منظومة داعمة: كيف تعزز الصين البنية التحتية المالية لمشروع الحزام والطريق؟

في سياق تنفيذ مبادرة الحزام والطريق، غالبًا ما ينصب الاهتمام العالمي على شبكة البنية التحتية كالموانئ والطرق السريعة والسكك الحديدية التي تتبناها المبادرة لتعزيز الاستراتيجية الاقتصادية والأمنية والسياسية الصينية، باعتبارها مصدر قوة لبكين. ومع ذلك هناك تجاهل كبير لهذه المبادرة في سياق المنافسة المالية الصينية الأمريكية، والتي تعيد تموضع الصين الاستراتيجي في أسواق المال الخارجية وتشكيل المشهد العالمي بشكل تدريجي.

ويعد السؤال المحوري هنا: كيف يمكن للصين إعادة تشكيل مكانتها في النظام المالي العالمي من خلال البنية التحتية المالية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق وتوظيف مهارات الحكم الاقتصادي في ظل النظام المالي العالمي الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة، بالنظر الي استراتيجية بكين الاقتصادية التي تتمحور بين الاستراتيجيات الاقتصادية الاستكشافية/الثنائية والدفاعية/النظامية.  حيث تُعدّ الشركات المملوكة للدولة الصينية جهات فاعلة رئيسية في تعزيز الترابط المالي، كونها تلعب دورًا في ثلاثة جوانب: توفير قنوات استثمارية لمشاريع مبادرة الحزام والطريق وبالتالي خلق فرص استثمارية، وتوجيه المستثمرين الصينيين إلى سوق مبادرة الحزام والطريق، وهذا يعني بناء هيكل المستثمرين، والتشكيل التدريجي لقواعد تشغيل هذه الأسواق، وهذا يعني وضع قواعد الاستثمار.

ومن هنا تجادل هذا الورقة بأن الصين تتخطى قيود النظام المالي العالمي الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة، وتقود نظامًا جديدًا للبنية التحتية المالية يعزز استدامة تمويل مشاريع مبادرة الحزام والطريق. لذا، يسعي هذا التحليل للتركيز بشكل أوسع على فهم مبادرة الحزام والطريق من منظور الاقتصاد السياسي الدولي والعلاقات الدولية، من خلال دمج البنية التحتية المالية في التحليل وكشف الدور الرئيسي للشبكات المالية كشكل جديد من أشكال القوة في تحولات النظام العالمي.

تمكين الحوكمة الوطنية من خلال الترابط المالي

تشير الاستراتيجية المالية إلى استهداف القدرات النقدية والمالية المحلية أو الدولية من قِبل الحكومات الوطنية لتحقيق أهداف سياسة خارجية مستدامة، بما في ذلك الأهداف السياسية والاقتصادية والمالية؛ وهي جزء من الاستراتيجية الاقتصادية. ويكون نطاقها “ثنائيًا” أو “منهجيًا”، وطبيعتها “توسعية”، بمعني أن ممارسة السلطة خارجيًا لمواجهة جهات فاعلة أخرى أو “دفاعية” عن طريق الحفاظ على استقلالية السياسات.

تُنشئ البنية التحتية روابط بين مختلف المواقع والكيانات، مما يُمكّن من بناء روابط اجتماعية واقتصادية محددة. ويمكن ممارسة السلطة الهيكلية من خلال البنية التحتية عندما تؤدي مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود إلى اختلالات في العلاقات بين الدول.

تمتلك الجهات الفاعلة التي تتحكم في البنية التحتية للأسواق المالية سلطة هائلة في تشكيل هذه الأسواق، فالهيكل التنظيمي والقوى المهيمنة والقيود والحوافز التي تواجهها أسواق رأس المال، جميعها لها تأثير عالمي.

