التقارب الليبي – الأردني: دلالات التحرك وأبعاد إعادة التموضع

شهدت العلاقات بين القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية والأردن خلال الفترة الأخيرة حراكًا متصاعدًا، تجسد في سلسلة من الزيارات المتبادلة واللقاءات الأمنية والعسكرية رفيعة المستوى، كان أبرزها زيارة الفريق صدام حفتر إلى العاصمة الأردنية عمّان ولقاؤه عددًا من المسؤولين العسكريين والأمنيين، في إطار بحث سبل تعزيز التعاون في مجالات التدريب العسكري وإدارة الأزمات وتبادل الخبرات الأمنية.

ولا يمكن النظر إلى هذا التقارب بمعزل عن التحولات التي تشهدها الساحة الليبية، سواء على مستوى إعادة تشكيل موازين القوى الداخلية أو على صعيد التنافس الإقليمي والدولي المتزايد على ليبيا. فقيادة الشرق الليبي تسعى إلى تطوير قدراتها المؤسسية والعسكرية والانفتاح على شركاء إقليميين يمتلكون خبرات متراكمة في مجالات بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية، فيما يبدو الأردن حريصًا على الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف الليبية بما يدعم جهود الاستقرار ويحافظ على حضوره في الملفات الإقليمية ذات الأهمية الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، يثير التقارب المتنامي بين الطرفين تساؤلات بشأن دوافعه الحقيقية، ومدى ارتباطه بالتحركات الأوسع التي يقودها المشير خليفة حفتر لإعادة تموضعه داخليًا وخارجيًا، فضلًا عن انعكاساته المحتملة على مستقبل التوازنات السياسية والأمنية في ليبيا. ومن ثم، يناقش هذا التحليل دلالات وأبعاد التقارب الليبي ـ الأردني وانعكاساته على مسار الاستقرار الليبي.

تثبيت المكانة وتعزيز القدرات:

لا يمكن فصل التحركات الخارجية لقادة الشرق الليبي، وخاصة في المجالين الأمني والعسكري، عما يجري على الساحة الداخلية. فقد طرح المشير خليفة حفتر خلال الفترة الماضية رؤية لتطوير المؤسسة العسكرية الليبية ضمن مشروع يستهدف بناء جيش مهني حديث قادر على حماية الدولة والحفاظ على استقرارها وسيادتها. وتمثل رؤية 2030 للقوات المسلحة العربية الليبية إطارًا استراتيجيًا للتحول العسكري، من خلال تطوير القدرات المؤسسية والانتقال إلى مستويات أعلى من الاحترافية والتنظيم، بما يؤسس لمرحلة جديدة في مسار بناء المؤسسة العسكرية.

وفي موازاة ذلك، شهدت الساحة الليبية تحركات لافتة من جانب قيادة الشرق باتجاه بعض المناطق الغربية، حيث أشارت تقارير إعلامية إلى زيارة وفود من أعيان ومشايخ قبائل من مدن الزاوية والزنتان وترهونة إلى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية. ويرى بعض المراقبين أن هذه اللقاءات تعكس مساعي حفتر لتوسيع دوائر التواصل مع قوى اجتماعية وقبلية في الغرب الليبي، لا سيما بعض المكونات غير الراضية عن أداء حكومة الوحدة الوطنية.

وقد أثارت هذه التحركات ردود فعل متباينة داخل الغرب الليبي، إذ شهدت بعض المناطق مظاهرات رافضة لهذه اللقاءات، معتبرة أنها تمهد لتكريس نفوذ عائلة حفتر. وفي المقابل، تنظر بعض الأطراف المشاركة في تلك اللقاءات إلى مشروع حفتر باعتباره محاولة لإيجاد مخرج من حالة الجمود السياسي التي تعيشها البلاد، خاصة في ظل تأكيده المتكرر على ضرورة الوصول إلى حلول ليبية للأزمة بعيدًا عن انتظار المبادرات الخارجية، مع إعلانه جاهزية المؤسسة العسكرية لدعم أي ترتيبات وطنية تسهم في استعادة الاستقرار.

وتكشف هذه التحركات عن هدف استراتيجي أوسع يتمثل في إعادة هندسة موقع قيادة الشرق الليبي داخليًا وخارجيًا، عبر الانتقال من صورة التشكيلات المسلحة إلى نموذج المؤسسة العسكرية النظامية، والعمل على توسيع قاعدة التأييد الداخلي، وبناء شبكة علاقات إقليمية ودولية تمنحها قدرًا أكبر من الشرعية والقبول السياسي.

براغماتية التحالفات وإعادة التموضع الإقليمي:

تكشف التحركات الأخيرة لقيادة الشرق الليبي عن اعتماد نهج يقوم على المرونة السياسية وتعدد قنوات الاتصال والانفتاح على أطراف متباينة المصالح والتوجهات. ويعكس هذا النهج إدراكًا لطبيعة البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بليبيا، حيث أصبح من الصعب الاعتماد على حليف واحد أو محور واحد لتحقيق الأهداف السياسية والعسكرية.

ويبدو أن حفتر يتبنى استراتيجية تقوم على الموازنة بين القوى المختلفة والاستفادة من التناقضات القائمة بينها، بما يتيح له توسيع هامش الحركة والمناورة. ويتضح ذلك من خلال الحفاظ على العلاقات مع روسيا، والانفتاح على تركيا، وتعزيز التعاون مع الأردن، والسعي في الوقت ذاته إلى تحسين صورته لدى العواصم الغربية.

ويمكن قراءة هذه السياسة من خلال عدة اعتبارات رئيسية:

(١)- يعكس التوجه نحو الأردن، بوصفه أحد الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة في المنطقة، رغبة قيادة الشرق الليبي في تعزيز قنوات التواصل مع الغرب والبحث عن مسارات إضافية لاكتساب الشرعية الدولية، عبر شريك إقليمي يتمتع بعلاقات واسعة مع المؤسسات الأمنية والعسكرية الغربية.

(٢)- يمثل الانفتاح على الأردن جزءًا من استراتيجية أوسع تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان لحليف واحد. فالأردن يوفر فرصة للاستفادة من خبرات مؤسسية وعسكرية متقدمة، كما يمنح قيادة الشرق الليبي هامشًا أكبر للحركة السياسية والدبلوماسية، ويعزز قدرتها على الموازنة بين شركائها التقليديين وشركاء جدد يمكن أن يسهموا في دعم عملية بناء المؤسسات العسكرية والأمنية.

(٣)- تسعى قيادة الشرق الليبي إلى الاستفادة من الخبرات الأردنية في مجالات التدريب العسكري والتأهيل الأمني، خاصة أن الأردن يمتلك خبرة طويلة في هذا المجال، وسبق أن شارك في برامج تدريب لعناصر أمنية وعسكرية ليبية عقب عام 2011.

(٤)- تزامنت زيارة صدام حفتر إلى الأردن مع تحركات أخرى باتجاه روسيا، وهو ما يعكس حرصه على الحفاظ على التوازن في علاقاته الخارجية. فصدام حفتر يعد أحد أبرز مهندسي العلاقة مع موسكو، التي لا تزال تمتلك حضورًا مؤثرًا في شرق ليبيا من خلال شبكات التعاون العسكري والأمني القائمة.

(٥)- تدرك روسيا أهمية ليبيا في حساباتها الاستراتيجية بالمتوسط وإفريقيا، ولذلك تسعى إلى الحفاظ على نفوذها داخل البلاد وعدم خسارة شركائها في الشرق الليبي. كما أنها تواصل الانفتاح على مختلف الأطراف الليبية، وهو ما يتجسد في استمرار نشاطها الدبلوماسي واتصالاتها السياسية والعسكرية.

(٦)- أما العلاقة مع تركيا، فتخضع لحسابات متبادلة. فأنقرة تسعى إلى توسيع نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي في ليبيا، بينما يرى حفتر أن الانفتاح عليها يمكن أن يسهم في تعزيز شرعيته الإقليمية وتخفيف حدة الاستقطاب الذي طبع العلاقة بين الطرفين خلال السنوات الماضية.

(٦)- يفرض المجتمع الدولي ضغوطًا متواصلة من أجل توحيد المؤسسات الليبية وإعادة إطلاق العملية السياسية. وفي هذا السياق، تحاول قيادة الشرق الليبي تقديم نفسها بوصفها طرفًا منفتحًا على الحلول السياسية وغير معارض لجهود التسوية، مع الحرص على تعزيز موقعها في أي ترتيبات مستقبلية محتملة.

في المحصلة، تبدو استراتيجية الشرق الليبي قائمة على توزيع مصادر الدعم والمساندة؛ فمن روسيا يمكن الحصول على الدعم العسكري والخبرات الدفاعية، ومن الأردن الاستفادة من التدريب والتأهيل المؤسسي، ومن تركيا فرص الانفتاح الإقليمي والتعاون التقني، بما يمنح قيادة الشرق الليبي أدوات متعددة لتعزيز موقعها في المشهد الليبي.

مجمل القول، تعكس الزيارات الأخيرة التي قام بها صدام حفتر إلى الأردن توجهًا يتجاوز حدود التعاون العسكري التقليدي، ليعبر عن محاولة أوسع لإعادة تموضع الشرق الليبي إقليميًا ودوليًا. فالتقارب مع عمّان ينسجم مع استراتيجية تعتمد على تنويع الشراكات، والاستفادة من الخبرات العسكرية والمؤسسية الأردنية، وتعزيز فرص التواصل مع القوى الغربية عبر شريك إقليمي يحظى بقبول واسع على الساحة الدولية.

وفي الوقت ذاته، تكشف هذه التحركات عن سعي قيادة الشرق الليبي إلى الجمع بين متطلبات القوة العسكرية ومتطلبات الشرعية السياسية، عبر تطوير مؤسساتها الأمنية والعسكرية والانفتاح على أطراف إقليمية ودولية متعددة دون التخلي عن علاقاتها القائمة مع شركاء آخرين مثل روسيا أو تركيا.

وبقدر ما قد تسهم هذه السياسة في دعم جهود بناء المؤسسات العسكرية ورفع كفاءتها، فإن تأثيرها الفعلي سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف الليبية على تحويل التفاهمات الأمنية والعسكرية إلى مسار سياسي شامل يفضي إلى استقرار مستدام، ويعالج حالة الانقسام المؤسسي التي ما تزال تمثل التحدي الأكبر أمام مستقبل الدولة الليبية.

شيماء حسن علي

باحثة مشارك بالمركز، -حاصلة على ماجستير العلوم السياسية. باحث دكتوراه بكلية الدراسات الإفريقية العليا. -حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية جامعة قناة السويس. -كاتب وباحث في عدة مراكز دراسات عربية وخليجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى