التحرك المأزوم: هل انتقل الإرهاب في الساحل من الاستنزاف إلى السيطرة؟

تكشف الهجمات التي وقعت في مالي خلال اليومين الماضيين عن انتقال نوعي في نشاط الجماعات المسلحة، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، الفرع المرتبط بتنظيم القاعدة في الساحل، إلى جانب جبهة تحرير أزواد ذات الخلفية الطوارقية الانفصالية.

فالهجوم لم يقتصر على عملية محدودة أو كمين ضد دورية عسكرية، بل جاء في صورة ضربات متزامنة استهدفت باماكو وكاتي وغاو وموبتي وسيفاري وكيدال، مع استهداف وزير الدفاع المالي ومواقع عسكرية وسيادية، وهو ما يجعله أقرب إلى عملية تمرد مسلح واسعة النطاق منه إلى عملية إرهابية تقليدية.

وقد ذكرت وكالة رويترز أن هذه الهجمات أظهرت مستوى غير مسبوق من التعاون بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد، بما يرفع مستوى التهديد من مجرد عنف جهادي منفصل إلى تهديد مركب يجمع بين المشروع الأيديولوجي والمطلب الانفصالي في آن واحد.

تحول استراتيجي:

اعتمدت العمليات السابقة للجماعات المتطرفة في مالي، في الأغلب، على استهداف الكمائن، وزرع العبوات الناسفة، ومهاجمة الدوريات، وشن هجمات خاطفة على ثكنات معزولة. أما الهجوم الأخير فيكشف عن نمط مختلف؛ إذ استهدف مركز القرار العسكري والسياسي، وضرب مواقع متعددة في وقت واحد، ما أحدث أثرًا نفسيًا وإعلاميًا واسعًا.

وتكمن دلالة ذلك في أن الجماعة لم تعد تبحث فقط عن إيقاع خسائر ميدانية، بل تسعى إلى صناعة حالة أمنية توحي بأن الدولة فقدت السيطرة، وأن العاصمة ذاتها لم تعد بعيدة عن دائرة التهديد.

وهنا تظهر المقارنة مع هجوم سبتمبر ٢٠٢٤ على باماكو، حين نفذت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هجومًا كبيرًا على مدرسة الدرك في فالادي ومطار موديبو كيتا الدولي، وأدى الهجوم ـ وفق رويترز ـ إلى مقتل نحو ٧٠ شخصًا، كما تم استهداف منشآت عسكرية ومعدات داخل محيط المطار. أما هجمات أبريل ٢٠٢٦ فتجاوزت تلك السابقة؛ لأنها لم تكتفِ بضرب منشأة أمنية أو مطار، بل امتدت إلى استهداف وزير الدفاع ذاته، وضرب أكثر من مدينة وموقع في وقت متزامن.

وتكمن الدلالة هنا في أن الجماعة تطور استراتيجية عملياتها من فعل عسكري محدود إلى تخطيط استراتيجي شامل؛ فهي تستهدف توصيل رسالة مفادها أنها قادرة على ضرب القيادة، وإرباك العاصمة، وتحريك جبهات الأطراف في وقت واحد، وهي ذاتها استراتيجية الإرباك والإنهاك التي وردت في أدبيات ما يُعرف بـ”إدارة التوحش”.

تنسيق خطر:

الجانب الأخطر في هذه الهجمات ظهر في طبيعة التحالف بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد.

فالأولى جماعة جهادية عابرة للحدود، تنطلق من هدف أيديولوجي يسعى إلى إقامة حكم ديني متطرف في الساحل، بينما الثانية حركة طوارقية انفصالية ترتبط بسياق محلي قديم يتعلق بشمال مالي وأزواد. ورغم اختلاف الهدف النهائي بين الطرفين، فإن التقاءهما في عملية واحدة يعني أن القاسم المشترك المتمثل في عداء الدولة المركزية أصبح إطارًا وظيفيًا يمكن توظيفه لتحقيق أهداف متقاطعة. وتشير هذه الشراكة الميدانية إلى ما يمكن تسميته تداخل الإرهاب مع التمرد المسلح.

فالجماعات الإرهابية تستفيد من معرفة الفصائل الطوارقية بالأرض وشبكاتها الاجتماعية والقبلية، بينما تستفيد الفصائل الانفصالية من القوة القتالية والدعاية الجهادية، ومن قدرة الجماعات الإرهابية على إنهاك الجيش واستنزافه.

لذلك؛ يصبح الخطر هنا مضاعفًا؛ لأن الدولة في هذه الحالة لا تواجه تنظيمًا محددًا يمكن تحييده بالتصفية أو الاعتقالات، بل تواجه شبكة مصالح قتالية مؤقتة تتقاطع عند هدف إضعاف المركز.

دلالة جغرافية وسياسية:

في سياق متصل، تشير الحالة المالية ـ بعد أن تجاوز النشاط المسلح الأطراف الشمالية والمناطق الحدودية ووصل إلى كاتي القريبة من باماكو واقترب من قلب الدولة ـ إلى تطور مفصلي في مسار الصراع.

فالمناطق المستهدفة تحمل أهمية خاصة باعتبارها رمزًا للسلطة العسكرية الحاكمة في مالي، إذ تضم قاعدة عسكرية مركزية ترتبط بتاريخ الانقلابات وبمركز ثقل المؤسسة العسكرية، لذلك فإن استهدافها يعد بمثابة ضرب مباشر لهيبة النظام القائم.

وبالنظر إلى خط المسار المستهدف، نجد أن الجماعة فرضت في عام ٢٠٢٥ حصارًا على إمدادات الوقود باتجاه باماكو، ما تسبب في إحداث شلل واسع في العاصمة.

وقد كان هذا الحصار بمثابة حرب اقتصادية غير مباشرة استهدفت تعطيل الحياة اليومية، وخلق ضغط شعبي على الحكومة، وإظهار قدرة الجماعة على التأثير في العاصمة دون الحاجة إلى احتلالها عسكريًا. ثم جاءت هجمات ٢٠٢٦ لتضيف إلى الحصار الاقتصادي نمطًا أكثر جرأة، هو الاستهداف العسكري المباشر لمركز الدولة.

إذن؛ نحن أمام تسلسل واضح بدأ بحصار اقتصادي، ثم إنهاك اجتماعي، ثم هجوم رمزي على العاصمة، وصولًا إلى استهداف قيادة سيادية. وهذا التسلسل يكشف أن الجماعة لا تتحرك بعشوائية، بل وفق استراتيجية إنهاك متدرج تتصاعد مراحلها بمرور الوقت.

أداة دعائية:

هذا النوع من العمليات دائمًا ما يُستثمر بوصفه أداة دعائية لزيادة معدلات التجنيد. فالجماعات الإرهابية في الساحل، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، تعتمد على تحويل العمل العسكري ـ خاصة في حال تحقيق نجاح ميداني ـ إلى مادة للتعبئة، من خلال إصدار بيانات ومقاطع مصورة ورسائل موجهة للأنصار، وخطاب إعلامي يركز على إبراز عجز الدولة.

وفي أدبيات هذه الجماعات لا يُقاس تأثير العمليات بعدد القتلى فقط، بل بقدرتها على صناعة رمزية سياسية ونفسية داخل الجمهور المستهدف.

فإذا استطاعت الجماعة استهداف رمز سيادي أو الاقتراب من هدف مركزي، فإنها توظف ذلك في ثلاثة اتجاهات رئيسية، هي رفع معنويات عناصرها، جذب مجندين جدد، وإقناع المجتمعات المحلية بأن الدولة أضعف مما تبدو عليه، بما يسهل لاحقًا بسط النفوذ والسيطرة.

وتتزايد خطورة هذا البعد في منطقة الساحل؛ لأن المنطقة أصبحت بالفعل أحد المراكز العالمية لنشاط الجماعات الإرهابية. فقد أشار مؤشر الإرهاب العالمي لعام ٢٠٢٥ إلى أن منطقة الساحل استحوذت على ٥١٪ من وفيات الإرهاب عالميًا في عام ٢٠٢٤، ما يعني أن البيئة المحلية لم تعد مجرد بيئة اضطراب، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة للتجنيد والتنافس والصراع على النفوذ.

دلالات المشهد:

بناءً على ما تقدم؛ يحمل المشهد المالي عدة دلالات يمكن استخلاصها من سياق الأحداث على النحو التالي:

(*) تحول النشاط المسلح من نمط الاستنزاف إلى نمط السعي للسيطرة، بما يعني أن الجماعات لم تعد تستهدف إرباك الدولة فقط، بل تسعى إلى استعراض قدرتها على إدارة مناطق نفوذ فعلية، وهو ما يضع دول الساحل أمام مرحلة صراع على السلطة وليس مجرد مواجهة أمنية محدودة.

(*) تزايد احتمالات اندماج الإرهاب مع الحركات الانفصالية في تحالفات ميدانية مؤقتة، بما يعكس تطورًا في عقلية الجماعات المسلحة نحو توظيف التناقضات المحلية لتحقيق أهداف مشتركة، حتى وإن اختلفت الأيديولوجيا أو تباينت الدوافع، وهو ما يضاعف مستوى التهديد ويعقّد أدوات المواجهة التقليدية.

(*) تكرار العمليات المركبة والمتزامنة في أكثر من موقع يشير إلى تطور ملحوظ في قدرات التخطيط والقيادة والسيطرة لدى الجماعات، بما يعكس انتقالها من مرحلة الفعل التكتيكي المحدود إلى إدارة عمليات ذات عمق استراتيجي منسق، وقد انعكس ذلك بوضوح في رمزية استهداف القيادات والرموز العسكرية والسيادية.

(*) تحول العمليات إلى أدوات دعائية يعد مؤشرًا على أن الجماعات تستهدف توظيف كل هجوم كرسالة سياسية وإعلامية من أجل ترسيخ صورة الدولة العاجزة وتعزيز سردية الصعود الجهادي. وقد اتضح ذلك من انتشار مقاطع فيديو لقوافل مسلحين تجوب شوارع كاتي في مشهد يحمل دلالات استعراض القوة وفرض السيطرة وبث الرعب داخل المجال العام.

سيناريوهات مستقبلية:

مما سبق يمكن قراءة المعطيات واستخلاص السيناريوهات المحتملة على النحو التالي:

(-) السيناريو الأول،- سيناريو التصعيد المتدرج: استمرار الجماعات في تنفيذ عمليات نوعية تستهدف رموز الدولة ومؤسساتها الحيوية، مع توسيع نطاق النشاط داخل المدن ومحيط العواصم، بما يؤدي إلى حالة إنهاك أمني واقتصادي متواصل دون الوصول إلى سيطرة كاملة، وهو سيناريو يراهن على إطالة أمد الصراع واستنزاف قدرات الدولة تدريجيًا.

(-) السيناريو الثاني،- سيناريو السيطرة الجزئية: نجاح الجماعات في فرض نفوذ فعلي على مناطق محددة قرب العواصم أو على طرق الإمداد الحيوية، بما يحول بعض المناطق إلى بؤر نفوذ شبه مستقلة، ويخلق واقعًا أمنيًا جديدًا تتراجع فيه قدرة الدولة على فرض سيادتها الكاملة، دون أن يصل الأمر إلى انهيار شامل.

(*) السيناريو الثالث،- سيناريو الفوضى المركبة: تصاعد التنافس بين الجماعات المسلحة نفسها على مناطق النفوذ، بالتوازي مع ضعف قدرة الدولة على الحسم، ما يؤدي إلى تعدد مراكز القوة المسلحة وارتفاع معدلات العنف داخل المدن والمناطق الحيوية، وهو سيناريو يهدد بتحول الصراع من مواجهة بين الدولة والجماعات إلى صراع داخلي متعدد الأطراف.

(-) الرابع،- سيناريو الاحتواء عالي التكلفة: نجاح الدولة في منع سقوط المدن الكبرى أو انهيار مؤسساتها، مع استمرار العمليات الإرهابية بوتيرة مرتفعة واستنزاف الموارد العسكرية والاقتصادية، وهو السيناريو الأكثر واقعية والأقرب للتحقق في المدى القريب، بحيث تبقى الدولة قائمة لكنها تعمل تحت ضغط أمني دائم.

أخيرًا؛ يظهر نموذج الجماعات الإرهابية في الساحل أن العنف، مهما بدا قادرًا على إرباك الدولة أو إحداث صدمة في المجتمع، يظل في جوهره تعبيرًا عن أزمة فكرية قبل أن يكون مجرد خيار أمني. فالجماعات التي تبني مشروعها على السلاح لا تملك تصورًا حقيقيًا لبناء الدولة، ولا رؤية متماسكة لإدارة المجتمع، لأنها تنطلق من منطق الغلبة لا من منطق المسؤولية، ومن ثقافة الصراع لا من ثقافة التنظيم.

لذلك؛ فإن مشروع هذه الجماعات يظل مشروعًا مأزومًا في فلسفته قبل أن يكون محدودًا في قدرته؛ لأنه يقوم على تصور للعالم يرى السلطة غنيمة لا مسؤولية، ويرى المجتمع ساحة صراع لا مجال تعايش، وهو تصور يحمل في داخله بذور فشله، حتى وإن طال أمد الصراع أو اتسعت دائرة العنف.

أسماء دياب

د. أسماء دياب، المدير التنفيذي للمركز، ورئيس برنامج دراسات التطرف والإرهاب، دكتوراه في القانون الدولي- كلية الحقوق جامعة عين شمس، حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة، وحاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. وحاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة، خبيرة في شئون الحركات الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى