الادعاءات السبعة: كيف تفسر إسرائيل مناورات “بدر ٢٠٢٦”؟

أثارت مناورات “بدر 2026″ التي نفذتها القوات المسلحة المصرية باستخدام الذخيرة الحية، وبمشاركة تشكيلات من الجيش الثالث الميداني، حالة من الجدل في الإعلام الإسرائيلي، الذي سارع إلى وصفها بـ”الاستفزازية” واعتبارها تهديدًا مباشرًا. غير أن هذه القراءة لا يمكن فهمها بمعزل عن سياق إقليمي شديد التعقيد، يتسم بتعدد بؤر التوتر من ليبيا غربًا إلى البحر الأحمر جنوبًا، ويضع على عاتق الدولة المصرية ضرورة الحفاظ على مستويات مرتفعة من الجاهزية العسكرية. وفي هذا الإطار، لا تمثل مناورات “بدر 2026” حدثًا استثنائيًا، بقدر ما تعكس نمطًا تدريبيًا متواصلًا ينفذه الجيش المصري سنويًا ضمن منظومة استعداد عسكري ممتدة تستهدف رفع الكفاءة القتالية ومواكبة طبيعة التهديدات المتغيرة.

الادعاء “1”.. المناورات انتهاك لاتفاقية كامب ديفيد:

تتجاهل هذه الرواية أن الاتفاقية نفسها شهدت تعديلات عملية على الأرض، خاصة بعد عام 2013، سمحت بزيادة حجم وانتشار القوات المصرية في سيناء لمواجهة الإرهاب. ووفق تقارير دولية، تم تنفيذ عشرات آليات التنسيق الأمني بين مصر وإسرائيل خلال العقد الأخير، شملت إدخال معدات ثقيلة وطائرات ومروحيات إلى مناطق كانت مقيدة سابقًا. كما أن الملحق الأمني للاتفاقية يسمح بإجراء تدريبات عسكرية بشرط الإخطار والتنسيق، وهو ما حدث فعليًا، بدليل إقرار الجيش الإسرائيلي بأن التدريبات المصرية تمت بالتنسيق والمعرفة الكاملة، بل وجرى التعامل معها فنيًا وفق ما نقلته وسائل إعلام عبرية، وهو ما يجعل الحديث عن “انتهاك صارخ” طرحًا يتناقض مع الواقع الميداني.

الادعاء “2”.. مصر تستعد لحرب ضد إسرائيل:

الواقع أن الجيش المصري يُصنَّف ضمن أكبر عشرة جيوش في العالم من حيث العدد، مع قوة بشرية تتجاوز 440 ألف جندي عامل، وأكثر من 480 ألفًا في قوات الاحتياط، وفق تقديرات عسكرية دولية. وهذا الحجم لا يرتبط بدولة بعينها، بل بطبيعة التهديدات المحيطة. كما أن مصر تمتلك حدودًا برية وبحرية تتجاوز خمسة آلاف كيلومتر، ما يفرض عليها تبني عقيدة “الدفاع الشامل”. وبالتالي، فإن تحديث منظومة التسليح لا يعكس استعدادًا لمواجهة دولة محددة، بل يعكس سعيًا للحفاظ على توازن الردع في بيئة إقليمية مضطربة.

الادعاء “3”.. الحشد في سيناء موجه ضد إسرائيل:

شهدت سيناء منذ عام 2011 نشاطًا إرهابيًا واسع النطاق، نُفذت خلاله مئات العمليات المسلحة، ما دفع الدولة المصرية إلى إطلاق عمليات عسكرية كبرى، مثل عملية “سيناء 2018”. وتشير تقديرات إلى أن مصر أنفقت مليارات الدولارات على تطوير البنية التحتية في سيناء، بما في ذلك إنشاء شبكة أنفاق أسفل قناة السويس، تجاوز عددها أكثر من 60 نفقًا ومعبرًا، بهدف ربط سيناء بالوادي وتعزيز السيطرة الأمنية. وهذه المشروعات تخدم في جوهرها مسارات التنمية ومكافحة الإرهاب، ولا ترتبط بالتحضير لحرب تقليدية.