وبالنظر إلى النظام المالي العالمي المعاصر نجد أنه يعتمد على مبادئ السوق المالية الموجهة نحو الربح، والمنظمة بشكل خفيف، والمتكاملة دوليًا، وتقودها الولايات المتحدة، والتي بدورها تعزز تلك القوة. وعلى عكس البورصات التي تتبع قواعد موجهة نحو الربح والتي يتخللها المستثمرون العالميون وتندمج في شبكة التبادل العالمية التي تركز على الولايات المتحدة، تلتزم البورصات الصينية ببناء سوق رأس مال بخصائص صينية لمبادرة الحزام والطريق. أولًا، من خلال إدراج الأسهم والسندات وصناديق الشركات المرتبطة بالحزام والطريق لتوسيع قنوات وفرص الاستثمار. ثانيًا، من خلال دمج هذه البلدان في الدورة المالية للصين مع جذب المستثمرين الصينيين/شركات الأوراق المالية إلى سوق الحزام والطريق، وزيادة المشاركة الصينية، وهي هيكل المستثمر. وثالثًا، من خلال تدريب موظفي البورصة وإدخال بنية تحتية مالية أقرب إلى النموذج الصيني، وإعادة تشكيل آلية تشغيل سوق رأس المال، وهي بالطبع قواعد الاستثمار.

على الرغم من أن الحكومة الصينية اقترحت تدابير تكامل مالي واسعة النطاق في وثيقتها لعام 2015، والتي جاءت بعنوان “الرؤية والإجراءات بشأن البناء المشترك للحزام والطريق”، إلا أن نموذج التمويل التقليدي القائم على القروض الحكومية لمبادرة الحزام والطريق كشف تدريجيًا عن مشاكل متعددة. أولًا، تُسبب القروض طويلة الأجل عدم توافق آجال الاستحقاق بين أصول البنوك والتزاماتها، مما يزيد من ضعف النظام المالي؛ لذلك، يجب على أسواق رأس المال دعم مبادرة الحزام والطريق. ثانيًا، مع تزايد تشكيك الدول في القروض الصينية واستثمارات الديون، يُساعد التمويل القائم على سوق رأس المال على تجنب اتهامات “دبلوماسية فخ الديون”، والتي تؤثر على الصورة الدولية للصين. ثالثًا، من خلال بناء نظام سوق رأس مال لمبادرة الحزام والطريق، يُمكن للبورصات الصينية خلق بيئة سوقية أكثر كفاءة وتعزيز التخصيص الأمثل للموارد. وأخيرًا، من خلال تشكيل نظام ربط مالي لمبادرة الحزام والطريق، يُمكن للصين أن تتمتع بقوة تفاوضية أكبر في المفاوضات مع الدول المشاركة.

ولذلك، تُمثل أسواق رأس المال حلاً رئيسيًا لصعوبات تمويل مبادرة الحزام والطريق؛ حيث تأمل الدول الواقعة على طول مبادرة الحزام والطريق بشكل عام في تحسين أسواق رأس المال في الدول النامية، بينما غالبًا ما تُهمل البورصات العالمية التي يهيمن عليها الغرب هذه المناطق بسبب محدودية أرباحها. في ظل هذا الفراغ المالي الناتج عن انسحاب البنوك والبورصات الدولية، سارعت المؤسسات المالية الصينية إلى سدّ هذه الفجوة، مستغلةً تعزيزها وقيادة مفهوم “تعاون الجنوب-الجنوب العالمي” والشراكات التي أسستها مع دول العالم الثالث، لتعزيز تجربتها الناجحة في أسواق رأس المال.

ولنأخذ مثالًا على ذلك، باكستان التي تعتبر شريك استراتيجي شامل للصين وفي سياق المبادرة أيضًا؛ تُظهر حالة بورصة باكستان بوضوح كيف تُعزز الصين الترابط المالي من خلال مبادرة الحزام والطريق. حيث استحوذت بورصات الصين الرئيسية الثلاث (بورصة الصين للعقود المالية الآجلة، وبورصة شنغهاي، وبورصة شنتشن)، إلى جانب بنك حبيب ومؤسسة الاستثمار الصينية الباكستانية، على حصة 40% في بورصة باكستان مقابل 896 مليون روبية، لتصبح بذلك المساهم المسيطر فيها. لم يقتصر هذا الاستثمار على جلب رأس المال فحسب، بل أعاد أيضًا تشكيل هيكل حوكمة بورصة باكستان من خلال أغلبية مقاعد مجلس الإدارة وصلاحية تعيين كبار المديرين التنفيذيين، مما سمح للبورصات الصينية بالحلول محل شركات الأوراق المالية المحلية والهيئات التنظيمية المهيمنة.

وفيما يتعلق بفرص الاستثمار، تُشجع الصين بنشاط ابتكار المنتجات المالية، وتُمول المشاريع في إطار الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني من خلال سوق رأس المال. وفيما يتعلق بهيكل المستثمرين، تُعزز المؤسسات الصينية التكامل العميق بين أسواق رأس المال في البلدين من خلال الاستحواذ على حصص في شركات الأوراق المالية الباكستانية، وتنظيم فعاليات ترويجية، وتوسيع نطاق وصول المستثمرين الصينيين إلى السوق. وهكذا، أصبح بنك حبيب وسيطًا ماليًا رئيسيًا في تنفيذ تمويل الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان. ومع دخول رأس المال الصيني الكامل، تكامل سوق الأسهم الباكستاني تدريجيًا مع السوق الصينية، واندمج نظامه المالي بشكل كبير في شبكة رأس المال التي تهيمن عليها الصين.

الصراع الصيني الهندي على البنية التحتية المالية في بنغلاديش

تكشف قضية بورصة دكا عن صراع النفوذ بين الصين والهند للهيمنة على البنية التحتية المالية لبنغلاديش. ففي عام 2017، وبعد إلغاء جزئي للعضوية في البورصة، سعت الجهات التنظيمية البنغلاديشية إلى استقطاب مستثمرين استراتيجيين. وفي النهاية، هزم تحالفٌ شكّلته بورصتا شنغهاي وشنتشن الصينيتان عرضًا من بورصة الهند الوطنية وناسداك، مستحوذًا على حصة 25%. لم تكن هذه الخطوة مجرد استثمار تجاري، بل عكست أيضًا اعتبارات جيوستراتيجية تخدم “الممر الاقتصادي بين بنغلاديش والصين والهند وميانمار”. عارضت الهند بشدة الصفقة وحاولت عرقلتها، مما يدل على أن البنية التحتية المالية أصبحت جبهة جديدة في المنافسة الإقليمية بين الصين والهند. وبعد الاستحواذ، انضمت البورصات الصينية إلى مجلس إدارة بورصة دكا وقادت إصلاحات تشغيلية، مما أضعف سيطرة الوسطاء وعزز تحديث منصة التداول والنظام التنظيمي والإدارة الداخلية.

وفيما يتعلق بقواعد الاستثمار، حلت بورصة شنتشن محل ناسداك في عام 2023، حيث طبقت نفس نظام التداول والمراقبة الصيني المُستخدم في بورصة شنغهاي  بهدف تنظيم سلوك السوق بدقة أكبر. كما أسس الجانبان مشروعًا مشتركًا لتعزيز التكنولوجيا المالية الصينية في بنغلاديش وتطوير قواعد تداول تستند إلى المعايير الصينية. وفيما يتعلق بفرص الاستثمار، أطلقت الصين مجلسًا للشركات الصغيرة والمتوسطة وسوق سندات مبادرة الحزام والطريق لجذب رأس المال الصيني طويل الأجل. وفيما يتعلق بهيكل المستثمرين، ومن خلال ربط المؤشرات والبيانات والمنصات، يتم دمج بورصة دكا في شبكة سوق رأس المال الصينية، لتصبح بذلك عقدة رئيسية في الممر المالي بين الصين وبنغلاديش. وبشكل عام، تعمل البورصات الصينية، من خلال تحديد قواعد الاستثمار والمنتجات وهياكل السوق، على إعادة تشكيل المنطق المؤسسي لسوق رأس المال في بنغلاديش، مما يعزز توسيع نطاق مبادرة الحزام والطريق وترسيخها في القطاع المالي في جنوب آسيا.

ومن الجدير بالذكر أن استثمارات البورصات الصينية في باكستان وكازاخستان وبنغلاديش تكشف عن إمكانات البنية التحتية المالية كأداة للاستراتيجيات الاقتصادية الثنائية الرائدة. وتتعاون البورصات الصينية بنشاط مع الدول الواقعة على طول مبادرة الحزام والطريق في مجال البنية التحتية المالية، مما يعزز الأهداف الاستراتيجية والاقتصادية للصين.

وتواصل الصين  العمل في  بناء شبكة بنية تحتية مالية تتمحور حول ربط أسواق رأس المال، بما في ذلك الاستحواذ على البورصات أو بنائها بشكل مشترك، وتعزيز التعاون بين البورصات، وجذب الاستثمارات الصينية إلى الأسواق الخارجية، وتوقيع اتفاقيات تعاون متعددة المستويات.

وبالتالي، يتبلور تدريجياً نظام موازٍ لسوق رأس المال، يرتكز على الخبرة والقواعد الصينية، مما يمنح الصين استقلالية مؤسسية أكبر في النظام المالي العالمي. في الوقت نفسه، يُظهر التعاون الصيني الروسي في مجال البنية التحتية المالية خصائص دفاعية ومنهجية، مما يُضعف هيمنة الدولار ويُقلل من تأثير التسليح المالي الأمريكي من خلال تداول اليوان والروبل وأنظمة الدفع البديلة، مما يُعزز قدرة مبادرة الحزام والطريق على تحمل الضغوط المالية الخارجية.

الخلاصة

تُظهر ممارسة الصين لبناء البنية التحتية المالية في دول تقع على طول الحزام والطريق، بأن الربط المالي أصبح ركيزة جديدة في الاستراتيجية الاقتصادية الصينية. فمن خلال الاستثمار والتعاون في البورصات المملوكة للدولة، لا تُنشئ الصين قنوات تمويل لمشاريع مبادرة الحزام والطريق وتُقدم المستثمرين الصينيين وتُعيد صياغة قواعد السوق فحسب، بل تُعيد أيضًا هيكلة علاقات القوة مع الدول الواقعة على طول الطريق. وتُشكل هذه الشبكة، المُرتكزة على البنية التحتية المالية، تدريجيًا نظامًا لسوق رأس المال يُوازي النظام الذي تُهيمن عليه الولايات المتحدة، مما يُمكّن الصين من اكتساب استقلالية مؤسسية ونفوذ أكبر في النظام المالي العالمي.

ومع ذلك، لا يزال هذا النظام في مراحله الأولى، فهو يعمل في سياق خطة على المدى الطويل تتطور تدريجيًا، بحيث تستهدف الأهداف الاستراتيجية التي تكمن في تشكيل هيكل القوة بشكل غير مباشر من خلال البنية التحتية المالية. ومع توسع هذه الشبكات المترابطة، تتمكن الصين من التأثير على الهيكل المالي العالمي بطريقة غير مباشرة.

ويبقي السؤال هنا ما هي العواقب الاقتصادية الفعلية لهذه البنية التحتية، ولا سيما كيفية استخدام المستثمرين التجاريين للأنظمة التي تقودها الدولة، وما إذا كان هذا التحول يمكن أن يحل محل نماذج التمويل القائمة على الديون. علاوة على ذلك، قد تُعيد الاتجاهات الناشئة، مثل التعاون المالي الصيني الروسي، ونظام الدفع بين البنوك عبر الحدود (CIPS)، والتوسع الخارجي لشركات التكنولوجيا المالية الصينية، تشكيل هيكل القوة المالية العالمية.

باختصار، توفر البنية التحتية المالية منظورًا جديدًا لفهم القوة المالية العالمية. ففي حين حافظت الولايات المتحدة لفترة طويلة على تفوقها المؤسسي من خلال سيطرتها على البورصات الرئيسية والتكنولوجيا المالية، تستكشف الصين مسارًا بديلًا للعولمة من خلال بناء نظام سوق رأس مال يتمحور حولها. وتتجاوز الأهمية الحقيقية لمبادرة الحزام والطريق، الموانئ والطرق السريعة والسكك الحديدية؛ إذ تكمن في البنية التحتية المالية الخفية، وإن كانت عميقة التأثير، والتي تؤثر على الاقتصاد العالمي.

د. هند المحلى سلطان

رئيس برنامج الدراسات الآسيوية، باحثة زائرة بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان وجامعة شنغهاي للدراسات الدولية. حاصلة على درجتي الماجستير والدكتوراه في العلاقات الدولية تخصص شؤون صينية من جامعة شنغهاي للدراسات الدولية وجامعة شاندونغ. ترجمت العديد من الكتب والتقارير الرسمية للحكومة الصينية من اللغة الصينية إلى اللغة العربية في مجال السياسة والاقتصاد، ونشرت بعض الأبحاث الأكاديمية المتعلقة بالسياسة الخارجية للصين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى