إندونيسيا نموذجًا.. أية اتجاهات تأخذها ظاهرة العنف الطائفي في دول جنوب شرق آسيا؟

تمثل ظاهرة العنف الطائفي في جنوب شرق آسيا نموذجًا مركبًا للصراعات التي تتجاوز البعد الديني الظاهري لتتداخل مع عوامل تاريخية وسياسية واقتصادية، حيث لا يمكن فهمها في إطار “صراع ديني” تقليدي فحسب، بقدر ما هي انعكاس لإشكاليات بناء الدولة الوطنية، وإدارة التنوع العرقي-الديني، وفشل سياسات الدمج الاجتماعي في عدد من الدول. فهذه المنطقة التي تضم أكثر من 650 مليون نسمة، تُعد واحدة من أكثر مناطق العالم تنوعًا دينيًا، إذ تضم أكبر تجمع للمسلمين في العالم في إندونيسيا، إلى جانب دول ذات أغلبية بوذية مثل تايلاند وميانمار، وأخرى ذات أغلبية مسيحية مثل الفلبين، ما يجعلها بيئة خصبة لتحولات الهوية إلى أدوات صراع سياسي.
وعلى الرغم من أن منطقة جنوب شرق آسيا لم تُصنّف تاريخيًا كأحد مراكز الحروب الطائفية الكبرى مقارنة بالأوضاع في منطقة الشرق الأوسط أو جنوب آسيا، فإن العقود الثلاثة الأخيرة شهدت تصاعدًا ملحوظًا في أنماط العنف الطائفي، سواء في صورة تمردات محلية طويلة الأمد كما في جنوب تايلاند وجنوب الفلبين، أو في صورة عنف مجتمعي واسع كما حدث في إندونيسيا خلال أواخر التسعينيات، أو في أكثر صوره تطرفًا كما في حالة الروهينجا في ميانمار، والتي تمثل نموذجًا واضحًا لتحول الصراع الطائفي إلى سياسة دولة قائمة على الإقصاء والتطهير العرقي.
وفي هذا السياق، يُركّز هذا التحليل على ثلاث حالات رئيسية تمثل أنماطًا مختلفة للعنف الطائفي في المنطقة وهي: إندونيسيا، الفلبين، وتايلاند (جنوب تايلاند)، من حيث البنية الدينية الديموغرافية لفهم الظاهرة، والتطور التاريخي لها، وأسبابها، وتداعياتها.
البنية الدينية والديموغرافية:
لفهم جذور العنف الطائفي جنوبي شرق آسيا، لا بد من تحليل التوزيع الديني في الدول محل الدراسة، حيث يشكل الدين عنصرًا أساسيًا في تشكيل الهوية السياسية والاجتماعية.
(*) إندونيسيا: تُعد أكبر دولة مسلمة في العالم، يشكل المسلمون حوالي 87% من إجمالي السكان، في حين يشكل المسيحيون نحو 10% (بما يشمل الكاثوليك والبروتستانت)، إلى جانب أقليات هندوسية وبوذية. هذا التوزيع، رغم أغلبيته المسلمة، يتسم بتنوع جغرافي حاد، حيث تتركز الأقليات المسيحية في مناطق معينة مثل (مالوكو وسولاويزي)، ما خلق بيئة مناسبة لاندلاع صراعات طائفية محلية خلال فترات الاضطراب السياسي التي شهدتها البلاد.
(*) الفلبين: تمثل المسيحية (خصوصًا الكاثوليكية) حوالي 92% من السكان، بينما يشكل المسلمون نحو 6%، ويتركزون بشكل رئيسي في جزيرة (مينداناو). هذا التوزيع غير المتوازن خلق وضعًا يتم فيه تهميش الأقلية المسلمة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وهو ما ساهم في تحول الصراع من مطالب حقوقية إلى تمرد مسلح ذي بعد ديني.
(*) تايلاند: يشكل البوذيون حوالي 93% من السكان، بينما يشكل المسلمون نحو 5%، ويتمركزون بشكل أساسي في الأقاليم الجنوبية مثل، (باتاني، يالا، ناراثيوات). هذه الجغرافيا الدينية المركزة أنتجت أحد أطول النزاعات منخفضة الحدة في المنطقة.
هذه التوزيعات المختلفة تكشف نمطًا مهمًا وهو أن العنف الطائفي في جنوب شرق آسيا غالبًا ما يحدث في المناطق الطرفية/القروية حيث تتقاطع الهوية الدينية مع التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
التطور التاريخي للظاهرة وأسبابها:
تاريخيًا، لم تكن الصراعات الدينية في جنوب شرق آسيا عنيفة بالشكل الذي شهدته مناطق أخرى، ويرجع ذلك إلى طبيعة انتشار الأديان في المنطقة، حيث دخل الإسلام عبر التجارة والتفاعل الثقافي، وليس عبر الفتوحات، مما أدى إلى تكوين نماذج من التدين المحلي المتسامح نسبيًا. لكن مع نهاية الحقبة الاستعمارية في المنطقة وبداية بناء الدول الوطنية في منتصف القرن العشرين، بدأت تظهر تناقضات حادة بين الهويات المحلية والمركزية السياسية.
وإذا كان العنف الطائفي في جنوب شرق آسيا يظهر في صورته السطحية كصراع ديني، فإن التحليل البنيوي يكشف أن الدين لا يمثل سوى “إطار تعبئة”، بينما تكمن الأسباب الحقيقية في تفاعل معقد بين (تهميش اقتصادي، فشل بناء الدولة، وتسييس الهوية).
ففي إندونيسيا، ظهرت حالة من تحول العنف الطائفي من صراع مجتمعي واسع النطاق إلى تهديد أيديولوجي أكثر انتشارًا لكنه أقل عنفًا ميدانيًا. ففي خلال الفترة 1999–2002، شهدت مناطق (مالوكو وسولاويزي) صراعات دامية بين المسلمين والمسيحيين، حيث تم تدمير قرى بأكملها، ووقعت عمليات قتل جماعي وتهجير قسري واسع النطاق. وقد بلغ عدد الضحايا في هذه الصراعات نحو 5 آلاف قتيل، بينما تجاوز عدد النازحين 700 ألف شخص. لكن التحول الأهم حدث بعد 2010، حيث تراجع العنف المباشر، مقابل صعود أشكال جديدة من التطرف، خاصة مع ظهور جماعات مرتبطة بتنظيم “داعش”، مثل جماعة “أنصار الدولة الإسلامية”. هذا التحول يعكس انتقال العنف من المجال المحلي إلى المجال الشبكي، حيث أصبح التجنيد يتم عبر شبكة الإنترنت، وأصبح التهديد أكثر انتشارًا جغرافيًا وأقل تركيزًا.
وفي الفلبين، لا يمكن فصل العنف الطائفي عن البعد الاقتصادي والسياسي، حيث أن الأقلية المسلمة في (مينداناو) لم تكن فقط أقلية دينية، بل كانت أيضًا مهمشة اقتصاديًا، حيث تسجل المنطقة أعلى معدلات الفقر في البلاد. وقد أدى هذا التهميش إلى ظهور حركات مسلحة، مثل “جبهة مورو الإسلامية للتحرير”، التي خاضت صراعًا طويلًا مع الحكومة، وبلغت ذروة هذا الصراع في معركة (ماراوي) عام 2017، عندما سيطرت جماعات موالية لتنظيم داعش على المدينة، ما أدى إلى دمار واسع ونزوح أكثر من 350 ألف شخص. وعلى الرغم من توقيع اتفاق السلام عام 2014 وإنشاء منطقة (بانجسامورو) ذات الحكم الذاتي، فإن التهديد لم ينتهِ، بل تحوّل إلى خلايا صغيرة مرتبطة بتنظيمات عابرة للحدود.
أما عن جنوب تايلاند، فهو يمثل نموذجًا للصراعات الطائفية الممتدة، حيث تتداخل الهوية الدينية مع القومية العرقية. فالمسلمون في الجنوب ينتمون إلى عرق (الملايو)، ويختلفون ثقافيًا ولغويًا عن الأغلبية التايلاندية البوذية. ومنذ عام 2004، شهدت المنطقة آلاف الهجمات، استهدفت المدنيين والمعلمين ورجال الأمن، وأسفرت عن مقتل ما يقرب من 7 آلاف شخص. ويتميز هذا الصراع بأنه منخفض الحدة، مستمر زمنيًا، وغير قابل للحسم العسكري وهو ما يجعله أحد أخطر أشكال العنف الطائفي من حيث الاستنزاف طويل الأمد.
ومن هنا يظهر أن العامل الحاسم هو أن الدين يتقاطع مع العرق والجغرافيا والاقتصاد وغيرهم، بحيث تتحول المناطق الطرفية إلى بؤر توتر، لا سيما عندما تقترن ب (ضعف الحوكمة، التفاوت الاقتصادي والمعيشي، القمع الأمني). وفي هذا السياق، تشير الأبحاث والدراسات الميدانية إلى أن ظاهرة العنف في جنوب شرق آسيا ترتبط بشكل واضح بالمناطق الفقيرة أو الريفية، حيث ترتفع معدلات العنف السياسي بنسبة ملحوظة في المناطق ذات الاعتماد الزراعي المرتفع، خاصة في مواسم التغيرات الاقتصادية.
تداعيات الظاهرة (محليًا، إقليميًا، دوليًا):
ثمة تداعيات تعكسها هذه الظاهرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، هي:
١. على المستوى الداخلي: يؤدي العنف الطائفي إلى إضعاف شرعية الدولة، خاصة عندما تفشل في حماية مواطنيها أو تُتهم بالانحياز لطرف دون آخر، ما يؤدي مع الوقت إلى تفاقم الظاهرة، لاسيما في المناطق المتطرفة والبعيدة.
ففي إندونيسيا، أدى العنف في (مالوكو) إلى تراجع ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، خاصة مع اتهامات للجيش والشرطة بالتواطؤ أو العجز عن منع الهجمات.
وفي جنوب تايلاند، أدى استمرار العنف إلى خلق ما يشبه “الدولة داخل الدولة”، حيث تسيطر الجماعات المسلحة بشكل غير مباشر على بعض المناطق، مما يحد من قدرة الحكومة على فرض سيطرتها الكاملة.
أما في الفلبين، فقد أدى الصراع إلى إبطاء التنمية الاقتصادية في (مينداناو)، حيث تظل المنطقة من بين الأفقر في البلاد، وهو ما يعيد إنتاج العنف في حلقة مفرغة.
٢. على المستوى الإقليمي: العنف الطائفي في جنوب شرق آسيا لا يبقى محصورًا داخل حدود الدولة فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الدول المجاورة عبر تدفقات اللاجئين، تهريب السلاح، وانتقال الجماعات المسلحة. فعلى سبيل المثال، ترتبط حركات التمرد في جنوب تايلاند بشبكات دعم غير رسمية عبر الحدود مع ماليزيا، بينما ترتبط بعض الجماعات في الفلبين بشبكات إقليمية أوسع. كما أن تصاعد أي صراع في دولة واحدة يمكن أن يؤدي إلى تأثير العدوى، حيث تستلهم جماعات أخرى نفس النمط من المقاومة أو العنف.
٣. على المستوى الدولي: يمثل العنف الطائفي في المنطقة نقطة جذب للجماعات المتطرفة العابرة للحدود، مثلما حدث يعد صعود تنظيم داعش، الذي حاول توسيع نفوذه في جنوب شرق آسيا، خاصة في الفلبين وإندونيسيا. وقد تجلى ذلك بوضوح في معركة (ماراوي)، التي تم اعتبارها أول محاولة حقيقية لإقامة ولاية تابعة لتنظيم داعش خارج منطقة الشرق الأوسط. كما أن هذه الصراعات من شأنها أن تؤثر على الاستثمارات الأجنبية، سلاسل الإمداد، وكذلك الأمن البحري في المنطقة.
تقييم الظاهرة (تصاعد أم انحسار؟):
تشير التحليلات الاستراتيجية المتعلقة بظاهرة العنف الطائفي في جنوب شرق آسيا إلى أنها لم تنتهِ، لكنها تغيّرت في طبيعتها. فمن ناحية، هناك مؤشرات واضحة على تراجع العنف واسع النطاق مثل: انتهاء صراعات كبرى مثل آتشيه في إندونيسيا، اتفاقيات السلام في الفلبين، وانخفاض عدد الضحايا السنوي في جنوب تايلاند مقارنة بذروة 2004–2010.
لكن من ناحية أخرى، هناك تحولات أكثر خطورة مثل: انتقال العنف إلى شكل منخفض الحدة لكنه طويل الأمد، صعود التطرف الشبكي عبر الإنترنت، وزيادة الطابع اللامركزي للجماعات المسلحة. وبالتالي يمكن توصيف المرحلة الحالية بأنها “إعادة تشكّل” وليس انحسارًا حقيقيًا للظاهرة. حيث انتقل العنف من صراعات جماعية واسعة إلى تهديدات متفرقة، غير مركزية، وأكثر صعوبة في الاحتواء.
وختامًا، يكشف تحليل ظاهرة العنف الطائفي في جنوب شرق آسيا أن المنطقة لا تعاني من “صراع ديني” بالمعنى التقليدي، بقدر ما تواجه أزمة بنيوية في إدارة التعددية داخل الدولة الوطنية. فالدين، رغم حضوره الكثيف في الخطاب والصراع، يظل في جوهره أداة تعبئة سياسية واجتماعية تُستخدم في سياقات أعمق تتعلق بإعادة توزيع السلطة والثروة والهوية. ومن هنا، فإن استمرار العنف الطائفي لا يمكن عزله عن إشكاليات الدولة الهشة، والاختلالات التنموية، وفشل نماذج الاندماج الوطني في استيعاب التنوع العرقي–الديني.
كما تكمن خطورة المرحلة الراهنة في أن العنف الطائفي لم يعد يعتمد فقط على الانقسامات المحلية، بل أصبح متشابكًا مع ديناميكيات عابرة للحدود، سواء عبر شبكات التطرف الدولي أو عبر الفضاء الرقمي، الذي أتاح إعادة إنتاج خطاب الكراهية والتجنيد خارج القيود الجغرافية التقليدية. وهو ما يعني أن الظاهرة لم تعد مجرد تحدٍ أمني داخلي، بل تحولت إلى تهديد مركب يمتد من المحلي إلى الإقليمي والدولي، مع قابلية عالية لإعادة الاشتعال في أي لحظة تتوافر فيها شروط الأزمة.
وعليه، فإن أي مقاربة فعّالة لمواجهة العنف الطائفي في جنوب شرق آسيا لا يمكن أن تقتصر على الحلول الأمنية فقط، بل يجب أن تنطلق من معالجة الجذور البنيوية للصراع، من خلال تعزيز الحوكمة الرشيدة، وتقليص الفجوات التنموية بين المركز والأطراف، وإعادة صياغة العقد الاجتماعي بما يضمن تمثيلًا عادلًا للهويات المختلفة داخل الدولة. فبدون هذه المعالجة الشاملة، سيظل العنف الطائفي يتخذ أشكالًا جديدة، حتى وإن بدا ظاهريًا في حالة تراجع.
المصادر
*) Pew Research Center. The Future of World Religions: Population Growth Projections, Washington, DC, 2015.
*) Philippine Statistics Authority. Religious Affiliation in the Philippines (2020 Census).
*) International Crisis Group. Indonesia: Violence in Maluku. Brussels, 2000.
*) Deep South Watch. Statistics of Violence in Southern Thailand, 2004–2023.
*) United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR). Marawi Crisis Displacement Report, 2017.
*) Hastings, Justin, and David Ubilava. (Agricultural Roots of Social Conflict in Southeast Asia). 2023.