الإرث الاستراتيجي: لماذا صمدت إيران عسكريًا أمام أمريكا وإسرائيل؟

تكشف المواجهة العسكرية الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، عن طبيعة صراع يتسم بدرجة عالية من التعقيد الاستراتيجي تتجاوز بكثير التصورات الأولية التي سادت في بعض الدوائر السياسية والعسكرية في واشنطن. فالحروب الحديثة، خاصة عندما تستهدف دولًا كبيرة تمتلك مؤسسات سياسية متماسكة، وأسسًا أيديولوجية راسخة، وشبكات تحالف إقليمية واسعة، نادرًا ما تُحسم عبر التفوق العسكري وحده، كما أن استخدام القوة لا يفضي بالضرورة إلى تحقيق نتائج سياسية حاسمة.
ومن ثم، فإن فهم مسار الصراع الحالي لا يمكن أن يعتمد فقط على ميزان القوة العسكرية التقليدية. فقد أصبح هناك شبه إجماع في عدد من التحليلات الاستراتيجية على أن سلوك الدولة الإيرانية وقدرتها على الصمود يجب تفسيرهما من خلال تفاعل عدة عوامل مترابطة، تشمل القوة العسكرية، وبنية النظام السياسي، وشبكات النفوذ الإقليمية، والبيئة الاستراتيجية الدولية.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري العودة إلى تجربة الحرب الإيرانية-العراقية (1980–1988) لفهم تطور العقيدة العسكرية الإيرانية. فقد شكلت تلك الحرب الطويلة تجربة تأسيسية في التفكير الاستراتيجي الإيراني، حيث عززت مفهوم حرب الاستنزاف والصمود طويل الأمد بدلًا من الاعتماد على الحسم العسكري السريع. كما دفعت القيادة الإيرانية إلى تطوير مزيج من الأدوات العسكرية غير المتكافئة، بما في ذلك الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، والشبكات الإقليمية الحليفة، بهدف تعويض الفجوة في القدرات العسكرية التقليدية مع الخصوم.
وبالتالي، فإن تحليل الحرب الحالية يتطلب النظر إليها في إطار هذا الإرث الاستراتيجي، حيث لا تسعى إيران بالضرورة إلى تحقيق نصر عسكري تقليدي بقدر ما تسعى إلى رفع تكلفة الصراع على خصومها وإطالة أمد المواجهة بما يعزز قدرتها على الصمود السياسي والاستراتيجي.
القوة العسكرية مقابل الأهداف السياسية:
في الدراسات الاستراتيجية، يُعد التمييز بين النجاح العسكري التكتيكي والانتصار السياسي الاستراتيجي أمرًا أساسيًا. فقد أشار المنظّر العسكري الشهير كارل فون كلاوزفيتز إلى أن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى. وبالتالي فإن نجاح أي حملة عسكرية يجب أن يُقاس بمدى تحقيقها للأهداف السياسية التي بدأت الحرب من أجلها، وليس فقط بحجم الخسائر التي تلحق بالعدو.
وهنا نجد أن الحملة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران تواجه معضلة استراتيجية واضحة. فعلى الرغم من التفوق التكنولوجي والاستخباري الكبير الذي تمتلكه الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن الأهداف السياسية الأساسية للحرب، مثل إسقاط النظام الإيراني، أو إنهاء النفوذ الإقليمي لإيران، أو تدمير قدراتها الاستراتيجية، لا تزال بعيدة عن التحقق.
إيران ما زالت تحتفظ بعدة مزايا هيكلية تجعل تحقيق نصر عسكري حاسم أمرًا صعبًا. أولاً، حجمها الجغرافي الكبير والبنية التحتية العسكرية الموزعة يجعل من الصعب تدمير قدراتها بالكامل. فالعديد من المنشآت العسكرية والنووية موزعة في مناطق مختلفة، وبعضها محصن تحت الأرض بشكل عميق. ثانيًا، طورت إيران قدرات كبيرة في الحرب غير المتكافئة تسمح لها بفرض تكاليف على خصومها دون الدخول في مواجهة تقليدية واسعة.
لذلك فإن الصراع قد يتجه نحو حالة من الجمود الاستراتيجي، حيث لا يستطيع أي طرف تحقيق انتصار حاسم.
استقرار النظام الإيراني داخلياً:
اعتمدت بعض الاستراتيجيات الأمريكية والغربية في التعامل مع إيران على فرضية أن الحرب والعقوبات الاقتصادية قد تؤدي إلى اضطرابات داخلية واسعة تُفضي في النهاية إلى تغيير النظام. لكن هذه الفرضية تبالغ في تبسيط الواقع السياسي داخل إيران.
فطبيعة المجتمع الإيراني تاريخيًا تؤكد أن الضغط العسكري الخارجي غالبًا ما يؤدي إلى نتيجة عكسية. فبدلاً من إثارة تمرد داخلي، قد يؤدي الهجوم الخارجي إلى ما يُعرف في العلوم السياسية بتأثير “الالتفاف حول العلم” (Rally Around the Flag)، حيث تتزايد النزعة القومية ويتحد المجتمع خلف الدولة في مواجهة التهديد الخارجي.
ناهيك عن أن المعارضة الإيرانية تعاني من ضعف تنظيمي واضح. فبالرغم من حدوث احتجاجات متكررة في السنوات الأخيرة، فإنها تظل متفرقة وغير قادرة على تشكيل حركة سياسية موحدة قادرة على تحدي النظام بشكل فعلي.
إضافة إلى ذلك، يعتمد النظام الإيراني على جهاز أمني قوي يقوده الحرس الثوري الإيراني. وقد تطور الحرس الثوري تدريجيًا ليصبح القوة الأكثر تأثيرًا في النظام السياسي الإيراني. فإلى جانب دوره العسكري والأمني، يسيطر الحرس الثوري على قطاعات واسعة من الاقتصاد والبنية التحتية، كما يلعب دورًا رئيسيًا في السياسة الإقليمية. هذه البنية المؤسسية تمنح النظام الإيراني درجة عالية من المرونة والقدرة على الصمود حتى في ظل الضغوط الخارجية الشديدة.
استراتيجية الحرب غير المباشرة:
يمثل النفوذ الإقليمي لإيران أحد أهم عناصر قوتها الاستراتيجية. فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، نجحت طهران في بناء شبكة من الحلفاء غير الدولتيين في عدة مناطق من الشرق الأوسط، وهي ما يُعرف بمحور المقاومة. وتتيح هذه الشبكة لإيران توسيع نفوذها الإقليمي وخلق ضغوط متعددة على خصومها دون الدخول في مواجهة مباشرة شاملة.
ففي حالة الحرب الحالية، نجد هذه القوى تفتح جبهات متعددة في آن واحد، مما يزيد من تعقيد الحسابات العسكرية لإسرائيل والولايات المتحدة.
إلى جانب البعد العسكري، تلعب الجغرافيا الاقتصادية دورًا مهمًا في الصراع. فموقع إيران بالقرب من مضيق هرمز يمنحها أداة ضغط استراتيجية قوية. يمر عبر هذا المضيق ما يقارب 20٪ من تجارة النفط العالمية. وحتى الاضطرابات المحدودة في هذا الممر البحري، مثل تهديد السفن أو زرع الألغام البحرية، قد تؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة عالميًا. لذلك فإن إيران تمتلك قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي حتى دون تحقيق انتصار عسكري تقليدي.
مخاطر التصعيد النووي وتحديات العقيدة:
يمثل الملف النووي أحد أخطر جوانب الأزمة. فإيران لا تمتلك رسميًا سلاحًا نوويًا، لكنها تقترب مما يُعرف بقدرة الدولة العتبة النووية، أي القدرة التقنية على تطوير سلاح نووي خلال فترة زمنية قصيرة إذا اتخذ القرار السياسي بذلك.
في المقابل، تمتلك إسرائيل سياسة غموض نووي، لكنها تُعتبر على نطاق واسع قوة نووية غير معلنة. ويرى بعض المحللين أن أي حرب وجودية قد ترفع مستوى المخاطر النووية في المنطقة، حتى لو ظل هذا الاحتمال بعيدًا.
ومن ناحية، اقتصاديات الحرب الصاروخية وتحديات العقيدة العسكرية الغربية،- كشفت الحرب أيضًا عن تحول مهم في طبيعة الصراع العسكري يتمثل في عدم التوازن في تكلفة الأسلحة الهجومية والدفاعية. فقد طورت إيران مجموعة من الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة مثل طائرات Shahed-136، والتي يمكن إنتاجها بكميات كبيرة وبتكلفة منخفضة نسبيًا.
وفي المقابل، تعتمد أنظمة الدفاع الجوي الغربية على صواريخ اعتراضية متقدمة مثل Patriot أو SM-6، والتي قد تصل تكلفة الصاروخ الواحد منها إلى ملايين الدولارات. هذا التفاوت في التكلفة يخلق ما يعرف في الدراسات العسكرية باسم اختلال اقتصاديات الحرب الصاروخية.
وبالتالي، حتى لو تمكنت أنظمة الدفاع من اعتراض معظم الهجمات، فإن الكلفة الاقتصادية للدفاع قد تصبح غير مستدامة على المدى الطويل. وقد دفع هذا الواقع بعض المحللين العسكريين إلى الدعوة لإعادة التفكير في العقيدة الدفاعية الغربية، والبحث عن وسائل أقل تكلفة للتعامل مع الهجمات الكثيفة للطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة التكلفة.
سيناريوهات مستقبلية:
من هذا المنظور، يمكن وضع ٣ سيناريوهات تحدد مستقبل الحرب بين طرفيها، وهذا على النحو التالي:
(-) السيناريو الأول،- خفض التصعيد المتبادل: في هذا السيناريو يتراجع الطرفان جزئيًا، مما يؤدي إلى تقليل مستوى المواجهة العسكرية وفتح المجال أمام تسوية دبلوماسية، غالبًا عبر وساطة طرف ثالث يتمتع بعلاقات مقبولة مع جميع الأطراف. وقد يشمل ذلك إعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف الضربات العسكرية المتبادلة.
وفي هذا السياق قد تلعب بعض القوى الدولية أو الإقليمية دور الوسيط، مثل الهند أو دول أخرى تمتلك علاقات اقتصادية وسياسية مع كل من إيران والولايات المتحدة.
ومع ذلك، قد يظل هذا السيناريو ضعيفًا وغير مستقر بسبب التباين العميق في الأهداف الاستراتيجية للطرفين. فمن جهة قد تسعى إيران إلى الحصول على ضمانات أمنية طويلة المدى تقلل من احتمالات تجدد المواجهة العسكرية مستقبلًا. ومن جهة أخرى دخلت إسرائيل الصراع في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى الحد من النفوذ الإقليمي الإيراني والحفاظ على ميزان الردع في المنطقة.
(-) السيناريو الثاني،– تفوق أحد الطرفين في فرض الردع: في هذا السيناريو يستمر أحد الطرفين في التصعيد بينما يقرر الطرف الآخر التراجع، مما يسمح للطرف الأكثر إصرارًا بفرض شروطه الاستراتيجية.
وقد يؤدي ذلك إما إلى إجبار إيران على التراجع وإعادة فتح مضيق هرمز تحت ضغط عسكري واقتصادي متزايد، أو على العكس قد تنجح إيران في فرض قيود على العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية إذا تمكنت من رفع تكلفة الحرب إلى مستويات غير مقبولة.
غير أن تحقق هذا السيناريو لا يعتمد فقط على ميزان القوة العسكرية، بل يرتبط أيضًا بالاعتبارات السياسية الداخلية في الدول المعنية.
(-) السيناريو الثالث،- التصعيد المتبادل: يحدث هذا السيناريو عندما يرفض الطرفان التراجع ويستمران في التصعيد العسكري، حيث يؤدي إصرار الطرفين على الاستمرار في المواجهة إلى النتيجة الأكثر خطورة.
ففي هذه الحالة قد يتوسع نطاق الحرب ليشمل جبهات إقليمية متعددة، كما قد يؤدي إلى اضطراب واسع بشكل أكبر في أسواق الطاقة العالمية نتيجة التهديدات المحتملة لمضيق هرمز.
وتزداد خطورة هذا السيناريو إذا شعر أحد الأطراف بأن الصراع يتحول إلى تهديد وجودي، وهو ما قد يرفع مستوى مخاطر التصعيد إلى أقصى الحدود.
في النهاية، يمكن القول إن قراءة الديناميكيات الاستراتيجية للحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تكشف أن الصراع يتجاوز كونه مواجهة عسكرية تقليدية، ليعكس تفاعلًا معقدًا بين عناصر القوة العسكرية وبنية النظام السياسي والشبكات الإقليمية والبيئة الاستراتيجية الدولية.
فالتطورات الميدانية تشير بوضوح إلى أن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية المرجوة، خاصة عندما يتعلق الأمر بدولة تمتلك قدرًا كبيرًا من القدرة على الصمود الاستراتيجي وتستند إلى عقيدة عسكرية تقوم على حرب الاستنزاف وإطالة أمد الصراع.
كما أظهرت الحرب تحديات متزايدة أمام العقيدة العسكرية الغربية، لا سيما فيما يتعلق باقتصاديات الحرب الصاروخية والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، التي تفرض معادلات جديدة في توازنات الردع والتكلفة العسكرية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل الصراع سيتحدد بدرجة كبيرة وفق تفاعل عدة عوامل، من بينها القدرة السياسية لكل طرف على تحمل تكاليف الحرب، وتوازنات الردع الإقليمي، وإمكانية إدارة التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة أوسع.
ومن هذا المنظور، فإن الحرب الحالية لا تمثل مجرد أزمة عسكرية عابرة، بل تعكس تحولات أعمق في طبيعة الصراع في الشرق الأوسط وفي أنماط الحروب المعاصرة، حيث تتداخل القوة العسكرية التقليدية مع أدوات الردع غير المتكافئة والعوامل السياسية والاقتصادية. كما تثير الأزمة تساؤلات مهمة حول طبيعة التحالفات الدولية وآليات إدارة الولايات المتحدة لشبكة تحالفاتها، خاصة في ظل عدم إشراك بعض الحلفاء في آسيا وعدد من الدول الغربية بشكل مباشر في مسار التصعيد، رغم تأثرهم الاقتصادي الواضح بتداعيات الحرب، ولاسيما في أسواق الطاقة، فضلاً عن انعكاسات ذلك على الدول التي يعتمد أمنها القومي بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأمريكية.