تأثير البيئة: لماذا تتزايد ظاهرة مدارس تحفيظ القرآن الكريم في ماليزيا؟

سناء عوض الله- باحثة في برنامج دراسات السياسات العامة
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المجتمعات المعاصرة، يبرز التعليم الديني بوصفه أحد المجالات التي ستظل محل اهتمام مستقبلي، ليس فقط باعتباره وسيلة للحفاظ على الهوية والقيم، بل أيضًا كقطاع يتطلب تنظيمًا مستمرًا لضمان جودة مخرجاته وسلامة بيئته. وفي هذا السياق، تبرز ظاهرة حفظ القرآن الكريم في ماليزيا بوصفها نموذجًا متناميًا يجمع بين الانتشار المؤسسي والدعم الحكومي، وفي الوقت ذاته يواجه تحديات تتعلق بضرورة إحكام الرقابة على بعض المؤسسات غير المنظمة، خاصة في ظل ما قد يرتبط في حالات محدودة بتأثر بعض الطلاب داخل عدد محدود من المؤسسات غير الخاضعة للرقابة بأفكار بعض المتطرفة. ومن ثم، فإن دراسة هذه الظاهرة لا تقتصر على قراءة واقعها الحالي، بل تمتد إلى استشراف مستقبلها في ضوء متطلبات التنظيم والتطوير المؤسسي.
تشهد ماليزيا خلال العقود الأخيرة وتحديدًا منذ عام 1964م نهضة قرآنية لافتة تمثّلت في التزايد المستمر لأعداد حفظة القرآن الكريم واتساع المؤسسات التعليمية المعنية بالتحفيظ، حتى أصبح حفظ القرآن أحد المكونات الأساسية في الهوية التعليمية والثقافية للدولة. ووفقًا لصحيفة ستريتس تايمز، فهناك 600 مدرسة تحفيظ قرآن غير مسجلة في ماليزيا وتضم أكثر من 36000 طالب، ووفقًا لتصريحات رئيس الوزراء الماليزي عام 2017، من المتوقع أن يصل عدد حافظي القرآن الكريم في ماليزيا بحلول عام 2050 إلى نحو 125000 حافظ، وأصبحت هذه الظاهرة أحد أبرز ملامح الحياة الدينية والتعليمية داخل المجتمع الماليزي. ولم يعد حفظ القرآن مقتصرًا على حلقات تقليدية داخل المساجد، بل تحوّل إلى منظومة واسعة تضم مدارس رسمية، ومعاهد متخصصة، وجمعيات أهلية، ومراكز تحفيظ منتشرة في مختلف الولايات.
ويعكس هذا التحول إدراك ماليزيا لأهمية بناء الإنسان من الناحية المادية والروحية، حيث تسعى الدولة إلى إنتاج جيل قادر على مواكبة التطور العلمي مع الحفاظ على القيم الأخلاقية.
ومن ثم أصبحت ماليزيا نموذجًا مهمًا في تنظيم وانتشار حفظ القرآن الكريم بشكل مؤسسي ومجتمعي في آن واحد. وبناءً على ذلك، لم يعد حفظ القرآن الكريم في ماليزيا مجرد مسألة دينية، بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية وتعليمية متعددة الأبعاد، تتداخل فيها العوامل المؤسسية والجغرافية والسياسية، وهو ما يجعل من دراستها وتحليلها ضرورة لفهم ديناميكيات انتشارها وتحولاتها داخل المجتمع الماليزي المعاصر.
بنية مؤسسات تحفيظ القرآن بماليزيا:
في أعقاب حصول ماليزيا على الاستقلال عام 1956، بدأت عملية بناء المجتمع داخليًا، وظهرت المدارس الدينية الخاصة (أو ما يُعرف بالكتاتيب) في الساحل الشرقي لشبه الجزيرة الماليزية، الذي يضم المجموعات المسلمة في ماليزيا ذات التنوع الديني. وفي تلك الأثناء لم يكن هناك عدد كافٍ من القارئين للقرآن الكريم بأحكامه المختلفة، وكان يتم الاستعانة بالقارئين من مصر لصلاة التراويح. وبعد ذلك بدأت ظاهرة الاهتمام بحفظ القرآن في ماليزيا، خاصة بعد إنشاء معهد دار القرآن عام 1964م، والذي يمثل حجر الزاوية في عملية النهضة القرآنية في ماليزيا.
تعتمد ظاهرة حفظ القرآن في ماليزيا على شبكة واسعة من المؤسسات المتداخلة، والتي تمثل البنية المؤسسية لهذه الظاهرة. وبحسب وزارة التعليم، يتم تصنيف المدارس الدينية إلى مدارس عامة تشكل المدارس الدينية الرسمية التي تخضع لإشراف وزارة التعليم أو سلطات الولايات، وتقدم برامج تجمع بين التعليم العام والديني، ومدارس مدعومة حكوميًا تخضع للسلطات الدينية، بالإضافة إلى المدارس الخاصة. ووفقًا لأحدث الإحصاءات المتاحة على موقع وزارة التعليم الماليزية الإلكتروني، يوجد ما مجموعه 273 مدرسة دينية، وهي مدارس SMKA أو المدارس الدينية الثانوية الوطنية (57)، ومدارس SABK الابتدائية (36)، والثانوية الدينية (180) المدعومة من الحكومة، ويبلغ إجمالي عدد المعلمين فيها 11671 معلمًا في عام 2016.
أما بالنسبة لعدد المدارس الإسلامية الخاضعة لسلطة الدولة، فقد نُقل عن المدير العام لدائرة التنمية الإسلامية في ماليزيا أن هناك 547 مدرسة مسجلة لدى السلطات الدينية في الدولة، تضم 36736 طالبًا و3340 معلمًا في عام 2016. ووفقًا لصحيفة ستريتس تايمز، فهناك 600 مدرسة تحفيظ قرآن غير مسجلة في ماليزيا وتضم أكثر من 36000 طالب. ويعكس هذا التصنيف محاولات الدولة لإدماج التعليم الديني داخل النظام الرسمي، مع الحفاظ على خصوصية كل ولاية في إدارة الشؤون الدينية.
وهناك تساؤل يُثار، وهو: هل انتشرت ظاهرة حفظ القرآن في كل ماليزيا بنفس القوة؟ أم أن هناك أماكن انتشرت فيها بشكل أسرع وفقًا لظروف خاصة؟ وهل كان للتوزيع الجغرافي دور في تفضيل نوع معين من هذه المدارس على الأخرى؟
خريطة الانتشار الجغرافي:
كان انتشار المدارس الدينية في البداية مقتصرًا على الأقاليم المسلمة بعد استقلال ماليزيا، خاصة الساحل الشرقي لشبه الجزيرة الماليزية، والذي يضم ولايات كلنتان وترينجانو وباهانج، بالإضافة إلى العاصمة كوالالمبور، وهي من أبرز المناطق التي يبرز فيها حضور التعليم القرآني بشكل واضح، نظرًا لطبيعته الاجتماعية المحافظة وارتباطه القوي بالشعائر والممارسات الدينية التقليدية. وتتميز هذه الولايات بانتشار ملحوظ لمراكز تحفيظ القرآن مقارنة ببعض المناطق الحضرية الأكثر تحضرًا، حيث يشكل التعليم الديني جزءًا أساسيًا من البنية الثقافية والاجتماعية المحلية.
وفي المناطق الريفية داخل هذه الولايات، يغلب الطابع غير الرسمي على مؤسسات التحفيظ، حيث تنتشر المعاهد الإسلامية التقليدية ومراكز التحفيظ الصغيرة التي تعتمد على نظام الحلقات اليومية داخل المساجد أو في بيوت المعلمين، وتُدار من خلال جمعيات محلية، وتعتمد في تمويلها على التبرعات والوقف الخيري.
ويُلاحظ أن هذا النمط الريفي من التعليم القرآني يركز بشكل أساسي على الحفظ المكثف والتلقين المتكرر، مع اهتمام أقل بالبنية المؤسسية الرسمية مقارنة بالمناطق الحضرية. وفي المقابل، يختلف الوضع في المدن داخل نفس الولايات أو في المناطق الحضرية الأخرى، حيث تتواجد مؤسسات أكثر تنظيمًا مثل المدارس الدينية الرسمية والمعاهد الحديثة التي تدمج بين التعليم الأكاديمي وحفظ القرآن الكريم ضمن مناهج منظمة، مما يعكس تباينًا واضحًا بين النمطين الحضري والريفي داخل نفس الإقليم الجغرافي.
وبذلك يتضح أن الانتشار الجغرافي لظاهرة حفظ القرآن في ماليزيا لا يتسم بالتجانس ولا يسير بنفس الوتيرة، بل يتأثر بشكل رئيسي بطبيعة البيئة الاجتماعية ومستوى التحضر، حيث تمثل المناطق الريفية في الساحل الشرقي حاضنة رئيسية للنمط التقليدي من التعليم القرآني، بينما تميل المناطق الحضرية إلى النماذج المؤسسية الرسمية الأكثر تنظيمًا.
في النهاية، يمكن القول إن ظاهرة حفظ القرآن الكريم في ماليزيا لم تعد مجرد نشاط تعليمي تقليدي، بل أصبحت منظومة متكاملة ذات أبعاد دينية واجتماعية ومؤسسية، أسهمت الدولة في دعمها عبر سياسات التمويل والتنظيم ودمج مؤسسات التحفيظ ضمن الإطار التعليمي الرسمي، كما كشف التحليل عن وجود تباين في أنماط الانتشار بين المناطق الريفية والحضرية، بما يعكس تأثير البيئة الاجتماعية والجغرافية في تشكيل طبيعة التعليم القرآني داخل الدولة.
ورغم هذا التوسع، لا تزال بعض التحديات المرتبطة بتعدد مستويات الإشراف ووجود مؤسسات غير مسجلة قائمة، وهو ما يفرض الحاجة إلى تطوير أطر رقابية أكثر شمولًا لضمان جودة التعليم وسلامة بيئته.
وفي ضوء ذلك، تبقى التجربة الماليزية نموذجًا قابلًا للتطور والاستمرار، غير أن نجاحها المستقبلي سيظل مرهونًا بقدرة المؤسسات المعنية على تحقيق التوازن بين التوسع في نشر التعليم القرآني وتعزيز آليات الحوكمة والرقابة، فهل ستتمكن ماليزيا خلال السنوات القادمة من تحويل هذا الانتشار الواسع إلى نموذج أكثر انضباطًا واستدامة يحافظ على الهوية الدينية ويعزز في الوقت ذاته معايير الجودة والسلامة المؤسسية؟