التآكل التدريجي: إلى أين تتجه أوبك بعد انسحاب الإمارات؟

لم يعد ما يحدث داخل سوق الطاقة العالمي مجرد تغيرات فنية أو تحركات إنتاجية عابرة، بل أصبح انعكاسًا لتحولات أعمق في بنية النظام النفطي العالمي، خاصة في ظل تراجع القدرة التاريخية لمنظمة أوبك على ضبط إيقاع السوق كما في السابق، وتزامن ذلك مع تصاعد التوترات الجيوسياسية التي تهدد تدفقات إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وهو ما يجعل قرار انسحاب الإمارات من المنظمة جزءًا من سياق أوسع يتجاوز حدود التنظيم النفطي التقليدي ليصل إلى إعادة تعريف موازين القوة داخل سوق الطاقة العالمي.

فهل يمثل هذا الانسحاب بداية تفكك تدريجي لمنظومة أوبك، أم أنه يعكس انتقال السوق إلى مرحلة جديدة من إعادة تشكيل قواعد الطاقة العالمية؟

صراع الحصص وتأثيرالانسحاب:

داخل تحالف أوبك+، كانت الإمارات تتحرك في مساحة ضيقة بين قدراتها الإنتاجية الفعلية التي تتجاوز أربعة ملايين برميل يوميًا، والحصص المفروضة عليها والتي تقل عن ذلك بنحو 700 إلى 900 ألف برميل يوميًا في بعض الفترات، وهو ما يمثل فجوة اقتصادية مباشرة في ظل أسعار نفط تدور بين 75 و90 دولارًا للبرميل. هذا التباين خلق حالة من الضغط المتزايد، خاصة مع تمسك السعودية بسياسات خفض الإنتاج لدعم الأسعار، ما وضع الإمارات أمام معادلة صعبة بين الالتزام الجماعي وتعظيم العائد، لتنتهي في النهاية إلى اختيار الاستقلال كخيار استراتيجي.

وعلى ماسبق، يمكن القول إن خروج الإمارات العربية المتحدة، يمثل ضربة واضحة لهيكل التوازن داخل أوبك، خاصة أنها كانت من بين أكبر خمسة منتجين بإنتاج يتراوح بين 3.2 و3.5 مليون برميل يوميًا، وهو ما يقارب عُشر إنتاج المنظمة. الأهم من ذلك أن الإمارات لم تكن مجرد رقم في معادلة الإنتاج، بل كانت لاعبًا مرنًا يوازن بين اتجاهات متباينة داخل التكتل. ومع تكرار سيناريو الانسحاب الذي بدأته قطر، يتعزز اتجاه التآكل التدريجي داخل المنظمة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرتها على الحفاظ على تماسكها في المدى المتوسط.

الانعكاسات على سعر النفط:

يتحرك سوق النفط حاليًا في مساحة معقدة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية مع التوترات السياسية، فزيادة الإنتاج خارج إطار أوبك قد تضيف ما بين نصف مليون إلى مليون برميل يوميًا، وهو ما يشكل ضغطًا هبوطيًا على الأسعار، بينما في المقابل يمكن لأي تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران أن يدفع الأسعار للارتفاع بنسب قد تصل إلى 10 أو 20% في فترات زمنية قصيرة. هذا التناقض يضع سعر البرميل في نطاق واسع يتراوح بين 70 و110 دولارات، ويجعل السوق أكثر حساسية لأي تطور سياسي أو أمني.

بالتالي، لا يبدو المشهد القادم محسومًا في اتجاه واحد، بل يتشكل عبر مجموعة من السيناريوهات المحتملة التي تبدأ من تماسك نسبي داخل أوبك بقيادة السعودية عبر سياسات خفض إنتاج إضافية قد تصل إلى مليون أو مليوني برميل يوميًا، وتمر بإمكانية حدوث تفكك تدريجي في حال خروج أعضاء آخرين، وتنتهي عند سيناريو أكثر تعقيدًا يتمثل في صعود تحالفات مرنة خارج الإطار المؤسسي التقليدي. في هذا السياق، يتحول السوق من نموذج “تنظيم مركزي” إلى نموذج “إدارة توازنات” تتحكم فيه المصالح المتغيرة.

استراتيجية مؤثرة:

تتحرك الإمارات وفق رؤية استراتيجية واضحة تستهدف رفع طاقتها الإنتاجية إلى نحو خمسة ملايين برميل يوميًا بحلول عام 2030، مع ضخ استثمارات ضخمة في قطاع النفط والغاز، بالتوازي مع التوسع في الطاقة المتجددة التي تستهدف الوصول إلى أكثر من 14 جيجاوات خلال السنوات المقبلة. هذا التوجه يعكس محاولة لبناء نموذج مزدوج يجمع بين تعظيم العوائد الحالية من النفط، والاستعداد لمرحلة ما بعد النفط، بما يضمن للإمارات موقعًا متقدمًا في خريطة الطاقة العالمية.

وفي ظل هذا التحول، لم يعد أوبك+ قادرًا بمفرده على فرض السيطرة على السوق، خاصة مع صعود قوى إنتاجية كبرى خارج الإطار التقليدي، حيث تنتج الولايات المتحدة ما يزيد على 12 إلى 13 مليون برميل يوميًا، بينما تحافظ روسيا على مستويات تقارب 10 ملايين برميل يوميًا. هذه المعطيات تعني أن نسبة كبيرة من الإنتاج العالمي باتت خارج سيطرة أوبك، ما يدفع نحو ظهور نماذج جديدة من التحالفات المرنة القائمة على المصالح وليس الالتزامات المؤسسية.

انعكاسات القرار على الداخل والأسواق الأخرى:

تجدرة الإشارة إلى أن تجربة قطر، تمثل مثالًا مهمًا على إعادة التموضع بعد الخروج من أوبك، حيث تحولت إلى التركيز على الغاز الطبيعي، ونجحت في تعزيز مكانتها كأحد أكبر مصدري الغاز المسال في العالم بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 77 مليون طن سنويًا، مع خطط للوصول إلى 126 مليون طن. هذه التجربة تشير إلى أن الانسحاب من التكتل لا يعني التراجع، بل قد يمثل فرصة لإعادة توجيه الاستراتيجية نحو مجالات أكثر ربحية.

لكن من المرجح أن يمتد تأثير هذه التحولات إلى اقتصادات الدول المستوردة للطاقة، وفي مقدمتها مصر، حيث تمثل أي زيادة بمقدار 10 دولارات في سعر البرميل عبئًا إضافيًا بمليارات الجنيهات على الموازنة العامة. ومع ذلك، فإن حالة التقلب في السوق قد تفتح فرصًا لتعزيز دور مصر كمركز إقليمي للطاقة، خاصة في مجالات الغاز الطبيعي وتسييله وإعادة تصديره، وهو ما يمنحها مساحة للتحرك داخل هذا المشهد المتغير.

بالتالي، يمكن القول إن ما يحدث اليوم لا يمكن عزله عن سياق أوسع يتمثل في تراجع فاعلية المؤسسات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، وصعود نظام عالمي أكثر سيولة وتعددًا في مراكز القوة. في سوق الطاقة تحديدًا، لم يعد النفط وحده هو العامل الحاسم، بل دخلت الطاقة المتجددة، والشركات الكبرى، والتحالفات المؤقتة كعناصر مؤثرة تعيد رسم خريطة النفوذ العالمي.

في الخاتمة، لم يعد انسحاب الإمارات مجرد خطوة تنظيمية داخل منظمة نفطية، بل تحول إلى مؤشر على انتقال سوق الطاقة إلى مرحلة جديدة تتسم بتعدد الأقطاب وغياب مركز قيادة واحد، حيث تتراجع فاعلية النماذج التقليدية لصالح توازنات أكثر مرونة تحكمها المصالح المتغيرة والتحالفات المؤقتة. إنها مرحلة أقل استقرارًا، لكنها في الوقت نفسه تعكس إعادة تشكيل خريطة النفوذ في سوق الطاقة العالمي، وفتح المجال أمام قوى جديدة لإعادة صياغة قواعد اللعبة في واحد من أهم أسواق العالم.

د. نورهان العباسي

د. نورهان العباسي، نائب أول مدير المركز للدراسات و البحوث ورئيس برنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة أستاذ مساعد الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. حصلت على درجة الدكتوراه في الصحافة والإعلام من جامعة وستمنستر بالمملكة المتحدة. الباحثة عملت في العديد من مراكز الفكر العربية والدولية منها في مصر وقطر والمملكة المتحدة، وهي متخصصة في مجالات الاقتصاد السياسي للإعلام، وإدارة الأزمات الإعلامية، ودراسات التحولات المجتمعية في الدول العربية، هذا بالإضافة إلى قضايا المرأة والأقليات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى