التمدد المحسوب: كيف يعيد “داعش” تشكيل حضوره في نيجيريا؟

في السنوات الأخيرة، لم تعد نيجيريا مجرد ساحة لتمرد محلي، بل تحولت إلى مركز جذب انتقل إليه جزء من ثقل تنظيم داعش عالميًا، مستفيدًا من الفراغات الأمنية وضعف السيطرة المؤسسية في غرب أفريقيا. هذا الواقع أتاح للتنظيم إعادة التموضع وبناء نموذج أكثر استدامة.

ويعكس هذا التطور انتقاله من جماعات متمردة إلى ما يشبه ولاية منظمة تمتلك هياكل إدارية وشبكات تمويل وقدرات عسكرية، الأمر الذي يجعله أحد أبرز تحديات الأمن النيجيري في عام 2026.

وعليه، يسعي هذا التحليل إلى قراءة خريطة انتشار التنظيم، وتحديد مصادر قوته، وقراءة دلالات تصاعد نشاطه، مع استشراف مستقبله في ظل بيئة أمنية معقدة.

 خريطة الانتشار وتحولاتها:

يُعد تنظيم داعش في نيجيريا (ولاية غرب أفريقيا) نتاجًا لانشقاق عن جماعة بوكو حرام التي أسسها محمد يوسف مطلع الألفية، وتحولت بعد 2009 إلى تمرد واسع في الشمال الشرقي. وقد شكّل انشقاق أبو مصعب البرناوي بين 2015 و2016 نقطة تحول، إذ انتقل التنظيم من كيان محلي عشوائي إلى بنية أكثر تنظيمًا تسعى لإدارة مناطق النفوذ وخلق وجود شبه مؤسسي، انعكس على طبيعة تمركزه داخل نيجيريا.

في المرحلة الأولى، اتخذ التنظيم من شمال شرق نيجيريا، ولا سيما ولاية بورنو، مركزًا رئيسيًا لعملياته، مع امتدادات في ولايتي يوبي وأداماوا. وقد ساعدت الطبيعة الجغرافية المعقدة وتراجع حضور الدولة في تلك المناطق على توفير بيئة ملائمة لإعادة الانتشار. ومع مرور الوقت، توسع التنظيم داخل نطاق حوض بحيرة تشاد، الذي يُعد نطاق حدوديًا هشًا، مما أتاح له التحرك بين الجزر والممرات المائية وإعادة بناء قدراته اللوجستية والعسكرية بعيدًا عن الضغط المباشر للقوات النظامية، ليصبح هذا المحور بمثابة قاعدة الاتكاز الاستراتيجي الأكثر استقرارًا له.

ومع تطور أنماط الصراع، لم يعد وجود التنظيم محصورًا في الشمال الشرقي، بل ظهرت مؤشرات على تمدده نحو الشمال الغربي، حيث رُصد نشاط لخلايا متفرقة في ولايات مثل كادونا وسوكوتو، وإن كان بدرجة أقل كثافة من معقله الأساسي. وقد اتخذ هذا الحضور شكل هجمات متفرقة وعمليات اختطاف وكمائن على الطرق الحيوية، خاصة في المناطق الريفية، في ظل بيئة أمنية معقدة تتداخل فيها أنشطة التنظيم مع شبكات الجريمة المنظمة والعصابات المسلحة، وهو ما وفر له هامش حركة إضافيًا خارج نطاق المواجهة العسكرية المباشرة.

اعتمد تنظيم داعش نمط انتشار مرن يرتكز على الشمال الشرقي كمركز رئيسي، مع إنشاء جيوب نفوذ في الشمال الغربي، ما منحه القدرة على تهديد العمق الجغرافي للدولة، بما في ذلك الطرق المؤدية إلى العاصمة أبوجا. وهكذا تحولت الجغرافيا الداخلية لنيجيريا، بما تتسم به من اتساع وضعف السيطرة الأمنية، إلى عامل رئيسي في بقاء التنظيم، الذي انتقل من جماعة محلية إلى شبكة متعددة البؤر داخل الدولة.

التمويل والتسليح.. مصادر القوة:

لم يعد تمويل التنظيم قائمًا على مصدر واحد يسهل رصده، بل تطور إلى منظومة متعددة المستويات تعكس تمدده داخل بيئة مضطربة، حيث أصبح الاقتصاد جزءًا من بنية الصراع. ومن ثمّ، يُنظر إلى التمويل كشبكة متداخلة تتوزع على أربع فئات رئيسية تضمن استمرارية التنظيم وتعزز قدرته التشغيلية.

في المقدمة تبرز المصادر المحلية التي ترتكز على الاقتصاد القسري داخل مناطق النفوذ، إذ يعتمد التنظيم على فرض جباية منظمة على السكان تحت مسميات دينية مثل الزكاة، إلى جانب فرض ضرائب إجبارية على المزارعين والرعاة والصيادين، ولا سيما في نطاق حوض بحيرة تشاد. كما يفرض إتاوات على تجارة الأسماك والثروة الحيوانية والأنشطة الزراعية، ويقتطع جزءًا من حركة الأسواق المحلية وطرق التجارة ليغدو بمثابة سلطة جبائية موازية للدولة داخل مناطق سيطرته.

وإلى جانب ذلك، يعتمد التنظيم على مصادر إجرامية مباشرة ترتبط باستخدام العنف كأداة اقتصادية، وفي مقدمتها عمليات الاختطاف مقابل الفدية التي تستهدف المدنيين والعاملين في القطاعات الحيوية، وهي من أكثر مصادر التمويل سرعة وربحية. كما تشمل هذه الفئة عمليات النهب خلال الهجمات المسلحة على القرى والقواعد العسكرية، حيث يتم الاستيلاء على الأسلحة والمعدات والوقود والمواد الغذائية وإعادة تدويرها داخل السوق السوداء، بما يوفر للتنظيم موارد مالية ولوجستية في آن واحد.

وبالتوازي مع ذلك، يظهر نمط ثالث للتمويل عبر الاقتصاد غير الرسمي، حيث يستغل التنظيم هشاشة البنية الاقتصادية في شمال نيجيريا للتغلغل في الأنشطة اليومية الصغيرة مثل التجارة والنقل والخدمات. هذا النمط لا يقوم دائمًا على الجباية المباشرة، بل على نفوذ غير مرئي يتيح له الاستفادة من حركة الاقتصاد المحلي، مما يجعل الفصل بين النشاط المدني وتمويله أمرًا معقدًا ويؤكد أن الاقتصاد غير الرسمي أصبح مجالًا خصبًا لتداخل مصالحه مع المجتمع.

وأخيرًا، يعتمد التنظيم على تمويل عابر للحدود عبر شبكات مالية غير رسمية وتقنيات حديثة، مستخدمًا الحوالة التقليدية والعملات المشفّرة لتأمين تدفق مالي مرن يربط مناطق نفوذه في بحيرة تشاد بفروعه في غرب أفريقيا، بما يعزز قدرته على تجاوز القيود المحلية والانفتاح على موارد إقليمية.

على مستوى التسليح، انتقل التنظيم تدريجيًا من جماعة متمردة إلى قوة شبه عسكرية منظمة، حيث تُقدّر قوته البشرية بما بين 4,000 و7,000 مقاتل، وقد تصل في نطاق أوسع داخل حوض بحيرة تشاد إلى نحو 8,000–12,000 عنصر. هذا التوسع ترافق مع تطور نوعي في منظومة التسليح، إذ لم يعد يعتمد على الأسلحة الخفيفة فقط، بل امتلك أيضًا أسلحة متوسطة وثقيلة مثل الرشاشات وقذائف الهاون وقاذفات الصواريخ، فضلًا عن استخدام السيارات المفخخة والعبوات الناسفة في هجمات مركبة ضد القواعد العسكرية والنقاط الأمنية، مع اعتماد متزايد على الكمائن والهجمات المنسقة، بما يعكس انتقاله إلى مستوى أعلى من التنظيم العملياتي.

خلال السنوات الأخيرة، شهد التنظيم تطورًا نوعيًا، تمثل في إدخال الطائرات المسيّرة ضمن منظومته العسكرية وتحويلها إلى أدوات هجومية، إضافة إلى تطوير تسليح محلي عبر تعديل المركبات وتصنيع العبوات الناسفة من مواد متاحة وإعادة استخدام الأسلحة المستولى عليها. وبذلك، لم تعد قوته مقتصرة على العنف الميداني، بل امتدت إلى بناء منظومة اقتصادية عسكرية توفر التمويل الذاتي وتنتج العتاد وتحدث التكتيكات باستمرار.

مؤشرات تصعيد العمليات ودلالاته:

يُظهر تتبّع مسار تطوّر نشاط تنظيم داعش داخل نيجيريا أن المشهد الأمني لم يكن وليد لحظة مفاجئة، بل نتاج تراكم زمني ممتد من التحولات التنظيمية والتكتيكية منذ عام 2015 وصولًا إلى التصعيدات الأخيرة في عام 2026.

– في عام 2015، أعلنت بوكو حرام مبايعتها لداعش لتتحول إلى داعش في غرب أفريقيا، ما مثّل بداية مرحلة جديدة اتسمت بإعادة الهيكلة وتوسيع العمليات في شمال شرق نيجيريا.

– بين 2016 و2018، شهد التنظيم انقسامًا داخليًا بانفصال جناح أبو مصعب البرناوي الموالي لداعش الأمر الذي دفعه إلى تركيز عملياته على استهداف القواعد العسكرية لإضعاف حضور الدولة في الأطراف.

– مع الفترة الممتدة بين 2019 و2020، اتخذت العمليات منحى أكثر تنظيمًا وتعقيدًا، حيث لجأ التنظيم إلى تكتيكات الكمائن والهجمات المباشرة على القواعد العسكرية، فضلًا عن السيطرة المؤقتة على بعض البلدات الصغيرة، بما يعكس انتقاله من نمط التمرد المتنقل إلى محاولات فرض نفوذ جغرافي محدود.

– في مايو 2021، مثّل مقتل زعيم بوكو حرام أبو بكر شيكاو محطة مفصلية عززت هيمنة داعش في غرب أفريقيا، مانحًا التنظيم قدرة أكبر على توحيد فصائله وتوسيع نشاطه.

– في عام 2022، برزت عملية اقتحام سجن كوجي في العاصمة أبوجا كدليل على تطور قدرات التنظيم في تنفيذ عمليات نوعية تستهدف مؤسسات الدولة.

– في عام 2023 تصاعد ملحوظ في وتيرة العنف، حيث امتدت الهجمات من ولاية بورنو إلى ولايات أخرى مثل كيبّي، بما يعكس توسع نطاق العمليات من الشمال الشرقي نحو الداخل النيجيري.

– مع بداية عام 2024، استمر التنظيم في تكثيف عملياته رغم الضغوط العسكرية، إذ شهدت ولاية مافا مجزرة واسعة أسفرت عن سقوط أكثر من 130 قتيلًا، ما أكد استمرار قدرته على تنفيذ عمليات واسعة النطاق.

– في أواخر 2024 وأوائل 2025، واصل التنظيم هجماته في منطقة بحيرة تشاد وولاية بورنو، مع تركيز واضح على استهداف القواعد العسكرية والطرق الحيوية، وهو ما يشير إلى استمرار نمط الاستنزاف طويل الأمد ضد القوات الحكومية.

– وفي عام 2025، توسعًا إضافيًا في العمليات، لا سيما مع هجوم باما في سبتمبر وتوغل مسلح في ولاية كوارا في أكتوبر، قبل أن تتكثف العمليات بشكل أكبر مع الضربات المشتركة الأمريكية – النيجيرية في ديسمبر ضد خلايا التنظيم في الشمال الغربي.

– مع دخول عام 2026، دخل الصراع مرحلة أكثر حدة، حيث شهد يناير هجمات على قواعد عسكرية في باما وداماساك، تلتها في فبراير مجزرة واسعة في ولاية كوارا، ثم هجوم في رمضان منظم اتسم بكثافة العمليات ضد القوات الأمنية. واستمر التصعيد في مارس مع اجتياح قواعد عسكرية في ولايتي يوبي وبورنو، قبل أن تتوالى الهجمات في أبريل، ومنها هجوم بنيشيخ وهجوم أداماوا الذي أسفر عن مقتل 29 مدنيًا، وصولًا إلى هجوم يوبي الذي أودى بحياة 11 جنديًا.

وبناء على ذلك، يتضح أن المشهد الأمني في نيجيريا يعكس انتقال تنظيم داعش من تمرد محلي إلى خطة استنزاف ممنهجة تستهدف البنى الحيوية للدولة، مستفيدًا من إنهاك الجيش النيجيري وتوزع جهوده على جبهات متعددة، الأمر الذي يؤدي إلى تشتت القدرات وتراجع فعالية الردع.

 مستقبل التنظيم.. السيناريوهات المحتملة:

يُبين تطوّر تنظيم داعش داخل نيجيريا أن مستقبله يتجه نحو ثلاثة سيناريوهات رئيسية متداخلة، تعكس هشاشة البيئة الأمنية واختلال توازن القوى بين الدولة والجماعات المسلحة:

– السيناريو الأول: نموذج الدولة الموازية، حيث يسعى التنظيم إلى فرض سلطته في المناطق الحدودية عبر الجباية وتقديم خدمات محدودة، بما يجعله سلطة أمر واقع يصعب تفكيكها.

– السيناريو الثاني: التمدد الإقليمي، نحو العمق النيجيري عبر الانتشار من الشمال الشرقي إلى الحزام الأوسط، مع احتمالية الاقتراب من العاصمة أبوجا، مستفيدًا من تحالفات مع شبكات الجريمة المنظمة.

– السيناريو الثالث: الانكفاء إلى خلايا لامركزية، في حال تصاعد الضغط العسكري، حيث يتخلى التنظيم عن السيطرة الجغرافية لصالح عمليات خفية داخل المدن الكبرى.

تظل هذه السيناريوهات مرتبطة بعوامل بنيوية مثل الفراغ الأمني، والتفاوت الاقتصادي، في ظل تحديات نيجيريا المتمثلة في استنزاف الموارد وتعدد بؤر الصراع. وعليه، فإن مستقبل التنظيم يتوقف على قدرة الدولة على الدمج بين الحلول الأمنية والتنموية وإعادة حضورها المؤسسي، وإلا سيبقى التنظيم فاعلًا مؤثرًا في معادلة الأمن النيجيري.

يتضح مما سبق، أن تنظيم داعش في نيجيريا لم يعد مجرد جماعة إرهابية تقليدية، بل تحول إلى مشروع دولة بديلة يسعى إلى فرض نموذج حكم موازٍ يقوم على السيطرة غير المباشرة، وإدارة مناطق النفوذ بآليات شبه مؤسسية.

وفي المحصلة، يتضح أن مواجهة هذا التهديد لا يمكن أن تقتصر على العمليات العسكرية المحدودة بل تستلزم تنسيقًا استخباراتيًا دوليًا قادرًا على تفكيك شبكات التمويل وتعطيل خطوط الإمداد وملاحقة الامتدادات الإقليمية للتنظيم. فالمعركة الحقيقية هي معركة بسط السيادة والسيطرة على الأرض والسكان في مواجهة كيان يسعى لترسيخ نفسه كبديل للدولة داخل بيئة شديدة الهشاشة في غرب أفريقيا.

ريهام السادات

ريهام السادات- رئيس برنامج التحولات الداخلية بالمركز، الباحثة حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية، متخصصة في دراسات الأمن الإقليمي والأمن المجتمعي، باحثة ماجستير بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى