تحالف الضرورة: هل يتحول التفاهم بين الطوارق والمتطرفين في مالي إلى صراع؟

سناء عوض الله- باحثة ببرنامج السياسات العامة.
في الخامس والعشرين من أبريل 2026م، قامت جماعات الطوارق بالتحالف مع مجموعات جهادية مسلحة – جماعة نصرة الإسلام والمسلمين – التابعة لتنظيم القاعدة، بشن مجموعة هجمات منسقة استهدفت العاصمة باماكو وعدة مدن في الشمال والوسط، وبعض مراكز اتخاذ القرار، في تصعيد يُعد الأكبر منذ سنوات. وقد أسفر هذا الهجوم عن اغتيال وزير الدفاع ساديو كامارا خلال عملية انتحارية استهدفت منزله، والسيطرة على مدينة كيدال التي كان قد استولى عليها “فيلق أفريقيا” عام 2023م، بالإضافة إلى بعض المدن الشمالية، في ظل تراجع قدرة القوات النظامية على الاحتفاظ بمواقعها.
ويُثير هذا التطور الأمني الخطير عدة إشكاليات تتعلق بطبيعة التحالفات بين الحركات الطوارقية والجماعات الجهادية من حيث شكل هذا التحالف وحدوده ومستواه، بالإضافة إلى محاولة التعرف على ما إذا كان هذا التحالف تحالفًا عملياتيًا مؤقتًا، أم أنه قابل للاستمرار وإعادة التشكل أو التفكك وفقًا لمعطيات الواقع.
تحالف الضرورة لا تحالف الأيديولوجية:
قراءة وتحليل العلاقة بين الطوارق والجماعات الإرهابية، تشير إلى أن التحالف بينهما غير قائم على أي تقارب أيديولوجي أو عقائدي، بل ينطلق من منطق الضرورة الاستراتيجية أو ما يُعرف بتقارب المصالح. فبينما يسعى الطوارق إلى تأسيس حكم ذاتي علماني في شمال مالي، وحفظ حقوق الأزواد والتخلص من التهميش والظلم، كانت الجماعات الإرهابية – وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين – تهدف إلى تأسيس حكم إسلامي في شمال مالي قائم على تطبيق أحكام الشريعة، بما يُوفر لها غطاءً يُضفي الشرعية على وجودها، ويُسهل حركتها وانتشارها عبر الصحراء، ويساعدها في التوسع عبر الحدود وتحقيق مصالحها.
وبالتالي، فإن التحالف بين الطوارق والجماعات الإرهابية ليس تحالفًا أيديولوجيًا، وإنما تحالف ميداني؛ إذ تهدف جماعات الطوارق إلى تعزيز قوتها العسكرية في مواجهة الحكومة المركزية من خلال الاستفادة من قدرات هذه الجماعات.
يتمثل هذا التحالف في اقتسام الطوارق والجماعات الإرهابية لمناطق النفوذ فيما بينهم؛ فبينما تُعد مناطق الساحل – خاصة الأجزاء الشمالية – مثل تمبكتو وغاو وكيدال مناطق لنفوذ الطوارق وعملياتهم العسكرية ضد حكومات مالي، فإن وسط مالي يُعد أبرز مناطق نفوذ الجماعات الإرهابية، مع تمتعها بحرية الحركة من خلال الطوارق في الأجزاء الشمالية. كما يشمل هذا التحالف تأمين طرق الإمداد للطوارق القادمة من الجزائر، أو للجماعات الإرهابية القادمة من الدول الداعمة، إلى جانب عمل بعض عناصر الطوارق مع الجماعات الإرهابية في عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات عبر الصحراء، واستفادة الجماعات الإرهابية من خبرة الطوارق بالصحراء وطرقها في عمليات إخفاء العناصر المطلوبة، وفي التهريب، فضلًا عن تبادل المعلومات الاستخباراتية بينهم.
كان هذا التحالف في بدايته هشًا، وكانت الاتهامات المتبادلة والاختلافات الأيديولوجية هي السمة المميزة لهذه العلاقة بين الطوارق والجماعات الإرهابية، ثم أخذ شكلًا أكثر قوة خلال الفترات الأخيرة، نتيجة لضعف سلطة ونفوذ الدولة، وانتشار الفراغ الأمني، وعجز المجلس العسكري عن تحقيق هدفه الأول من تسلمه السلطة عقب الانقلاب العسكري في عام 2020، حين أعلن أن الهدف هو نشر الأمن في الدولة وتسليم السلطة لحكومة منتخبة في يونيو 2025. إلا أن المجلس أعلن لاحقًا استكمال سلطته لمدة أربع سنوات بداية من يوليو 2025، دون إجراء انتخابات.
كما أسهم انسحاب القوات الدولية والفرنسية من أماكن النزاع، وتقليص الوجود العسكري الدولي، في فتح المجال أمام الجماعات المسلحة ومنحها مساحة أكبر للحركة والتوسع، بالإضافة إلى تزايد شعور الطوارق بالتهميش الاقتصادي والسياسي، مما دفعهم إلى التحالف مع الجماعات الإرهابية والمسلحة لتحقيق مكاسب ذاتية وتوفير حماية عسكرية.
يذكر أنه حدث نوع من التحالف غير المنسق لأول مرة في عام 2012م، عندما أعلن متمردو الطوارق السيطرة على الشمال وإقامة دولة أزواد، وأعقب ذلك محاولة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مساعدة الطوارق في السيطرة على مدن رئيسية مثل تمبكتو وغاو عام 2013. ثم جاء التنسيق المسبق والمعلن في الهجمات التي تم شنها على الحكومة المركزية في 25 أبريل 2026، حيث أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة في بيان أنها مسؤولة عن الهجمات المنسقة في مالي بالاشتراك مع جبهة تحرير أزواد التي يسيطر عليها الطوارق، وفق ما نقلته مجموعة “سايت إنتليغنس”، وذلك في كاتي بالقرب من مطار باماكو، وفي مدن وبلدات في الشمال، منها موبتي وغاو وكيدال.
وقد أسفرت هذه العمليات عن مقتل وزير الدفاع وزوجته من خلال سيارة مفخخة استهدفت منزلهما، وسيطرة الطوارق على كيدال وأجزاء من الشمال. ويُمثل هذا النوع من التحالف أخطر مستوى وصلت إليه العلاقات بين الطرفين، إذ يعكس تجاوز الخلافات الأيديولوجية العميقة لمواجهة “العدو المشترك” المتمثل في الجيش المالي ومقاتلي “فيلق أفريقيا” الروسي، المعروف سابقًا باسم “فاغنر”. ويجمع هذا التحالف بين خبرة الطوارق في الصحراء وحرب العصابات، وبين القدرات المالية واللوجستية والعمليات الانتحارية التي تتقنها الجماعات المتطرفة.
وعلى الرغم من أن التحالف قد وصل إلى مستويات غير مسبوقة من قبل، إلا أنه ما زال لا يتعدى كونه تحالفًا ميدانيًا يقتصر على الدعم العسكري، دون أن يتجاوز ذلك إلى الاندماج التنظيمي؛ فكل طرف ما زال محتفظًا بهيكله التنظيمي وعقيدته المستقلة دون الانخراط في هيكل تنظيمي واحد. فعلى المستوى العسكري، يحدث التنسيق بين الأطراف في تنفيذ الهجمات لتجنب الاشتباكات بينهم داخل مناطق النفوذ.
مستقبل التحالف.. الاستمرار والتفكك:
يُمثل التحالف بين الطوارق والجماعات الإرهابية تحالف مصالح قائم على فكرة وجود العدو المشترك – الدولة – إذ إن هذا التحالف غير قائم على مشروع سياسي موحد أو بنية تنظيمية وهيكلية مشتركة. فبينما تسعى الطوارق إلى تحقيق الحكم الذاتي في إقليم أزواد، تسعى الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، إلى التوسع عبر الحدود وتقويض فكرة الدولة القومية. ومع ذلك، فإن تحالف الطرفين ضد الدولة المركزية خلق فرص تعاون مؤقتة فرضتها المصالح.
وفيما يتعلق بسيناريو استمرارية التحالف، فإن استمرار هذا التحالف يظل مرهونًا بضعف الدولة، وفشلها في تحقيق تسوية سياسية شاملة، ودمج الحركات الانفصالية ضمن مؤسساتها، وعدم قدرتها على بسط نفوذها على كافة أجزاء إقليمها، مما يخلق فرصًا للجماعات الإرهابية لإبرام تحالفات مع الفصائل المعارضة، ورغبة هذه الفصائل في تحقيق توازن عسكري مع الجيش من خلال الاستعانة بهذه الجماعات التي تمتلك قوة عسكرية موازية وخبرة قتالية عابرة للحدود، بالإضافة إلى وجود مصالح اقتصادية مشتركة من خلال عمليات التهريب التي يشارك فيها الطرفان.
وبالتالي، فإن التحالف سيظل قائمًا طالما ظل العدو المشترك قائمًا، ولكن في حال ظهور فرص حقيقية لتسوية الأزمة، أو حدوث اختلال في موازين القوة، فإن هذا التحالف مرشح للانهيار.
وفي المقابل، يتضح أن التحالف بين الطوارق والجماعات الإرهابية يحمل داخله عوامل ضعفه وتفككه، وهناك مجموعة من السيناريوهات التي قد تؤدي إلى انهيار هذا التحالف في أي لحظة، وهي كالتالي:
(*) مصالحة وطنية وتسوية سياسية: إن حدوث أي فرصة حقيقية للتسوية السياسية للأزمة تمنح الطوارق بعض الحقوق وتضمن لهم تمثيلًا عادلًا داخل الدولة، دون الانفصال عنها أو تبني صيغة حكم ذاتي، فإن التحالف سيفقد جوهره المتمثل في مواجهة العدو المشترك، وبالتالي لن يصبح الطوارق في حاجة إلى التحالف مع الجماعات الإرهابية، وسيتم دمجهم سياسيًا في الدولة.
(*) تصاعد الاختلاف الفكري والاجتماعي بين الطرفين: من أبرز العوامل التي تُشكل تحديًا جوهريًا لاستمرار التحالف وجود اختلافات أيديولوجية عميقة بين الطرفين، والتي سبق الإشارة إليها، والتي تُعد مصدر توتر دائم، إذ إن محاولة أي طرف فرض أيديولوجيته على الآخر ستكون بداية نهاية هذا التحالف.
(*) التنافس على الموارد: إن حدوث أي نوع من التنافس على الموارد أو مناطق النفوذ داخل الصحراء سيكون عاملًا حاسمًا في إنهاء التحالف.
(*) التدخل الدولي: في حال حدوث تدخل دولي لإنهاء الصراع، أو تمكن الجيش المالي من السيطرة على المناطق الشمالية وإعادة تمركز الطوارق بعيدًا عن الجماعات الإرهابية للحفاظ على شرعيتهم السياسية، فإن ذلك سيؤدي إلى انهيار هذا التحالف.
ومما سبق يتضح أن التحالف بين الطوارق والجماعات الإرهابية هو تحالف مصالح مؤقت وقصير الأجل، تحكمه المصلحة وليس الهدف الاستراتيجي المشترك.
في النهاية، يمكن القول إن التحالف بين الطوارق والجماعات الإرهابية في مالي لا يعكس أي تقارب أيديولوجي أو عقائدي، وإنما هو تحالف مصلحة فرضته تعقيدات البيئة الأمنية وطبيعة الصراع في الشمال. فقد ساهم ضعف الدولة وعدم قدرتها على بسط سيطرتها على كامل الإقليم، إلى جانب التهميش السياسي والاقتصادي، في خلق فراغ أمني شكّل بيئة ومساحة عمل مشتركة تلتقي فيها مصالح الحركات الانفصالية مع أهداف الجماعات الإرهابية، رغم الاختلاف الجوهري في أهداف كل طرف.
ويكشف هذا التحالف عن تغير جذري في طبيعة التهديدات في منطقة الساحل، إذ لم تعد الدولة تواجه فاعلًا مسلحًا واحدًا، بل شبكة من التحالفات المؤقتة والمرنة التي تستطيع إعادة تشكيل نفسها وفقًا لمتطلبات الضرورة الميدانية. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا النمط من التحالفات يظل هشًا، لأنه قائم على المصلحة وليس على رؤية سياسية موحدة.
وعليه، فإن مستقبل هذا التحالف لن يتحدد فقط بقدرة الدولة على حسم الصراع عسكريًا، بل بقدرتها على معالجة جذور الأزمة التي دفعت الحركات الانفصالية إلى اللجوء لهذا النوع من التحالفات.