 الادعاء”4″.. المناورات قرب الحدود سلوك استفزازي:

تعتمد الجيوش الحديثة على التدريب في مناطق تحاكي مسارح العمليات الفعلية. وفي حالة مصر، تمثل الجبهة الشرقية أحد الاتجاهات الاستراتيجية الرئيسية. كما أن التقارير الإسرائيلية نفسها أشارت إلى أن التدريبات تمت بالتنسيق ومع إخطار مسبق. ومن المعروف عسكريًا أن التدريبات بالذخيرة الحية تُنفذ في نطاقات محددة وآمنة، ما ينفي وصفها بـ”الاستفزاز”، ويضعها في إطار التدريب الاحترافي الطبيعي الذي تتبعه الجيوش النظامية.

الادعاء”5″.. تكرار سيناريو حرب أكتوبر:

استدعاء حرب أكتوبر يتجاهل أن مصر وإسرائيل ترتبطان باتفاق سلام مستمر منذ أكثر من 45 عامًا، وهو أحد أكثر اتفاقات السلام استقرارًا في المنطقة. كما أن البيئة الدولية تغيرت جذريًا، حيث أصبحت أي مواجهة عسكرية واسعة النطاق مكلفة سياسيًا واقتصاديًا لجميع الأطراف. وبالتالي، فإن هذه المقارنة تُستخدم في الغالب كأداة نفسية أو إعلامية، أكثر من كونها تحليلًا يستند إلى معطيات واقعية.

الادعاء”6″.. التسليح المصري غير مبرر اقتصاديًا:

رغم التحديات الاقتصادية، فإن الإنفاق العسكري المصري يُقدَّر بنحو 4 إلى 5 مليارات دولار سنويًا، وفق بيانات دولية، وهو رقم لا يُعد استثنائيًا مقارنة بدول المنطقة. كما أن مصر اتبعت سياسة تنويع مصادر التسليح، بالتعاون مع دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وروسيا، بهدف تقليل الاعتماد على طرف واحد. ويعكس هذا النهج سعيًا لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وليس بالضرورة توجهًا عدائيًا.

الادعاء”7″.. المناورات أداة ضغط سياسي:

لا توجد مؤشرات موثقة تدعم فكرة أن مصر تستخدم المناورات العسكرية كوسيلة ضغط سياسي أو اقتصادي. في المقابل، تُظهر البيانات أن المناورات جزء من خطة تدريب سنوية تشمل تدريبات مشتركة مع دول عدة. كما أن انخراط مصر في ملفات إقليمية معقدة، مثل غزة وليبيا، يعكس ارتباط تحركاتها العسكرية باعتبارات الاستقرار الإقليمي، أكثر من ارتباطها بحسابات ضغط أو تصعيد.

في النهاية، يمكن القول تكشف الوقائع الميدانية والأرقام المتاحة أن مناورات “بدر 2026” تندرج ضمن سياق عسكري طبيعي لدولة تواجه بيئة أمنية معقدة وتحديات متعددة الاتجاهات. وفي المقابل، يظهر أن الرواية الإسرائيلية اتجهت إلى تضخيم دلالات المناورات وتفسيرها خارج سياقها العملياتي، بما يعكس انحرافًا في قراءة الحدث أكثر مما يعكس تغيرًا حقيقيًا في السلوك العسكري المصري. وبين معطيات موضوعية تستند إلى التنسيق والجاهزية، وسرديات إعلامية توظف القلق التاريخي، تبقى الحقيقة أن مصر تتحرك وفق معادلة ثابتة قوامها تعزيز القدرة الدفاعية والحفاظ على الاستقرار دون الانزلاق إلى مسارات التصعيد.

د. نورهان العباسي

د. نورهان العباسي، نائب أول مدير المركز للدراسات و البحوث ورئيس برنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة أستاذ مساعد الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. حصلت على درجة الدكتوراه في الصحافة والإعلام من جامعة وستمنستر بالمملكة المتحدة. الباحثة عملت في العديد من مراكز الفكر العربية والدولية منها في مصر وقطر والمملكة المتحدة، وهي متخصصة في مجالات الاقتصاد السياسي للإعلام، وإدارة الأزمات الإعلامية، ودراسات التحولات المجتمعية في الدول العربية، هذا بالإضافة إلى قضايا المرأة والأقليات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى