معضلة العامل البشري.. تحولات توظيف المقاتلين الأجانب في الجيوش النظامية

ارتبطت ظاهرة المقاتلين الأجانب بمعارك الاستنزاف في ساحات الحروب الكبرى والممتدة لسنوات على غرار الحربين العالميتين الأولى والثانية، وحديثًا في الحرب الروسية الأوكرانية وفي ساحات سوريا والسودان وليبيا. هذا الإقبال المتزايد على نموذج المقاتلين الأجانب يرتبط كذلك بالتجنيد السريع لأعداد كبيرة من المقاتلين بصورة تعاقدية أو في إطارتفاهمات واتفاقات بين دولتين والزج بهم في وحدات المشاة بمغريات مالية ودون تدريب كافٍ تلقي الضوء على عوامل بروز تلك الظاهرة وارتداداتها المحتملة على الدول التي توظف المقاتلين الأجانب لصالحها.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي أبعاد صعود المقاتلين الأجانب في صفوف القوات النظامية وحدود تأثيرها على بنية تلك الجيوش.

معضلة العامل البشري

على الرغم من التحول الذي أحدثته التكنولوجيا في بنية الجيوش بالتركيز على الأسلحة الدقيقة والذكية مقابل تقليص أعداد القوى النظامية خفيفة الحركة والقادرة على المناورة، إلا أن نمط المواجهات العسكرية المتلاحمة أثرت بصورة أكبر على توظيف العامل البشري في ميدان المعارك وعززت من أهمية وحدات المشاة باعتبارها أهم مكون عسكري يمتلك قدرة السيطرة على الأرض، إلا أنها في الوقت ذاته تمثل محرقة لمنتسبيها في ظل ما تمتاز به معارك المسيرات من استنزاف للقدرات والموارد البشرية وسط بيئة خاملة وغير مهيأة لصراع ممتد على غرار الحرب الروسية الأوكرانية.

(*) نقص متزايد: يمثل النقص العددي الحاد في الجيشين الروسي والأوكراني وتجنب المزيد من عمليات التعبئة هدفًا رئيسيًا للجوء إلى المقاتلين الأجانب لسد الثغرات على خطوط القتال أو تسريح جانب من الاحتياطي المستدعى الأطول بقاءًا في ساحة الحرب. فعلى الجانب الروسي تزعم بيانات الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أن موسكو تخطط لتجنيد 18500 جندي أجنبي من مختلف دول العالم خلال العام الجاري 2026. ويشير المجلس الأطلنطي إلى أن روسيا جندت خلال سنوات الحرب نحو 27 ألف أجنبي من 130 جنسية بالجنوب العالمي من خلال إعلانات التوظيف المدني أو التعاقد على العمل في مناطق عسكرية نائية وبعيدة عن خط الجبهة أو باتفاقيات التعاون مع دول أخرى على غرار كوريا الشمالية.

وعلى الجانب الآخر، تعد التجربة الأوكرانية مثالًا حيًا على أهمية المقاتلين الأجانب في الحفاظ على قوام الجيش في مستوى 800 ألف جندي نظامي، مع إعلان وزارة الدفاع في 12 يونيو 2026 تعديلًا في نظام التجنيد لجذب المزيد من المقاتلين في الوحدات الهجومية والمشاة على وجه الخصوص للخدمة لمدة 10 أشهر مقابل 10 آلاف دولار. وتستهدف تلك الإجراءات لزيادة نسبة المقاتلين الأجانب في تلك الوحدات من مستوى 5 إلى 10% فقط في الوقت الراهن إلى مستويات بين 30 و50%، كما تستهدف زيادة عدد المجندين الأجانب لنحو 60 إلى 100 ألف جندي، وذلك لمعالجة أوضاع المجندين الذين خدموا لفترات طويلة على مدار الحرب من جهة، وسد فجوة الأعداد المتزايدة من الشباب المتهربين من الخدمة خارج البلاد من جانب آخر.

(*) خريطة التدفق والفاعلين: تظهر الحرب الأوكرانية التأثير البالغ لعملية تجنيد الأجانب ليس فقط على بنية جيش الدولة وإنما على هويته وعقيدته القتالية والاستقرار الاجتماعي في تلك الدولة؛ ففي حالة كييف تشير تقديرات بحثية إلى أن عدد المقاتلين الأجانب يتراوح بين 10 و20 ألف مقاتل، بما يعادل 2.5% من إجمالي القوات النظامية، ونحو 10% من إجمالي القوات المقاتلة على الجبهة والتي تقدر بنحو 200 ألف جندي. وتعزز الحوافز المالي من تغيير تركيبة المقاتلين الأجانب في صفوف أوكرانيا؛ ففي ديسمبر 2024 كان عدد المقاتلين الأجانب نحو 2000 جندي غالبيتهم العظمى من أمريكا الشمالية وأوروبا، بينما تحولت تلك الأعداد لصالح مقاتلين من الجنوب العالمي، حيث ارتفع عدد المقاتلين في نوفمبر 2025 إلى 8 آلاف مقاتل، يمثل القادمون من أمريكا اللاتينية نحو 40% منهم، وفي مقدمتهم الكولومبيين بنحو 2000 مقاتل، يليهم من البرازيل وتشيلي، مما أدى لظهور وحدات ناطقة بالإسبانية وفق مركز OSW البولندي.

على الجانب الآخر، تشير تقارير بحثية إلى تورط جهاز الأمن الفيدرالي الروسي في تجنيد آلاف الأفارقة من أنحاء القارة في الفترة من 2023 إلى 2025، بينما يتم الزج بالمقاتلين الأجانب والأفارقة على وجه التحديد للصفوف الأمامية في أوكرانيا في ظل الحاجة المتزايدة لنحو 35 ألف جندي شهريًا على خط الجبهة. كما يشير مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية إلى وجود أكثر من 1700 جندي من 36 دولة إفريقية يقاتلون الآن في أوكرانيا، بينما أشار تقرير استخباراتي كيني مقدم للبرلمان إلى وجود أكثر من 1000 مواطن كيني على خطوط المواجهة في الجانب الروسي، حسب تقرير لوكالة رويترز في 19 فبراير 2026، وهو رقم أعلى بخمس مرات من تقديرات سابقة لحكومة نيروبي.

وتنوعت أساليب التجنيد الروسية للأجانب سواء عبر عروض جاذبة للعمل بوظائف مدنية أو للخدمة في وحدات عسكرية بمناطق روسية نائية، كما شملت تلك المحاولات تجنيد نزلاء السجون الروسية من الأجانب، يخدم الأفارقة في حفر الخنادق أو العمل في مصانع الطائرات المسيرة أو القتال بالصفوف الأمامية دون تدريب عسكري كافي، وتبلغ تقديرات الخسائر في صفوف الأفارقة 22% من إجمالي المجندين، ويعد مواطنو غانا من أكثر الجاليات في حجم الخسائر وفق تصريحات وزير الخارجية صامويل أبلاكا نقلتها رويترز بفقدان 55 مواطن من أصل 272 جنديًا بالجيش الروسي.

(*) حاجة غربية ملحة: على الرغم من التفاوت في أحجام الجيوش الغربية وآليات التجنيد فيها، إلا أنها تواجه تحديًا جذب مجندين جدد وفق المستهدفات السنوية. وفقدت الولايات المتحدة نحو 25% من مستهدفاتها للتجنيد في عامي 2022 و2023 بواقع 15 ألف جندي، بينما بلغ عدد القوات النظامية بالجيش البريطاني 137 ألف جندي فقط، وهو أدنى مستوى له منذ 181 سنة. كما يواجه الجيشان الألماني “البوندسفير” والبلجيكي تهربًا من الخدمة، إذ ترك 1 من كل 4 مجندين جدد الخدمة في البوندسفير خلال 6 أشهر، بينما ترك 44% من المجندين الجدد في بلجيكا الخدمة خلال عام.

يمثل تجنيد المقاتلين الأجانب ظاهرة تاريخية رافقت الدولة القومية الحديثة في أوروبا وحتى أعتى الأنظمة تطرفًا للتفوق العرقي مثل ألمانيا النازية التي دخلت الحرب العالمية الثانية بقوة عسكرية وطنية إلى أن تحول الجيش إلى آلة حرب تضم مجندين من غرب أوروبا وجنسيات أخرى في نهاية الصراع عام 1945. وفي فرنسا تأسس الفيلق الأجنبي عام 1830 ويضم حاليًا 9600 جندي من 144 جنسية، ، ينتشر منهم 1050 عنصرًا في 17 منطقة خارج البلاد. ويعد الفيلق أحد آليات التجنيد التي تعتمد عليها فرنسا في أوقات التهديدات رغم صغر عدد قواته لكنها تعادل 10% من القوت البرية الفرنسية، إذ يجند الفيلق 1100 متطوع سنويًا ويمكن أن يرتفع عدد منتسبيه إلى 6000 مقاتل سنويًا في وقت الحرب.

وبصورة مماثلة يشير محللون إسرائيليون إلى وجود نقص في عدد الجنود يبلغ 12 ألفًا، بينهم 7 آلاف مقاتل نظامي و5 آلاف آخرين في الاحتياط وسط خلافات بشأن تجنيد المزيد من طلاب المدارس الدينية من الحريديم وبروز مقترحات لتدشين فيلق أجنبي يقدم حوافز ليهود الشتات بالانضمام لجيش الاحتلال.

وإجمالًا؛ تظهر الحروب الممتدة والتي تتضمن نزاعًا حول السيطرة على الأرض ومطالبات التوسع الإقليمي وجود نمطين من توظيف الأجانب في الجيوش النظامية لحل معضلة العامل البشري؛ أولها عمليات تجنيد واسعة لتحقيق أهداف عملياتية للتكيف مع طبيعة المعارك الاستنزافية على خط الجبهة، وثانيها عمليات تجنيد نظامية تهدف لسد العجز في أعداد المجندين الجدد من الوعاء التجنيدي الوطني في ظل غياب التجنيد الإجباري وانتشار التهرب من الخدمة أو ترك الخدمة مبكرًا. وعلى المدى القريب قد تتوسع ظاهرة تجنيد الأجانب مع استمرار تفجر الصراعات الكامنة في ظل حالة عدم يقين هيكلي يمر بها النظام الدولي قيد التشكل والذي يغلب عليه غياب القدرة على حسم الصراعات والرغبة في تجنب صدام عالمي بين الأقطاب الكبرى.

ضياء نوح

ضياء نوح- باحث أول بمركز رع للدراسات الاستراتيجية وهو المنسق الأكاديمي للمركز. الباحث خبير بوحدة الدراسات الاستراتيجية بقطاع القنوات الإخبارية بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وهو حاصل علي بكالوريوس العلوم السياسية، وباحث ماجستير في ذات التخصص، له العديد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مراكز الفكر والمجلات العلمية، متخصص في شئون الخليج وإيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى