا والعراق، والقبول اللبناني والعربي بالحضور التركي في إطار جهود إقليمية متعددة الأطراف لدعم سيادة لبنان واستقرار ووحدة سوريا، وهو ما يمثل كذلك أداة فعالة للقيادة السورية للمناورة وامتصاص الضغوط الأمريكية.